خطاب أوباما بين السياسية والإيديولوجيا!
محمد عابد الجابري
ميزنا
في مقال سابق بين ثلاثة أقسام في الخطاب الذي وجهه أوباما
إلى العرب والمسلمين من القاهرة يوم 04-06-2009. أما
القسم الأول فهو "المقدمة" التي خصها لدعوة المسلمين إلى "تدشين
مرحلة جديدة بين "الإسلام" والولايات المتحدة الأمريكية، على أساس
المصارحة والمصالحة واعتبار المصالح المشتركة. وما برر به الخطاب هذه الدعوة جملةُ أمور: ناقشنا ترتيبها وأبرزنا طابعها الإنشائي/الخَطابي...
بعد المقدمة يأتي "الموضوع"، وقد حصر الخطاب مسائله في سبعة، ثلاثة تنتمي إلى عالم السياسة، كما
نعيشه اليوم، وهي : مسألة التطرف الذي يلجأ إلى العنف المسلح (أو الإرهاب)، مسألة
الصراع العربي الإسرائيلي، قضية السلاح النووي (والمقصود: سعي إيران لتملكه). لقد ناقشنا
منطقه في هذه المسائل الثلاثة الأولى التي يعتبرها من جملة "مصادر
التوتر" بين أمريكا والإسلام" وأوضحنا كيف أنها تنبني على مقارنات متهافتة،
ليس فقط لكونها غير عادلة، بل أيضا لأنها تفتقد إلى اللحام المنطقي الذي يجعل منها
مقارنات متماسكة منسجمة غير قابلة للانهيار بمجرد ما توضع موضع السؤال.
يبقى علينا في هذا المقال أن نلقي نظرة على المسائل الأربعة الباقية
من القضايا التي اعتبرها الخطاب مصدر التوتر بين "أمريكا والإسلام"،
لنعرج بعد ذلك على خاتمة الخطاب، قبل أن نختم نحن بكلمة موجهة لقارئ هذه السلسلة
من المقالات حول "أوباما الخطاب".
أما أن يمارس "أوباما الخطاب"
السياسةَ في القضايا السياسية الثلاث (العنف المسلح، الصراع العربي الإسرائيلي،
إيران والسلاح النووي)، فذلك مفهوم وربما مبرر أيضا، وذلك بالنظر إلى أنه يريد أن يسترضي العرب والمسلمين
دون أن يغضب إسرائيل وأنصارها في الإدارة الأمريكية. وممارسة
السياسة في الخطاب السياسي، تقوم في الغالب على الإثبات والنفي في آن واحد (نعم
ولكن). وقد جرت يوما على لسان زعيم سياسي مغربي عبارة أعتبرُها شخصيا أوضح وأفصح
مثال على "ممارسة السياسة في السياسة"، وذلك حينما خاطب الجماهير التي
كانت تشك في جدوى التفاوض مع الحكم للدخول في الحكومة، قائلا "نحن نمارس
السياسة بحسن نية سيئة"! وإذا كنا لا نستطيع القول إن هناك شيئا ما من
"نية سيئة" في خطاب أوباما فإننا لا نشك في
أن "حسن نيته" مكبَّلٌ بما ساد قبله ويسود حوله من سوء نية معلنة...
قلنا مارس خطاب أوباما السياسية في
القضايا السياسية الثلاث، وقلنا هذا مبرر ومفهوم، ولكن ما هو غير مبرر وغير مفهوم
أن يمارس السياسة أيضا في القضايا الأربعة التالية وميدانها ليس السياسة بل
الإيديولوجيا، وهذه القضايا هي: الديمقراطية، الحرية الدينية، حقوق المرأة،
التنمية الاقتصادية. كان من المفروض أن يمارس هذا الخطاب "الإيديولوجيا"
في هذه القضايا الإيديولوجية. وممارسة الإيديولوجيا في القضايا الإيديولوجية يقتضي
اتخاذ موقف إيديولوجي واضح يُخَطِّئُ أو يسَفِّه موقف الخصم في تلك القضايا، أو
يقتصر على إعلان اختلافه معه. لكن خطاب أوباما لا يفعل
ذلك، بل يعلن موافقته لمواقف الخصم، كما يعرضها هو(أي خطاب أوباما)
نيابة عنصاحبها في إطار من التموجات وعمليات
"الكر والفر" التي تسحب فيها اليد اليُسرى ما
أعطته اليد اليمنى، كما سنرى.
