انطوى موقف النخبة المغربية من التعليم الأوروبي بالمغرب،
أيام الحماية، على تناقض صارخ، تجلت أبرز معالمه في انتقادها هيمنة اللغة الفرنسية
على برامج ومواد المدارس الفرنسية – الإسلامية والثانويات الإسلامية من جهة،
وسعيها الحثيث لتمدرس أبنائها رفقة أبناء الأوربيين من جهة أخرى. ولعل الرغبة في
التميز والاختلاف والطموح إلى الحصول على الباكالوريا لمتابعة الدراسة، شكلت
أسبابا حقيقية لإقبال المغاربة المسلمين على هذا "النوع" التعليمي.
وقبل التطرق إلى هذا الموضوع لا بأس من إلقاء نظرة عن
التعليم الأوربي بالمغرب، الذي يرجع تاريخ وجوده به إلى فترة سابقة عن الحماية،
ممثلا في المدارس التي أنشأتها البعثة الفرنسية، حيث تم خلق أول مؤسسة للتعليم
الثانوي بالمغرب سنة 1909 بمدينة طنجة، بعد ذلك توالى تطور أعداد هذه المؤسسات،
وتطور عدد المتمدرسين تماشيا مع تزايد وفود المعمرين والجنود على المغرب. وأولى
ليوطي اهتماما بالغا بتعليم أبناء الأوربيين، حيث عمل على استقدام أستاذين من
جامعة بوردو لتنظيم أولى امتحانات البكالوريا بالمغرب سنة 1915. وبلغ عدد المرشحين
لنيل هذه الشهادة 13 مرشحا
[1]،كما حرصت
إدارة التعليم من جهتها على توفير أجود الأطر الحاصلة على المؤهلات نفسها التي لدى نظيرتها في
الميتروبول، للإشراف على هذا التعليم[2]، وتلقين صغار
الأوربيين دروسا في التاريخ والجغرافيا والمؤسسات الإسلامية والتنظيم الإداري
بالمغرب[3].ووصل عدد
المؤسسات الثانوية سنة 1950 إلى حوالي 14 مؤسسة، تتوزع على كبريات المدن المغربية،
من أهمها: ثانوية رينو سانت أوليرRegnault SAINT AULAIRE بطنجة، وكورو
بالرباط وليوطي بالبيضاء وبويميرو
بمكناس ومانجان بمراكش، إضافة إلى الثانوية المختلطة بكل من مدينتي فاس ووجدة[4].. وتزامن ذلك
مع تزايد عدد التلاميذ الأوربيين، وعلى الخصوص بعد سنة 1925، حيث بلغ عددهم
بالمؤسسات الثانوية 10.000 تلميذ سنة 1937، مقابل 3.000 سنة1925[5]. ووصل عدد
الحاصلين على الإجازة 59 طالبا سنة 1930، مقابل 18 طالبا سنة 1925. والجدول
التالي يوضح تطور أعداد الأوربيين الحاصلين على الشهادة الابتدائية والباكالوريا
والإجازة فيما بين سنوات 1925 و 1930.
جدول رقم 1
|
الإجازة |
البكالوريا |
الشهادة الابتدائية |
السنوات |
|
18 |
57 |
677 |
1925 |
|
17 |
112 |
770 |
1926 |
|
19 |
97 |
828 |
1927 |
|
20 |
169 |
687 |
1928 |
|
49 |
200 |
730 |
1929 |
|
59 |
191 |
1051 |
1930 |
المصدر: D.G.I.P. Historique.., op. cit., pp.10 -23
- المدرسة المختلطة بشارع فرنسا
- مدرسة شارع "موريال" MAURIAL
- مدرسة زنقة "أنجو" ANJOU
- مدرسة أكدال.
وبلغ عدد فصول هذه المدارس 44 فصلا، مقابل 1060 فصلا بمجموع
المغرب[6]، أما أعداد المتمدرسين
فوصلت إلى حوالي 2141 تلميذا
وتلميذة سنة 1947[7]. ونزولا عند
رغبة الآباء، تم بفاس فتح ثانوية سنة 1931 للحد من رحيل
أبناء الأوربيين نحو الرباط وطنجة والبيضاء لمتابعة دراستهم الثانوية.
