ص1       الفهرس  81-90

 

الإنسان والبيئة بواحات الجنوب الشرقي المغربي

من خلال الوثائق والأعراف المحلية

 

حميد إحدى

كل مجال في تاريخ البشرية ينتج مجاله الخاص وعلاقته الإنتاجية والاجتماعية الخاصة بحسب تطوره ومستواه التقني. فالإنسان يعمل على تنظيم المجال وتغييره، لكن في المقابل فإن هذا الأخير بدوره يؤثر في الإنسان وفي أشكال حياته. ومن هنا تأتي جدلية المجال والمجتمع. فرغم تطور المجتمعات وتغيير أساليب حياتها وتقنيات إنتاجها يحتفظ المجال بهياكل تشهد على التأثيرات المتبادلة بينه وبين الإنسان.

وتعتبر الواحات مجالا نمودجيا للتعايش والتكامل حيث عمل إنسان الواحات على خلق نظام إنتاجي محكم يتميز بالليون ليضمن استقراره واستمراريته، وليواجه مختلف الأخطار والمشاكل التي يمكن أن تحدق به؛ ذلك لأن المجال بالرغم من الإمكانيات والموارد التي يتوفر عليها، فهي تبقى بعيدة المنال إذا لم تخضع لإعداد وتنظيم قادرين بجعلها في متناول الإنسان وتحويلها وفق أغراضه الخاصة.ولا بد إذا من التحكم الدقيق في تعبئة الثروات المائية والترابية والنباتية قصد استغلالها والحفاظ عليها.وبذلك تطورت ثقافة واحية متكاملة دفعت بالإنسان الواحي إلى البحث عن طرق مثلى معقدة أحيانا باختراعه العديد من أشكال التنظيم والإعداد.

وكما هو الشأن بالنسبة لكافة المناطق شبه الصحراوية، تعاني واحات الجنوب الشرقي المغربي من صعوبة وقساوة الوسط الطبيعي، بسبب الظروف المناخية السائدة بالمنظقة فعلى مستوى النطاق الصالح للزراعة، فإنه لا يمثل إلا نسبة ضئيلة من مجموع الأراضي، فهو عبارة عن أشرطة ضيقة تمتد داخل وديان المنطقة، فيما يشكل الرعي مجالا أوسع بحكم طبيعة نمط عيش سكان هذه المنطقة التي تعيش فيها هذه الظروف القاسية دورا واضحا في التأثير على نمط عيش القبائل وأنشطتها الإقتصادية[1] وعلى طباع الناس وعاداتهم وأعرافهم، وهذا ما يؤكد ما خلص إليه أكثر من مهتم بالجغرافية التاريخية من أن دور المناخ والتضاريس كان على الدوام العامل المحدد في تطور المجتمعات البشرية عبر التاريخ، فقد خلص أحدهم أن "الجغرافيا توجه التاريخ"؛ لأن الإرادة البشرية والسياسية تكون على الدوام وراء عمليات تنظيم المجالات الحيوية القائمة على إرث تاريخي حيث تستمد المجموعات البشرية شروط الإستفادة من مؤهلات النشاط الاقتصادي ضمن تعايش متكامل يفرض من حيث المبدأ الطبيعي العام، التزام سائر الأطراف بمجموعة من الأعراف والاتفاقيات التوافقية أو الضمنية، لكن ضمانها وحمايتها يتوقفان على وجود سلطة تستمد شرعيتها وقوتها من قوة السلاح وهذا ما تمثله في مجتمعات الجنوب الشرقي المغربي التكتلات القبلية الكبرى(آيت عطا وآيت بفلمان) أو بفعل امتلاك أخلاق دينية ذات تأثير روحي وهو ما تجسده مؤسسة الزوايا.

