ص1    السابق

 

مصير دعاة الإصلاح ... من غير طريقه!

 

محمد عابد الجابري

تعرفنا في المقال السابق على رأي ابن خلدون في أنواع "السياسيات"، وأبرزنا كيف أنه يفصل بين السياسة كما يدعو هذا الطرف أو ذك إلى تطبيقها، وبين السياسة كما تطبق في الواقع، مشددا على أن إصلاح الواقع السياسي بالفعل، أو تغييره وقلبه رأسا على عقب، يتوقف أولا وقبل كل شيء على المعرفة الصحيحة بـ"طبائع العمران" والعمل بمقتضاها،. وقبل أن نشرع في تفصيل القول في "طبائع العمران هذه، نواصل مع ابن خلدون رأيه في محاولات الإصلاح والتغيير التي تحركها الرغبة في الاستيلاء على الحكم بهذ الدافع أو ذاك ولكنها لا تعتمد "قوانين العمران"، ولذلك يكون مصيرها الفشل.

1- لنذكر أولا باعتراض ابن خلدون على ابن رشد الذي كان يرى أن الإصلاح والإقتراب من "المدينة الفاضلة" ممكن إذا تعاقب على الحكم رجال من ذوي الحسب والنسب من أهل المدن، أي ما نسميه اليوم بـ "الأرستقراطية المدينية". اعترض ابن خلدون على هذا الرأي من زاوية أن ما يسميه بـ "ثمرة النسب والحسب" -أي مفعولهما المادي والمعنوي- لا توجد عند أهل المدن، إلا على سبيل المجاز: لأن "ثمرة الأنساب وفائدتها إنما هي العصبية للنعرة والتناصر، فحيث تكون العصبية مرهوبة، والمنبت فيها زكي محمي، تكون فائدة النسب أوضح وثمرتها أقوى، وتعديد الأشراف من الآباء زائد في فائدتها فيكون الحسب والشرف أصليين في أهل العصبية لوجود ثمرة النسب. وتفاوت البيوت في هذا الشرف بتفاوت العصبية، لأنه سرها. ولا يكون للمنفردين من أهل الأمصار بيت إلا بالمجاز، وإن توهموه فزخرف من الدعاوى. وإذا اعتبرت الحسب في أهل الأمصار وجدت معناه أن الرجل منهم يعد سلفا في خلال الخير ومخالطة أهله مع الركون إلى العافية ما استطاع! وهذا مغاير لسر العصبية التي هي ثمرة النسب ... وقد يكون للبيت شرف أوّل بالعصبية والخلال، ثم ينسلخون منه لذهابها بالحضارة، ... ويبقى في نفوسهم وسواس ذلك الحسب يعدون به أنفسهم من أشراف البيوتات أهل العصائب وليسوا منها في شيء لذهاب العصبية جملة" ثم يضيف: "وكثير من أهل الأمصار الناشئين في بيوت العرب أو العجم لأول عهدهم موسوسون بذلك وأكثر ما رسخ الوسواس في ذلك لبني إسرائيل، فإنه كان لهم بيت من أعظم بيوت العالم بالمنبت أولا لما تعدد في سلفهم من الأنبياء والرسل من لدن إبراهيم عليه السلام إلى موسى صاحب ملتهم وشريعتهم، ثم بالعصبية ثانيا وما أتاهم الله بها من الملك الذي وعدهم به؛ ثم انسلخوا من ذلك أجمع، وضربت عليهم الذلة والمسكنة وكتب عليهم الجلاء في الأرض وانفردوا بالاستعباد للكفار آلافا من السنين، وما زال هذا الوسواس مصاحبا لهم: فتجدهم يقولون هذا هاروني هذا من نسل يوشع هذا من عقب كالب هذا من سبط يهوذا، مع ذهاب العصبية ورسوخ الذل فيهم منذ أحقاب متطاولة. وكثير من أهل الأمصار وغيرهم المنقطعين في أنسابهم عن العصبية يذهب إلى هذا الهذيان".

2- وفي هذا الإطار، أعني الاعتقاد في كون "النسب والحسب" طريق من طرق الإصلاح والتغيير يدرج ابن خلدون اعتقاد الناس في "المهدي" الذي سيقوم في آخر الزمان ليملأ الأرض عدلا كما ملئت جورا. ففي فصل طويل عقده في مقدمته بعنوان : "في أمر الفاطمي وما يذهب إليه الناس في شأنه وكشف الغطاء عن ذلك"  يقول: "اعلم أن في المشهور بين الكافة من أهل الإسلام على ممر الأعصار أنه لا بد في آخر الزمان من ظهور رجل من أهل البيت يؤيد الدين، ويظهر العدل، ويتبعه المسلمون، ويستولي على الممالك الإسلامية، ويسمى بالمهدي. ويكون خروج الدجال وما بعده من أشراط الساعة الثابتة في الصحيح (يعني في البخاري) على أثره، وأن عيسى ينزل من بعده فيقتل الدجال أو ينزل معه فيساعده على قتله. ويأتمُّ بالمهدي في صلاته! ويحتجون في هذا الباب بأحاديث خرَّجها الأئمة، وتكلم فيها المنكرون لذلك، وربما عارضوها ببعض الأخبار. وللمتصوفة المتأخرين في أمر هذا الفاطمي طريقة أخرى ونوع من الاستدلال، وربما يعتمدون في ذلك على الكشف الذي هو أصل طرائقهم.  ونحن الآن نذكر هنا الأحاديث الواردة في هذا الشأن وما للمنكرين فيها من المطاعن، ومالهم في إنكارهم من المستند، ثم نتبعه بذكر كلام المتصوفة وآرائهم ليتبين لك الصحيح من ذلك إن شاء الله تعالى فنقول...".