إن ما يهمنا ليس استعراض تاريخ تطور التعليم الأوروبي
بالمغرب، بقدر ما يعنينا بالدرجة الأولى تسليط الأضواء على مواقف المغاربة من هذا
التعليم، وتطور عدد المنتسبين إليه من أبناء المسلمين المغاربة؛ ورصد مختلف ردود
الفعل الفرنسية الرسمية منها والخاصة تجاه تزايد أعداد المغاربة بمختلف المؤسسات
الخاصة بالتعليم الأوروبي.
فإلى حدود سنة 1927 لم تكن قضية
تمدرس المغاربة بجانب الأوربيين مطروحة، إذ إن قبول المسلمين كان يتم بصفة استثنائية في ظل غياب تشريع يقنن هذه المسألة؛
لذلك انحصر عدد المقبولين في فئات محدودة جدا من أبناء الأعيان، ووفق شروط سياسية
محددة، غير أن السنوات اللاحقة عرفت تطورا ملحوظا في عدد الطلبات المقدمة إلى
رؤساء المؤسسات التعليمية الأوربية، وعلى الخصوص منذ سنة 1927. فما هي الدوافع التي حدت بالمغاربة إلى التهافت على هذا التعليم ؟ هل يرجع
ذلك إلى ضعف مستوى التلقين بالمدارس الإسلامية ؟ أم إلى عدم اقتناع المغاربة
وتخوفهم من فرنسا التي أنشأت مؤسسات خاصة تراعي النواحي البيداغوجية والاجتماعية
الخاصة بأبنائها، ومن ثمة اعتبروا ذلك وسيلة لعزلهم وإبقائهم في مرتبة دونية ؟
إن الإجابة عن هذه التساؤلات وغيرها ليس هينا، خصوصا إذا علمنا "صمت" الكتابات الوطنية
إزاء هذا الموضوع. وعلى أي قد تكون الرغبة في متابعة الدراسة وولوج عتبة بعض المهن
كالطب والهندسة والمحاماة…
عاملا أساسيا في هذا التوجه باعتباره السبيل الوحيد للحصول على الباكالوريا.
أما إذا رجعنا إلى الوثائق الفرنسية فنجدها ترجع ذلك إلى
الإحساس بتفوق الآخر، والرغبة في العيش على الطريقة الأوروبية، خصوصا وأن
البورجوازية المغربية أصبحت تدير ظهرها بشكل تدريجي للثقافة العربية الإسلامية.في
حين تؤكد وثائق أخرى أن بعض المغاربة عارضوا تمدرس أبنائهم إلى جانب أبناء جلدتهم،
حيث اعتبروا أن" مرافقة أبنائهم لصغار الفرنسيين أكثر نفعا واستفادة
من وجودهم بالمدارس الفرنسية - الإسلامية"[8].
رغم تزايد إصرار المغاربة على الالتحاق بالتعليم
الأوربي، فإن إدارة الحماية لم تعمد إلى إخراج قانون ينظم هذا الالتحاق، واكتفت
خلال المرحلة الأولى بإقناع المغاربة: " أن المقاول الذي يدير مئات
العمال، والفلاح الكبير هما أحسن بكثير من طبيب بدون زبناء ومحام دون قضايا"[9].وأكد برونو
رئيس مصلحة التعليم الإسلامي، على عدم فاعلية وجود المسلمين بالمؤسسات التعليمية
الأوروبية، ذلك أن" الطفل الفرنسي لا يأتي إلى هذه المدارس من أجل تعلم
الفرنسية، ولكن لتوسيع معارفه بمساعدة الوسط الذي يعيش فيه، وهذا على عكس
التلميذ المغربي الذي يرتاد هذه المؤسسات لتعلم الفرنسية دون مساعدة الوسط الذي
يعيش فيه، وبالتالي افتقاده لعنصر تكميلي، لذلك فمرتبته ستبقى دونية مقارنة
بأقرانه الفرنسيين"[10].
ورغم العراقيل التي كان الفرنسيون يضعونها أمام الأعيان
المغاربة للحيلولة دون التحاق أبنائهم بمؤسسات التعليم الأوربي، فإن أعدادهم عرفت
تطورا ملحوظا ما بين سنتي 1928و1929
كما يتضح من خلال الجدول الآتي:
جدول رقم 2
|
1929 |
1928 |
المؤسسات |
|
1 |
2 |
الدروس الثانوية بفاس |
|
6 |
5 |
الدروس الثانوية بمكناس |
|
11 |
9 |
ثانوية كورو بالرباط |
|
15 |
8 |
ثانوية ليوطي البيضاء |
|
35 |
18 |
إعدادية وجدة |
|
6 |
5 |
المدرسة الصناعية والتجارية بالبيضاء |
|
74 |
47 |
المجموع |
A.D.N,
Brunot, Note confidentielle au sujet des élèves marocains faisant des études
dans des établissements scolaires destinés à des Européens, 11 octobre 1929, p.
