عداءات الجوار
وأحلاف العصبيات!
محمد
عابد الجابري
لم يستق ابن خلدون نظريته في السياسية من
الكتب، سواء كتب الفلاسفة أو كتب المؤرخين. نعم قد نجد ضمن طيات هذه النظرية ما
يمكن الرجوع به إلى أفلاطون أو غيره من المفكرين في الإسلام، ولكن ذلك كله لا يعدو
أن يكون جزءا من مخزون ثقافي متنوع، مشترك بين جميع من ينتمون إلى الثقافة العربية
المتعددة المصادر المتفتحة على العالم. لقد أنتج ابن خلدون خطابا في التاريخ
والسياسة، خطابا يتماس مع هذا المفكر أو ذاك، ويوظف مصطلحات من "أصول
الفقه" ومن المنطق الأرسطي ولكنه لم يكن سجين الموروثات التي تعامل منها
واستفاد منها. بلم يكن يفكر بها ضمن إطار اهتمامات أصحابها بل فكر بها ووظفها في
إطار اهتماماته هو.وهذا ما نسميه هنا ب"التناص مع تجاوز": يفكر الإنسان
في واقعه السياسي مثلا بعيون أفلاطون أو ابن رشد أو ابن خلدون. وقد يستخلص نتائج
صريحة مباشرة، وقد يكتفي بأسلوب "إياك أعني واسمعي يا جارة" الخ. لكن
نجاح هذا النوع من"التناص مع تجاوز" مشروط بإدراك التشابه والاختلاف بين
الشروط الموضوعية المؤسسة لمقروء القارئين، حتى يمكن التجاوز... بعد هذه المقدمة
النظرية نعود إلى ابن خلدون لنلقي نظرة على الواقع السياسي الذي يحرك في إطاره.
كان كل شيء خلال القرن الثامن الهجري-
الرابع عشر الميلادي- الذي عاش فيه ابن خلدون يشير إلى أن شمس الحضارة الإسلامية
آخذة في الأفول. كان هذا القرن، من
الناحية السياسية، قرنا تفككت فيه جملة، الوحدات السياسية الكبرى التي حملت مشعل
الحضارة الإسلامية في المغرب والمشرق. فالدولة العباسية أصبحت أثرا بعد عين،
والإمبراطورية الموحدية بدورها تلاشت واضمحلت، وهجمات البدو تزداد حدة وضغطا على
الأطراف، والحروب بين الدويلات والإمارات لا تهدأ إلا لتشتد، والضغط المسيحي في
الأندلس وكذا في شواطئ "أفريقية" يزداد تمركزا، والمطالبة بالملك لم تعد
تستند إلى أي أساس نظري أو ديني، وإنما على القوة فقط، على الشوكة والأتباع،
وبتعبير ابن خلدون، على "العصبية" وحدها.
في المشرق كان قد مضى نحو قرن على سقوط
بغداد في يد التتر (656 هـ). أما في آسيا الصغرى، فقد قامت هناك دولة الترك تحاول
هي الأخرى توسيع رقعة نفوذها غربا وشمالا. وفي الوسط كانت دولة المماليك ما تزال
تحتضن الخلافة العباسية الصورية في مصر، وتسيطر بشكل ما على الشام وبعض البلاد
العربية. وأما في غرب العالم الإسلامي، فإن الحالة في هذا القرن كانت أسوأ كثيرا:
لقد تقلص ظل الإسلام في الأندلس، وانحسرت رقعته إلى
غرناطة وما يليها شرقا وجنوبا، حيث كانت دولة بني الأحمر، أواخر ملوك الأندلس،
تحاول المحافظة على كيانها المتداعي أمام هجمات الأسبان.
وأما في البلدان المغربية، وهي المنطقة
التي عاش فيها ابن خلدون طالب علم ورجل سياسة، فقد كانت الأوضاع فيها شاذة بلغت
منتهاها من الفوضى والاضطراب. فلم تمض إلا سنوات قليلة على هزيمة الإمبراطورية
الموحدية أمام الإسبان في واقعة "العقاب" المشهورة بالأندلس (609 هـ)
حتى استبد ولاتها بالسلطة في كل من تونس (الحفصيون) والجزائر (بنو عبد الواد)،
وتحركت في المغرب، مركز دولتها، قبائل بني مرين لتقضي على الحكم الموحدي نهائيا،
بعد حروب مريرة دامت أكثر من خمسين سنة. (ما بين أول زحف للمرينيين سنة 609 هـ
واستيلائهم على مراكش عاصمة الموحدين إلى 668 هـ).
لقد كانت دولة الموحدين، حقا، أعظم دولة
عرفتها شمال إفريقيا، بل الغرب الإسلامي كله. لقد امتدت سلطتها، أيام عزها، من
المحيط الأطلسي غربا إلى حدود مصر شرقا، ومن الصحراء الكبرى جنوبا إلى سفوح جبال
البرانس (Pyrénées)
بإسبانيا شمالا. وانتعشت في ظلها الحياة الاقتصادية وهدأت الاضطرابات الاجتماعية،
وازدهرت الثقافة العربية الإسلامية. ويكفي أن نشير هنا إلى أنها الدولة التي
احتضنت ابن طفيل وابن رشد وغيرهما من كبار العلماء والمفكرين في الغرب الإسلامي.
ولكي يضمن الموحدون السيطرة على
إمبراطوريتهم المترامية الأطراف، خصوصا منها المنطقة الوسطى منها التي كانت ميدانا
للفوضى والاضطراب بسبب جموع قبائل بني هلال وبني سليم- كما يقول ابن خلدون- عمدوا
في عهد الخليفة الناصر إلى وضع ولاية تونس تحت إمرة أبي محمد بن أبي حفص عمر أحد
كبار شيوخ الموحدين.
وهكذا، فبينما تعاقب بنو عبد المؤمن على
الخلافة الموحدية بمراكش، تولى الحفصيون الإمارة على افريقية (تونس)، فعظم شأنهم
واتسع نفوذهم وأصبحوا يطمعون في انتزاع الخلافة من الدولة الموحدية فالتجأوا إلى
التشويش عليها بتحريك قبائل زناتة وبني عبد الواد المقيمة والظاعنة في التخوم
الصحراوية جنوب المغرب والجزائر.
أما بنو عبد الواد فقد استطاعوا في فترات متقطعة تأسيس دولة لهم كانت عاصمتها تلمسان (غرب الجزائر)، وأما القبائل المرينية البدوية المتن