فعلا، يستعرض ابن خلدون جميع ما وقف عليه من الأحاديث والأخبار، وما قيل في سندها ونقد رواتها، وأدلة الذين يقبلون بعضها، وطعون الذين ينكرونها جملة أو تفصيلا، ثم ينتقل إلى ما يذكره المتصوفة في شأن "المهدي" على طريقتهم ونهجهم وقولهم بـ "القطب والإبدال". ويختم ابن خلدون كلامه عن كلام المتصوفة المغالين  فيقول: "وحاصل مذهبهم فيه ... أن النبوة بها ظهر الحق والهدى بعد الضلال والعمى، وأنها تعقبها الخلافة، ثم يعقب الخلافة الملك، ثم يعود تجبرا وتكبرا وباطلا! قالوا ولما كان في المعهود من سنة الله رجوع الأمور إلى ما كانت، وجب أن يحيا أمر النبوة والحق بالولاية (الصوفية)، ثم بخلافتها، ثم يعقبها الدجل مكان الملك والتسلط، ثم يعود الكفر بحاله، يشيرون بهذا لما وقع من شأن النبوة والخلافة بعدها والملك بعد الخلافة. هذه ثلاث مراتب وكذلك الولاية التي هي لهذا الفاطمي....".

بعد ذلك كله يقول ابن خلدون : "هذا آخر ما اطلعنا عليه أو بلغنا من كلام هؤلاء المتصوفة، وما أورده أهل الحديث من أخبار المهدي قد استوفينا جميعه بمبلغ طاقتنا". ثم يضيف: "والحق الذي ينبغي أن يتقرر لديك أنه لا تتم دعوة من الدين والملك إلا بوجود شوكة عصبية تظهره وتدافع عنه من يدفعه، حتى يتم أمر الله فيه. وقد قررنا ذلك من قبل بالبراهين القطعية التي أريناك" (عند تحليله لنشوء الدول بالعصبية وما تمر به من أطوار، كما سنرى). ثم يواصل تعليقه بقوله: "وعصبية الفاطميين، بل وقريش أجمع، قد تلاشت من جميع الآفاق، ووجد أمم آخرون قد استملت عصبيتهم على عصبية قريش، إلا ما بقي بالحجاز في مكة وينبع بالمدينة من الطالبين من بني حسن وبني حسين وبني جعفر وهم منتشرون في تلك البلاد وغالبون عليها وهم عصائب بدوية متفرقون في مواطنهم وإماراتهم وآرائهم، يبلغون آلافا من الكثرة؛ فإن صح ظهور هذا المهدي فلا وجه لظهور دعوته إلا بأن يكون منهم ويؤلف الله بين قلوبهم في اتباعه حتى تتم له شوكه وعصية وافيه بإظهار كلمته وحمل الناس عليها!".

        2- هذا عن أمر "الفاطمي"، أما نشدان الإصلاح بواسطة "دعوة دينية" ما، فابن خلدون يقرر بوضوح أن "الدعوة الدينية من غير عصبية لا تتم، "مذكرا بالحديث النبوي الذي ورد فيه : "ما بعث الله نبيا إلا في منعة من قومه". ويضيف ابن خلدون: ذلك "أحوال الملوك والدول راسخة قوية لا يزحزحها ويهدم بناءها إلا المطالبة القوية التي من ورائها عصبية القبائل والعشائر". أما بغير هذا فالأمر لا يتم، ثم يعلق قائلا: "فإذا ذهب أحد من الناس هذا المذهب وكان فيه محقا، قصر به الانفراد (عن العصبية أي الافتقاد إليها) فطاح في هوة الهلاك؛ وأما إن كان من المتلبسين بذلك في طلب الرئاسة فأجدر أن تعوقه العوائق وتنقطع به المهالك. والذي يُحْتاج إليه في أمر هؤلاء: إما المداواة إن كانوا من أهل الجنون، وإما التنكيل بالقتل أو الضرب إن أحدثوا هرجا، وإما إذاعة السخرية منهم وعدِّهم من جملة الصاعقين" (الكذابين).