4
يلاحظ من خلال الجدول أن نسبة التحاق المغاربة بمؤسسات
التعليم الأوربي كانت مرتفعة بكل من البيضاء ووجدة؛ ويعزى ذلك أساسا إلى غياب
مؤسسة ثانوية خاصة بالتعليم الإسلامي وهو عكس ما تم تسجيله بكل من فاس والرباط حيث
كان أغلب أبناء الأعيان المغاربة يلتحقون بكل من ثانوية مولاي إدريس ومولاي يوسف.
تتردد الإشارة كثيرا في العديد من الوثائق الفرنسية إلى
نزوع العديد من أفراد البورجوازية الفاسية نحو العصرنة والتطلع للعيش على الطريقة
الأوربية، والإقبال على تعلم اللغة الفرنسية، حيث كان يطلب من مديرة مدرسة الفتيات
بفاس التركيز على تعلم هذه اللغة، و"من الأعيان من كان يضع أبناءه في
منازل فرنسية ظنا منه أن الوجود في مثل هذا الوسط يساعد لا محالة على التربية
الحسنة"[11]. وإذا كان
يصعب علينا نفي مثل هذا التوجه، فإن ما نود إبرازه هنا أن هذا الإقبال انحصر في
فئات قليلة من أبناء الأعيان، وبعض أبناء قدماء ثانوية مولاي إدريس. ولتأكيد ذلك
ارتأينا تتبع نسبة تطور عدد المغاربة في التعليم الابتدائي الأوربي، في كل من
مدرسة شارع موريال، وبالتعليم الثانوي في الثانوية المختلطة، وذلك من خلال طلبات
القبول المودعة بأرشيف بلدية مدينة فاس. وهكذا اتضح لنا من خلال تتبع مختلف
السجلات الخاصة بتلاميذ مدرسة شارع موريال ابتداء من سنة 1916، وهو تاريخ
افتتاح المؤسسة، أن الإقبال عليها انحصر في أبناء اليهود المغاربة، وأبناء الجالية
الجزائرية، وذلك إلى حدود الموسم الدراسي 1936-1937، الذي سجل
قبول أوائل التلاميذ المغاربة بهذه المؤسسة، وظل عددهم قليلا، وانحصر في أبناء بعض
المحميين الإنجليز، كما كان الشأن بالنسبة إلى نفيسة بنجلون المزدادة بمنشستر 1927[12]. في حين يرجع
تاريخ التحاق أول فتاة مغربية إلى سنة 1941، وكانت ابنة
أحد الجنود المغاربة (الداودي)[13]. وبقيت نسبة التلاميذ المسلمين المغاربة ضئيلة
جدا إذ لم يكن يتجاوز عدد المقبولين سنويا اثنين أو ثلاثة تلاميذ وذلك إلى حدود
الموسم الدراسي 1954-1955، حيث تم قبول 23 مغربيا بهذه المدرسة[14].
أما بالنسبة إلى
التعليم الثانوي فقد واجهتنا صعوبة كبيرة في تحديد نسبة المغاربة الملتحقين
بالثانوية المختلطة بمدينة فاس، ذلك أن السجلات الخاصة بالتلاميذ المسجلين
بالمؤسسة فيما بين 1930و 1944 مفقودة، وهو ما حال دون توصلنا إلى تحديد نسبة
التلاميذ المغاربة بالثانوية الأوربية فيما بين 1930و 1944. إلا أن
السجلات التي اطلعنا عليها، والتي يعود أولها إلى الموسم الدراسي 1945-1946، تبرز بشكل
جلي ضعف هذه النسبة. والجدول الآتي يوضح تطور أعداد المتمدرسين المسلمين واليهود
بالثانوية المختلطة بمدينة فاس فيما بين
1945 و 1956.