إن المتتبع لأخبار المنطقة من خلال الوثائق والأعراف المحلية التي أفادتنا في رسم معالم المعطيات البيئية وما هو موجود على أرض الواقع يلاحظ بجلاء تام الارتباط الوثيق بين الطبيعة والسكان. وسنحاول من خلال هذه المقالة أن نقدم تصورنا المتواضع بالاعتماد على مجموعة من الأعراف التي تهم قبائل آيت عطا بالرتب( زيز)[2] وآيت مرغاد بفركلة[3] وعرف بتودعة[4] وكذا عرف آيت عطا الطاوسـ بودنيب بكيرـ كنماذج لهذه الدراسة وأيضا على مجموعة من الوثائق المختلفة وتهم الأحوال الشخصية من معاملات ومراسلات وهي وثائق مازالت لم تستعمل بما فيه الكفاية وبإمكانها أن تقدم لنا معلومات واضحة ودقيقة عن التوازن الايكلوجي الموجود بواحات الجنوب الشرقي المغربي وكيف استطاع الانسان بهذه المناطق أن يحافظ على هذا التوازن الهش والنموذجي والذي استطاع بعبقريته أن ينظم ويوفق بين جميع عناصر المنظومة الواحية.

ضبط المياه

يتميز عالم الواحات بخبرة تاريخية غنية في إعداد المجالات الزراعية المسقية، فقد كان ضبط المياه من أولويات اهتمام السكان ويمكن اعتبار أحواض الجنوب الشرقي المغربي مجالا لطرح ومعالجة المسألة المائية في علاقاتها بالمعطيات الطبيعية والبشرية والمجالية باعتبار هذه المنطقة تشكل منظومة بيئية واحية ترتكز في توازنها الاكولوجي على عنصر الماء أولا والماء ثانيا والماء ثالثا.

لقد سبق لأحد الجغرافيين أن قال بأن مستوى الفرشة المائية في الواحات ليس معطى طبيعيا بل هو نتاج اجتماعي[5]، ويمكن أن نستنتج أن المجتمع الواحي إذا ما قل اهتمامه بتنظيم الماء وصيانة القنوات فإن مستوى الفرشة المائية سيتناقص ويتبعه تناقص في الرقعة المزروعة وأشجار النخيل[6]. لدا أبدى السكان براعة في ابتكارتقنيات خاصة لاستغلال مياه العيون والسيول والوديان والأنهار والمياه الجوفية، فأقاموا السدود لتحويل المياه الجارية إلى سواقي لري حقولهم وحفر الآبار وأنشأوا الخطارات على طول كيلومترات لإخراج المياه الجوفية إلى سطح الأرض. كل ذلك يعني تجنيد طاقات تقنية وبشرية هائلة ويعني أيضا تنظيما اجتماعيا محكما يستجيب لتدبير الثروة المائية والمحافظة عليها فسنوا قوانين وأعراف لتنظيم أعمال الصيانة تتم أحيانا عبر تعبئة جماهيرية: التويزة وهو العمل الجماعي الإجباري حتى أن النداء الذي يعلن عن بدايته يحمل شعار الخروج من"حد الصايم" أي أنه يشمل جميع الذكور البالغين الراشدين. وكانت الأعراف المحلية لا تتورع في معاقبة كل من تخلف عن هذا العمل الجماعي الإلزامي. ويعتبر نظام الخطارات المعمول به في المنطقة من أقدم التقنيات المستعملة في ميدان السقي وتقضي"بحفر سلسلة من الآبار في خط مستقيم يتم تجميع أعماقها بواسطة قناة جوفية يكون ميلها أدنى من مثيلها على وجه الأرض وهكذا عند الاقتراب من السطح يلامس الماء السواقي ويغديها لتروي بذلك الزروع"[7] وتتميز الخطارة بصبيبها المتواصل طيلة السنة من دون بذل أي مجهود كبير؛ ولهذا حرصت أعراف كير مثلا على سلامتها ونظافتها وخاصة الأمكنة المخصصة للشرب ففرضت على الأطفال وأصحاب الحيوانات ذعائر مالية لمن يرتادها.

وقد طرحت على مشرعي الأعراف عدة مشاكل فيما يتعلق بموضوع مرور السواقي من أراضي الغير والانتفاع من مائها بين أهل العالية والسافلة فوضعوا لذلك ضوابط عرفية نلمسها من خلال عرف آيت مرغاد بفركلة[8] حاول من خلالها التخفيف من حدة هذه المشاكل وذلك بتنظيم عملية الانتفاع من مياه الساقية.