جدول رقم 3
|
اليهود |
المسلمون المغاربة |
الموسم الدراسي |
||
|
الإناث |
الذكور |
الإناث |
الذكور |
|
|
14 |
28 |
4 |
24 |
45-1946 |
|
10 |
18 |
4 |
17 |
46-1947 |
|
11 |
27 |
2 |
34 |
47-1948 |
|
19 |
27 |
9 |
44 |
48-1949 |
|
11 |
14 |
1 |
24 |
49-1950 |
|
5 |
14 |
11 |
27 |
50-1951 |
|
12 |
14 |
10 |
17 |
51-1952 |
|
4 |
15 |
9 |
27 |
52-1953 |
|
18 |
19 |
8 |
81 |
53-1954 |
|
16 |
19 |
24 |
39 |
54-1955 |
|
20 |
21 |
30 |
30 |
55-1956 |
المصدر: Registre Matricule du lycée mixte, 1945-1956
يتضح من الجدول أعلاه أن نسبة التلاميذ المسلمين
بالثانوية الفرنسية ظلت ضعيفة، حيث اصطدمت
رغبة الآباء بالعراقيل التي كانت تضعها كل من إدارة الشؤون السياسية وإدارة
التعليم. وإذا كان ولوج التعليم الأوروبي بسائر المدن المغربية يخضع بدرجة أولى
لموافقة مدير المؤسسة، فإن الأمر بمدينة فاس كان يختلف جذريا، ربما لكونها كانت
تحظى بوضع خاص، إذ كان البث في الطلب رهينا بموافقة إدارة التعليم بالرباط[15]، كما كان لوجود مؤسسة ثانوية إسلامية أثره الكبير في
الحد من أعداد المسلمين بالثانوية المختلطة" فتزايد أعداد التلاميذ
[بالثانوية المختلطة] سيحد لا محالة من مكانة الثانوية الإدريسية حيث سيتم
اعتبار التعليم بها في درجة ثانوية، وبالتالي اقتناع المغاربة أن التعليم الذي
أحدثته فرنسا لصالحهم، لا يرقى إلى مستوى التعليم الأوروبي"[16]، كما كان لهاجس عدم استكمال الشباب المسلم لدراسته
الثانوية أثره الكبير في زيادة المخاوف الفرنسية من تكوين تيار معارض لسياستهم
بالمغرب، خصوصا وأن" الفاشلين في الثانويات الفرنسية كانوا يشكلون
الأغلبية في النوادي السياسية"[17]. وكانت هذه الأسباب ذريعة أساسية لتدخل إدارة الشؤون
السياسية، التي أصبحت تتحكم في نسبة التلاميذ المسلمين بالمؤسسات التعليمية
الأوروبية، ذلك أن أمر قبول أو رفض الالتحاق بهذه المؤسسات أصبح رهينا بإرادة
إدارة الشؤون السياسية، بعد دراستها لملفات المرشحين التي كانت تضم عدة وثائق،
أهمها طلب المرشح الذي كان يتضمن معلومات عن وضعية العائلة والأسباب الداعية
للالتحاق، ورأي مدير المؤسسة التي قدم إليها الطلب، غير أن أهم ما كانت تتضمنه هذه
الوثيقة هي الخانة الخاصة بالخدمات المقدمة للوطن، أي فرنسا.
أما الطريقة المعتمدة في دراسة الملفات فكانت ترتكز
أساسا على البحث الذي يقوم به كل من باشا مدينة فاس ومصالح الأمن بها، حيث كانت
مروءة المرشح وعدم تدخله فيما لا يعنيه، حسب تعبير نائب الباشا، أو العلاقة
بالحركة الوطنية والمشاركة في مظاهراتها، حسب اصطلاح مفتش الشرطة، المعايير
الأساسية المعتمدة في تحديد موقف السلطات الفرنسية من المرشح. ظهر ذلك بشكل واضح
عندما قبلت فرنسا الطلب المقدم من قبل الملازم المغربي الداودي، ورفضها للطلب
المقدم من قبل عبد القادر التازي[18]، حيث أكدت إدارة التعليم "إن هذا التصرف هو
مثال يجب أن يحتذي به
المغاربة، ليدركوا جليا مدى العناية التي توليها فرنسا للمخلصين لسياستها،
والمعارضين لها كالتازي الذي خان السلطان بانحيازه لعبد الكريم"[19].