وإذا تفحصنا الأدوات المساعدة في العملية الزراعية يتبين بوضوح أن مادتها الخام المعتمدة في صناعتها متوفرة بكثرة في المنطقة.فسعف النخيل تنتجه المنطقة بكثرة وهي أدوات أنسب للبيئة المحلية واستجابة لظروفها لدا حرصت الأعراف المحلية على المحافظة عليها، فقد فرضت أعراف تودغة[9] مثلا على:

1 من قطع شجرة لأحد مثمورة يعطي خمسة أواق وإن كانت غير مثمورة يعطي عشر موزونات ويرد ما أخذ.

2 ومن هلك نخلة لأحد أو قطعها له فعليه استخلافها(ويقصد ضرورة تعويض المتضرر بنخلة أخرى من أملاك الجاني).

إن الوسط الطبيعي للمنطقة هيأ جميع العوامل الملائمة لنمو أشجار النخيل وهذا ما جعلها مجالا خصبا لانتشار هذه المغروسات على نطاق واسع وهذا ما نلتقطه في كثير من العقود والرسوم المختلفة. وقد حملت هذه الأهمية بعض الدارسين إلى اعتبار الحياة شبه مستحيلة بدون نخيل بهذه المجالات[10]، فقد حظيت بالفعل النخلة بمكانة خاصة لدى الإنسان الواحي وأحاطها بعناية خاصة، فقد جاء في الشرط 210 من اتفاق آيت عطا الكارة بالرتب[11] مايلي:"وأما من ضرب النخلة أو الشجرة أو خسر الغلة فنصافه خمسة مثاقيل إن بلغ وإن لم يبلغ فنصافه مثقال".كما كانت الأعراف المحلية صارمة في الحفاظ على جريدة النخيل فقد جاء الشرط 17 من اتفاق قصر آيت عثمان ما يلي:" وأما من قطع الجريد في نخيل غيره بريال ويفتشه الشيخ إن شك فيه وكذلك سعف القلب ويثبت بالشهادة المكتوبة سرا وعلانية"[12].

انتشرت أيضا بالمنطقة ثروة شجرية مهمة خاصة شجر الزيتون والتين والمشمش والرمان والجوز ونبات الورد هذا الأخير الذي أشير إليه في بعض وثائق دادس[13] تم احترام هذه الأشجار في أعراف المنطقة بتودغة[14] مثلا يمنع ما يلي:

"أن من سرح الشياه في فدان فيه غرست الزيتون كانت كبيرة أو صغيرة فيعطي بسيطة لكل شاة أو معزة. ومن حش الزيتون لأحد أعنى إذا أشلخها للشياه أو النار أو غيره فيعطي ريال بوجهه سواء في الليل ولا في النهار وإن أنكر يحلف بخمسة من أخوانه في المسجد الكبير"[15].ونجد في عرف الكارة أيضا:    "من أوقد النار في المزرعة من وقت الفول حتى يحصد الزرع ومن وقت الذرة حتى تحصد نصافه مثقال لكل واحد في حدود الكارة كله"[16]

بنود تتعلق بالنظافة

       واعتمادا كذلك على هذا النوع من الوثائق والأعراف المحلية يظهر أن مجتمع الواحات كان يمنع أيا كان من استغلال بعض الأماكن العمومية لحسابه الخاص بل يتوجب على كل السكان أن يلتزموا بتنظيفها، بحيث تمنع الأعراف رمي الأزبال كيفما كان نوعها ومن ثبت عليه أنه رمى عليها أوساخا أو قاذورات يؤدي على ذلك ذعيرة مالية. فقد منعت إحدى شروط اتفاق قصر الكارة وسعيا وراء الحفاظ على نظافة الأزقة التغوط بين الأسوار وداخل المسجد ما يلي:

1 وأما من نجس في داخل القصر في جميع الزقائق نصافه مثقالا وكذلك جميع الفنادق يعطي مثقالا سوى الحفرة إلى فندق تسلتين وجميع الفندق الكبير المعلوم لذلك[17]

2 ومن تنجس بين الأسوار من برج آيت جبور إلى فم المعسرة ومن رأس البرج الذي ينسب لعيشة احساين إلى الذي للمعسرة في الخارج نصافه مثقال[18].