إن دراسة العديد من ملفات المرشحين تثير إشكالا كبيرا،
فبقدر ما كان أصحابها يناصرون تحسين مستوى التعليم بالمؤسسات الخاصة بالمغاربة،
نجدهم لا يتوانون في إلحاق ابنائهم بالمؤسسات الفرنسية، ولعل أبرز مثال هو حالة
محمد الزغاري، أحد أبرز أعضاء جمعية قدماء ثانوية مولاي إدريس.
كما كانت إدارة التعليم تتخوف كثيرا من نتائج وجود
المغاربة بالمؤسسات الفرنسية، على سياستها التعليمية، حيث كانت تبذل قصارى جهدها
للحيلولة دون التحاق العديد من أبناء الموظفين المخزنيين بسلك التعليم الأوروبي.
وفي هذا الصدد مورست ضغوطات كبيرة على
إدريس المقري، محتسب مدينة فاس وأحد أفراد عائلة الصدر الأعظم، لسحب طلب
التحاق ابنه بالثانوية المختلطة بمدينة فاس، وهو تصرف أثار حفيظة رئيس مصلحة
التعليم الإسلامي، الذي صرح قائلا: "من المؤسف أن نرى أحد أفراد عائلة
موظف مخزني كبير ينفر من التعليم الإسلامي، الذي لا يستحق استخفاف إدريس المقري، خصوصا وأن
مدارس فاس منظمة بشكل جيد وتسمح بالترشح لنيل الباكالوريا"[20]، والمصير نفسه لقيه طلب القائد علي، الذي رغم إخلاصه
لفرنسا ورفضه مصاحبة ابنه للشباب الفاسي بثانوية مولاي إدريس، فإن إدارة التعليم
رفضت طلبه معللة ذلك بأن قبول ابنه سيفتح المجال لتلبية طلبات كل من رئيس غرفة
التجارة والصناعة والمستشارون البلديون…
وهو ما كانت ترفضه سلطات الحماية [21]، خصوصا وأن هذه الموقف سيمتد ليشمل أفراد المجتمع
الأوربي بمدينة فاس؛ وهو ما جعل رئيس الغرفة الفلاحية يتدخل للحد من أعداد
المغاربة بالثانوية الفرنسية، وأبدى تخوفه من الاختلاف الموجود في العادات
والتقاليد ومن" وجود شباب مسلم متقدم في السن بجانب الفتيات الفرنسيات"[22].والأكيد أن ردود الفعل هذه لم تكن مبنية على أسس صحيحة،
كما أكد ذلك مدير الثانوية نفسه حينما أشار إلى "توفر التلاميذ المسلمين
على السن المحددة، وأن قبولهم بالمؤسسة جاء نتيجة امتحان وليس امتياز، كما
لم يتم تسجيل أي اعتداء من قبل التلاميذ المسلمين على الفتيات الأوربيات"[23].
رغم ضعف أعداد التلاميذ المسلمين بالمؤسسات الفرنسية،
فإن سلطات الحماية لم تتوان في التأكيد على أن قبول المغاربة بهذه المؤسسات،
"يبقى رهينا بمصلحة سياسية عليا"[24]، تفاديا للضرر الذي يمكن أن يلحق بصغار الفرنسيين، ومن
إدماج معاكس بسبب وجود نسبة كبيرة من الأهالي في هذه المؤسسات. ولتجاوز هذه
العراقيل، كانت العديد من العائلات تعمد إلى تسجيل أبنائها بالثانوية الفرنسية
بالبيضاء مستغلة ليونة شروط القبول، ثم تلجأ بعد ذلك إلى طلب الانتقال إلى
الثانوية المختلطة بفاس، وفي أحيان أخرى كان يتم اللجوء إلى تدخل شخصيات مغربية أو
فرنسية وهو ما حصل لأحد أفراد عائلة التبر الذي تدخل باشا فاس شخصيا من أجل قبوله
في الثانوية الفرنسية بالمدينة[25].
أمام غياب تشريع خاص يقنن التحاق المغاربة بالتعليم
الأوربي، وجدت إدارة التعليم صعوبة كبيرة في الحد من هذه الظاهرة، وهو ما دفعها في
الأخير إلى اعتماد جملة من التدابير، توجت بإصدار مذكرة 16 ماي 1930 من قبل مدير
التعليم، تحدد الشروط الأساسية الواجب توفرها في المرشحين لولوج التعليم الأوربي،
وهي:
- ضرورة اجتياز امتحان الالتحاق.