عملت أيضا هذه الأحكام العرقية على رفع الضرر الذي يسببه الماء المستعمل في حالة عدم صرفه وكذلك ماء المطر الساقط الى الشارع العام من ميازيب الدور للحفاظ على نظافته لما يترتب من ضرر للمارة والسكان عامة ولضمان السلامة من الأمراض وتفادي الرائحة الكريهة فدائما بحسب أعراف آيت عطة بالرتب" فمن هرق الماء في المزاب للفحل الكبير نصافه مثقالا وإن حلف وحده أنه لم أعلم بهرقه ولا أردته إلا هرق بدون طاقتي فلا شيء عليه[19]. ونظرا لطبيعة الاقتصاد السائد في الواحات والمعتمد بشكل كبير على الحاجيات الضرورية من المأكل والملبس والذي ترتكز قاعدته المعيشية على الغذاء النباتي، فإن ما كان يستغنى عنه من فضالات ونفايات قليل جدا، وكل ما يمكن طرحه من بقايا المواد الغدائية المستهلكة يعطى للماشية والدواجن التي تشغل حيزا هاما بأسفل المنزل. فهذه الحياة المعيشية البسيطة ليس من شأنها أن تخلق أزبالا في الطرقات وساعدت الأعراف على إبقاء هذا النظام بسن قوانين نورد بعضها في الأمثلة الآتية:

- فمن باع التبن لأحد من غير أهل البلد ليخرجه عنها أو الغبار نصافه خمس مثاقيل ويرد ذلك[20].

-  وكذلك الدكار ليبيعه أو ليعطيه لشياهه نصافه ريال[21].

وتؤكد أحد أعراف تودغة على أهمية الأزبال بالبند التالي الذي يلزم من سرق الزبل يعني الغبار من الفدادين يعطي خمسة أواق لكل حمل[22].

إن الفائدة الكبرى والأهمية التي توليها هذه الأعراف للأزبال، الهدف منها معالجة الأراضي الزراعية، سيما وأن زبول بني آدم حسب ما يفيدنا به أبو الخير الأندلسي مؤكدا بأن:"أفضل الزبول زبل بني آدم الذي قدم وعتق في الكنف وفتيت بعض رطوبته فإن رطب صار يصلح به جميع الشجر والحبوب وتصلح به المقاثي والقرع إذا توقفت واصفرت وله تأثير في شجر السفرجل إذا شرف وسوس ثمره وفسد واعترته التواليل في أعناق شجره وأغصانه فإنه يصلحه صلاحا بينا"[23].

ولهذا فنساء المنطقة تدر ما يجتمع لها من رماد فوق الزبل المجتمع أسفل المنزل من روث البهائم وغير ذلك قصد معالجته وتعتيقه والمحافظة على قوة فعاليته ورطوبته ودرء ضرر رائحته الكريهة للخروج به إلى الحقول لمعالجة الأراضي الزراعية خاصة البحائر.ونصت القوانين العرفية أيضا على ضرورة إلقاء ما تبقى من الأواني والصهاريج المستعملة في معاصر زيت الزيتون من فضالات وتفالات أو ما يسمى محليا بالزرديخ أو النخنيخ بحسب الأماكن في حفر خاصة توضع خارج المعصرة.

قوانين الرعي

       عملت الأعراف لما كانت تمليه الطروف الإيكولوجية الصعبة بوجه عام للحد من أشكال تدهور البيئة لحساستها الكبرى بالمراعي لتدفق القطعان الجائعة، فالجفاف يزيد من هشاشتها والإفراط في الرعي يودي إلى تفاقم عوامل التدهور. لما عملت هذه الأعراف على تقنين الرعي في بعض الأماكن وفي بعض الأوقات بخلقها ما يسمى بأمغار نمردول أو شيخ المراعي لتنظيم عملية جمع الحطب"أزدام" والمحافظة على المراعي الاحتياطية وفي حالة تسجيل خروقات من لدن الرعاة يلزمهم بدفع ما يسمى بتمكدولت مشتقة من كلمة أكدال  وهي عبارة عن شاة للقبيلة ويشترط في أمغار نمردول أن يكون بالغا ومطلعا على حدود القبيلة والمراعي الاحتياطية ودو صحة جيدة لأن مهمته جد صعبة؛ لأنه يتحول إلى حاكم في النزاعات بين الرعاة ويمثل القبيلة في كل ما يتعلق بالمراعي.

وقد سنت الأعراف قوانين جد صارمة بتعيين المواضيع التي يجب أن يرتادها الرعاة فمنعت عليهم مثلا المقابر والأنادر لا سيما عندما يبدأ وضع المحاصيل الزراعية بهذه الأخيرة كما منعت على الرعاة الأجانب استعمال حريم البلد اللهم إلا إذا تعلق بالتزود بالماء أو غير ذلك وأحسن مثال لذلك نجده في البند 147 من عرف آيت عطا بالكارة بالرتب الذي ينص ما يلي:

-           وأما البهائم إن سرحوا في المقابر أو في النوادر نصافهم مدنا شعير لكل بهيمة.

-           وأما من سرح في المقابر أو في النوادر حيث ينزل فيه الحمل الأول من الخريف أو الصيف حتى ينقضي جميع ما فيهم من الزروع والثمر نصافه ربع مدنا شعير لكل شاة[24]

-            وأما من حطب وحش أو قلع افسيس من غير السارح من أرماس الى ومسمسة إلى النخلة المذكورة نصافه خمسة أواق.

-            وأما من قطع انكرف مع السدر وتلكوت وتونغت أو دخلهم أحد إن كانوا خضر انصافهم خمسة مثاقل. هذا إن وجدهم الشيخ وإن شك فيه يربط له خمسة بلا ترمت بقول لا قطعت ولا علمت وينجى وأما من قطع اليابس فلا شيء عليه.

-            وأما من نتف الفرسيك في شاطيء الوادي فنصافه خمسة مثاقيل سوى إن أراد  فدانه فيقلعه حتى يوقف على شاطئ الوادي ولا يقلع الذي كان فيه.

يتضح أيضا أن الهدف من هذه الأعراف هو المحافظة على البيئة الطبيعية والواحات والمراعي والعمل دون إتلاف وانقراض الأعشاب؛ لأنه يجب على المرء أن يتوفر على المعرفة الدقيقة بالأعشاب أو يكون من أهل الحرفة ليعي صعوبات تجدد بعض الأجناس من النباتات التي انقرضت بالمنطقة ولا نجد لها أثرا في المراعي ماعدا في المقابر وجنبات الأضرحة لما لعبته هذه الأخيرة والأعراف المحلية في الذهنية المحلية.

أحكام ضد التلوث السمعي:( التوازن النفسي)

إن السكن في قصور الواحات يوفر مناخا اجتماعيا مستقلا قل نظيره فهو تعبير عن التماسك والتآزر ومظهر من مظاهر أخلاق الجوار القائمة على الاحترام التام وعدم إيداء الجار مما يخلق نوعا من التوازن النفسي لدى المرء. فالإنسان في مثل هذه المجتمعات يحس أنه وعائلته في مأمن رغم قساوة الظروف[25] وتنص أعراف  آيت عطا زيز مثلا على من أخوف أهل البلد بلا سبة نصافه عشرون مثقالا[26].

- ومن ضرب في الليل بالمشهب أو الكرط أو غيره ولم يبلغ دار أحد فنصافه خمسة مثاقل لكل واحد.

- وأما من طوع الكرط من خارج السور لداخله يعطي عشرون مثقالا إن وجد صائم وخمسة مثاقل للقاصر.[27]

وفي عرف آخر بنفس المنطقة نجد:

أن من استعمل البندير أو الكنبري أو الغيطة بدون مناسبة يؤدي ذعيرة مالية قدرها خمس فرنكات إن كان بالغا وفرنكين ونصف إن كان قاصرا[28].

دور المعتقدات في الحفاظ على البيئة في الواحات:

تشكل المعتقدات القديمة مصدرا من مصادر العرف التي اعتمدتها أيضا المرجعية الدينية بشكل عام؛ لأنه إذا اعتادت الجماعة أمرا صار عرفا لها وعادة الجماعة وعرفها متلاقيان في المؤدى؛ لأن"العرف هو في الأصل كل خصلة حسنة ترتضيها العقول وتطمئن إليها النفوس، زيادة على أن قواعد العرف تلزم الناس ولو كانوا يجهلونه؛ لأن الأصل فيه أنه لا يقدر أحد بجهله للقانون.[29]