- وجوب التحلي بالنظافة وحسن الأخلاق[26].
كما تضمنت المذكرة مجموعة من التحذيرات للآباء، وعلى
الخصوص الإشارة إلى غياب التعليم التقليدي الإسلامي واقتصار لغة التدريس على الفرنسية،
وأن البكالوريا لا تمنح أي امتياز لحاملها في الحصول على منصب عمل[27].
وبالموازاة مع هذه
المذكرة قرر المقيم العام لوسيان سان Lucien SAINT ، ولأول مرة تنظيم امتحانات خاصة بالبكالوريا بكل
من ثانويتي فاس والرباط، وهو إجراء لم يكن يستهدف الحد من تدفق المغاربة على
التعليم الأوربي فحسب، بل كان يرمي، كما حدد ذلك المقيم العام نفسه، إلى :
- الحد من هجرة الشباب نحو باريس والمشرق.
- عدم تكوين جيل منعدم الصلة بوسطه.
- تشديد الرقابة على الشباب والتحكم في
توجهاتهم الفكرية والاجتماعية وإبعادهم عن كل أشكال الدعاية والاتصال ببعض
المجموعات الطلابية الخطيرة سواء بمصر أو سوريا أو باريس[28].
رغم الطموحات التي أبداها العديد من أفراد النخبة
المغربية ليلج أبناؤهم عتبة التعليم الأوربي، فإن الفرنسيين من جانبهم بذلوا جهودا
كبيرة للحد من أعداد المغاربة بمختلف مؤسسات التعليم الأوربي. وهكذا لم يتجاوز عدد
التلاميذ المسلمين بالثانوية الفرنسية سنة 1941 التسعة،
كلهم ينتمون إلى عائلات جسوس وبنونة والتازي وبلبشير ومكوار وبو طالب، والتازي،
والفاسي[29]، وكلها عائلات غنية وذات تأثير كبير بمدينة فاس. وبذلك
بقي الالتحاق بالتعليم الأوربي حكرا على العائلات الميسورة والتدخلات الشخصية.
-[1] Direction
Général de l’instruction publique D. G.I.P., Historique 1912-1930 école du
livre Rabat 1930, p. 25
[2] -Carnets de documentation sur l’enseignement dans la
France d’Outre-mer. Carnet N°4, Maroc, Imprimerie Nationale, Paris 1945, p. 37
-[5] Gotteland,
Rapport sur la situation de l’enseignement Européen et Israélite du premier et
de second degré, 10 mars 1938, p. 18.
-[8] Ibid.,
Brunot, Note confidentielle au sujet des élèves marocains faisant des études
dans des établissements scolaires destinés à des Européens, 11 octobre 1929, p.
2.
-[9] Ibid.,
Brunot, Note confidentielle au sujet des élèves marocains faisant des études
dans des établissements scolaires destinés à des Européens, 11 octobre 1929, p.
3
13-A.D.N., Série D.I.P., carton 37, Brunot, Note au
sujet des élèves marocains…29 mars 1930…, op. cit., p. 1.
18-A.D.N., série D.I.P., carton 37, D.G.I.P., Note
adressée au Proviseur du lycée de Fès N°5800 IP / I, 5 octobre 1933.
19-A.D.N., série D.I.P., carton 37, Brunot (L.), Les
indigènes et le Lycée français, op. cit., p. 2.
25-A.M.F., Dossier Enseignement européen, Caillat,
Note confidentielle adressée au Directeur de l’Instruction publique, N3045, 28
octobre 1948.
27-ADN., série D.I.P., carton 37, Guillaume, admission
d’élèves musulmans dans les Etablissements d’enseignement européen, N2448,
D.A.P/2, Section politique 20 mai 1941.
28- A.D.N., Série D.I.P., carton 37, Caillat,
Candidature des élèves à l’admission de lycée de Fès, confidentiel N 3045 Bis,
31 décembre 1948.
A.D.N., série D.I.P., carton 37, Gotteland,
Instructions au sujet de l’admission des élèves indigènes marocains dans les
lycées et Collèges de garçons, N 2007, 16 Mai 1930, p. 2
[28] -A.D.N.,sérieD.I.P.,carton71,Saint(L.),Lettre au
Ministre des Affaires étrangères au sujet de l’enseignement secondaire des
jeunes musulmans, SN.R.G 19 Mai 1930, p. 3.