يدل سلوك السكان بالواحات على اعتقادهم بوجود كائنات غير طبيعية في حياتهم ومن بينها الجن وكانوا يعتقدون أن هذه الكائنات تطرق أماكن معينة بالذات وهي في الغالب أماكن مظلمة أو موحشة أو قدرة كمخارج الدور والمساجد وبرك المياه الراكدة والمغارات ومنابع المياه ومواقد النيران والأضرحة والتي أصبحت تساعد الإنسان الواحي سيكولوجيا على الأقل في شفاء المرض وتجديد أمل العوانس ومحل أداء اليمين تنتهي عنده المسطرة القانونية عند انعدام البيئة كما تشهد بذلك رسوم التقاضي. ويتم اللجوء إلى هذه المسطرة اعتبارا لمسألة الجزاء الإلهي"نونانت" أي المصيبة والقدر والحظ السيء أو التعرض لمرض أو غرق أو حريق أو فقدان البصر لكل شخص يحنث في يمينه. فحسب العادات والتقاليد التي مازالت موجودة ومنتشرة بالمنطقة إلى الآن والتي يمكن ربطها بطقوس قديمة إنطلاقا من مقاربة أنترويولوجية فإن الماء يشكل محورا أساسيا في الفضاء العقائدي لسكان الواحات وأن أهميته في مجال اتسم مناخه بالطابع الجاف يتخد في الذهنية المحلية مكانا متميزا ركزت حوله العديد من الطقوس التي سعت إلى جعل هذا العنصر الحيوي أكثر ثراء حتى يساهم في خصوبة الأرض وها ما نلمسه من خلال النقائش والرسوم الحجرية التي تبين مدى قدسية الماء لدى الساكنة المحلية في المغارات والحمامات الاستشفائية، وكل هذا يبين الدور الذي كان يلعبه الملء في الحياة اليومية في الواحات، وهناك أيضا بعض الحيوانات المقدسة والممنوعة الصيد كاليمام والغزلان وحتى الضفادع الخ فحسب عرف أفانور بتودغة مثلا: فمن قتل حمامة لغيره يعطي أربع موزونات[30].

أشغال الترميم من خلال بعض الوثائق المحلية:

اعتمد الإنسان على ما يوفره الوسط الطبيعي من مواد أولية لإقامة سكنه ببناء القصور والقصبات، فاستعمل التربة المحلية وخشب النخيل ...الخ ويظهر من النمط العمراني الحالي أن هذه البنايات عرفت عدة اصلاحات وترميمات وتعبر عن ذلك بعض الوثائق الموجودة بالخزانة الملكية نورد أمثلة منها لأهميتها:

-           الوثيقة رقم 24008 المعنونة بتاريخ 8 شوال عام 1268 هـ/1852 وهي عبارة عن رسالة من الوصيف مسعود الشيباني إلى الأمير سيدي محمد بن عبد الرحمان في شأن إصلاح بعض القصور المخزنية بتافيلالت( أولا عبد الحليم -آبار).

-           الوثيقة الثانية رقم 24009 بتاريخ 18 شوال 1268 هـ/ 1852 وهي عبارة عن رسالة من نفس الوصيف في شأن بعض الترميمات والبناء المزمع إنجازه بقصر أولاد عبد الحليم(تبليط المصرية بالجبس والحجارة وتزليج أنباح الدورية الخارجية وبناء الحمام والجنان والقناطر)

-            وهناك وثيقة ثالثة بدون رقم والمؤرخة في 8 محرم 1305 هـ / 1887 وهي رسالة من الأمير المولى سليمان بن محمد بن عبد الرحمان إلى السلطان المولى الحسن I نجد فيها قيامه بترميم ضريح مولاي علي الشريف وقصر أولاد عبد الحليم وقصر بني ميمون وقصر تغمرت وقصبة مولاي سليمان بعد أن تعرضت هذه المصالح لعدة أضرار نتيجة فيضانات وادي زيز.

 وهناك بندا في أعراف آيت حديدو ينص على ما يلي:

- لا أحد يستطيع البناء جهة الشمس، يعني ألا يكون البناء حاجزا للشمس على جيرانه[31].وهذا البند ما زال ساري المفعول إلى يومنا هذا الشيء الذي أعطى للقصور شكلا هندسيا وتتصميما واحدا.

الخاتمة:

إن أحد العوامل الأساسية في سلامة النظام البيئي للواحات هو تعقيده بتفاعل عدة عناصر مجتمعة: المناخ والأرض والماء والإنسان. وإذا أدى عمل هذا الأخير إلى تبسيط هذا النظام الفريد من نوعه فإن ذلك يسهم في خلخلة توازنه وجعله أكثر عرضة للتهدم والاضمحلال كما أن الفكرة السائدة عند البعض أنه بإمكان الاستعاضة عن شبكة الآليات الذاتية للتنظيم التي يتميز بها النظام البيئي الواحي والتي لم تصل إلى وضعها الحالي من الدقة إلا بعد قرون من السنين من التطور بطرق تكنولوجية متنوعة هي فكرة خالية من أي خيال علمي وحتى من أي واقعية ولدى يجب الأخذ بعين الاعتبار الأعراف المعمول بها سابقا في أي دراسة تهم تنظيم المجال بعالم الوحات لأن تعطل هذه الأنظمة سيؤدي حتما إلى تعطيل الحياة في الواحات وهذا ما تأكد لنا بالملموس في واحة درعة على سبيل المثال. 

 

الهوامش



[1]- جوردن است: الجغرافيا توجه  التاريخ ـ ترجمة جمال الدين الدناصوري ـ دار  الحداثة بيروت 1982 ـ ص 173

-[2] AHDA (MHAMED : Le droit coutumier des Aït Atta dAoufous Sud  est marocain  - Revue Awal n°24    édition de lma maison des sciences de l’homme Paris 2001.

[3]  -Mezzine (Larbi) : Le Tafilalt : contribution  à l’historie du Maroc aux XVII et XVIII siècles. Imprimerie Najah El Jadida – Casablanca 1987

-[4]  AHDA (M’HAMED) : Le droit coutumier des Aït Morghod  de Ferkla (sud est Marocain) article en cours de publication.

[5]  - (H) ATTIA : «  Au cours des journées sur l’afrique »  Grenoble 1971. (L) Valensi أوردته

-[6]  (L) Valensi : « Fellah tunisien, l’économie rurale et la vie des campagnes aux 18ème et 19ème. Mouton. Paris la houe . 1977 P173

-[7]  (J) DRESH : « L’agriculture en Afrique du Nord ». Paris 1956 p69

 -[8]AHDA (M’HAMED) : Le droit courumier des Aït Marghad de Ferkla

[9] -احدى امحمد: الاعراف المحلية : عرف أفانور نموذجا ص: 22.

[10] - (DJ) MEUNIE : Le Maroc saharien des origines au XVI T1 Librairie Klinckseick. Paris. 1982 P100

-[11]  (L) MEZZINE : Le Tafilat …op.cit  P160

[12]  -(L) MEZZINE : »Taqqit de Ayt Atman : le recueil des règles de coutume d’un groupe de qsur de la moyenne vallée de l’oued ziz Hespéris Tamuda vol XIX Rabat 1980.81 

[13]- إحدى "وثائق دادس"  نص الرسالة الموجهة إلى السيد مولاي الحسن أوجانا

[14] -أممد إحدى ـ المرجع السابق ص: 54

[15] - مرجع سابق، ص 54

[16]  -Mezzine (Larbi) : contribution – op.cit p138

[17]  -Mezzine (L) Ibid p141

[18]  -Mezzine (L) P141

 [19]  -Mezzine (L) Ibid P138

[20]  -Mezzine le Tafilalt  op.cit P162

[21]  -Mezzine Ibid p 162

[22] - إحدى امحمد: عرف تودغة  ص: 26

[23]- أبو الخير الأندلسي: كتاب الفلاحة ـ الطبعة الأولى فاس 1358 هـ ص: 84

 

[24] Mezzine op.cit p173

[25] - أيت حمزة ـ المرجع السابق  ص 92

[26]  Mezzine opcit P143

[27]  -Mezzine Ibid P138

[28]  -AHDA M’hamed : Le droit coutumier des Ait Atta opcit P104

[29]- الجيدي( عمر عبد الكريم) " العرف في المذهب المالكي ومفهومهما لدى علماء المغرب" مطبعة فضالة ـ المحمدية  1982   ص 40

[30]-  احدى امحمد: الاعراف  مرجع سابق  ص25

 [31]- عرف آيت حديدو وترجمه الملازمMartin cité par Bousquet (G) : le droit coutumier des Aït Hdidou des Assif Melloul et isselaten – Notes et réflexions Edition le typo lino et jules corbo 1965 Alger.