وفيما يلي أمثلة:
في قضية الديمقراطية
وهي الرابعة من المسائل السبع (التي يعتبرها الخطاب مصادر للتوتر...)، يبدو خطاب أوباما في صورة "تطمين
مفتعل" يؤكد للحكام –في بعض البلدان العربية خاصة- أن الإدارة الأمريكية
الحالية لن تسلك معهم مسلك إدارة بوش التي أرادت أن تفرض عليهم "الديمقراطية
والإصلاح" فرضا، بدعوى أن "الإرهاب" يجد مصادر تمويله في غياب
الشفافية والديمقراطية والإصلاح في تلك البلدان الخ. لكن، بما أن هذا الخطاب
التبشيري لا يمكن أن يزكي الوضع القائم في تلك البلدان فإنه يحرص على التمييز بين
التشبث المطلق بـ"القيم الأمريكية" وفي
مقدمتها "الديمقراطية" التي أوصلت أوباما إلى
الحكم، وبين "التسامح" أو التساهل في تبنيها وتطبيقها في بلدان لها
وضعيتها الخاصة. يقول الخطاب: "لا
يمكن لأية دولة ولا ينبغي على أية دولة أن تفرض نظاما للحكم على أية دولة أخرى"
(التخلي عن شعار "الديمقراطية والإصلاح كما نادي به بوش)، حسن! لكن، ماذا يقدم
أوبما الخطاب/ كبديل لهذا التخلي؟ إنه يعود إلى المبدأ
التي سارت عليه الإدارة الأمريكية دائما : "السياسة الواقعية"، التي
تعني هنا مسايرة "الأمر الواقع". يقول الخطاب :
"ومع ذلك لن يقلل ذلك من التزامي تجاه الحكومات التي تعبر عن إرادة الشعب حيث
يتم التعبير عن هذا المبدأ في كل دولة وفقا لتقاليد شعبها". والسؤال
المطروح هو: "هل يجوز اعتبار الاستبداد وبالتالي اللاديمقراطية
من تقاليد الشعوب؟ غياب هذا السؤال في خطاب/أوباما هو
ما يكشف عن كونه "يمارس السياسة في الإيديولوجيا"، أي الانتقال من
المطلق إلى النسبي، من مستوى "ما يجب أن يكون" إلى مستوى "ليس في
الإمكان أبدع مما كان".
أما في القضية الخامسة وعنوانها "الحرية الدينية" التي يختصرها في جانب واحد من جوانب حقوق
الأقليات فهو يطمئن المسلمين في أمريكا بالاعتراف بأن "القواعد التي تنظم
التبرعات الخيرية في الولايات المتحدة على سبيل المثال أدت إلى
تصعيب تأدية فريضة الزكاة بالنسبة للمسلمين"، ثم يضيف: "وهذا هو سبب
التزامي بالعمل مع الأمريكيين المسلمين لضمان تمكينهم من تأدية فريضة
الزكاة". لكن المسألة في الحقيقة ليست مرتبطة بـ"فريضة
الزكاة" كواجب ديني. إن
الجميع يعرف أن تدخل إدارة بوش في هذه المسألة هو بهدف ما عبرت عنه بضرورة
"تجفيف منابع الإرهاب". وبالتالي فالمستهدف في
هذا المسألة ليست "الزكاة"، بل جمع الزكاة لمساعدة المقاومين للاحتلال
في فلسطين خاصة؛ وبالتالي فمقابل هذه القضية هو جمع اليهود المساعدات لمساعدة
إسرائيل على الاحتلال وبناء المستوطنات. إن التعادلية العادلة تقتضي أن يعلن خطاب
أو باما أنه قرر أن أنه عازم على منع جمع اليهود
للمساعدات التي تذهب إلى إسرائيل لبناء مستوطنات وتركيز الاحتلال وتوسيعه كما منع
بوش جمع الزكاة الخ. في هذه القضية نرى كيف يمارس خطاب أوباما
(ولا أقول شخص أوباما) السياسة في الإيديولوجيا بطريقة
تٌخفي ما في هذه الممارسة من "سوء نية" في دعواها "ممارسة السياسة
بحسن نية". أما مسألة الحجاب التي أدرجها في مسألة
حقوق المرأة فهي ليست مسألة دينية، ليست من مجال "الحرية الدينية". الحجاب
ليس رمزا دينيا (يتميز به المسلم عن المسيحي أو اليهودي
أو البوذي الخ)، إنه في الإسلام من ميدان الأخلاق، إنه لباس الحشمة. فلا مجال لمقارنة الحجاب بالصليب مثلا. هذا داخل بلاد الإسلام، أما
خارجها فمن حق المرأة في البلدان الأخرى أن تتمسك بالحشمة على الطريقة التي تعتقد
أنها إسلامية، ولما كانت أنواع الحجاب هي من العادات وليست من العبادات، فإن التدخل
في الحجاب ينقلب إلى مس بالهوية.
وتأتي قضية السادسة حول حقوق المرأة وكل ما
فيها التأكيد على أهمية تعليم المرأة، وهذا الموضوع ليس فيه ما يثير
"التوتر" بين أمريكا والإسلام"، وبالتالي فما ورد في الخطاب حول
حقوق المرأة هو فضل كلام، إنه غير ذي موضوع، إلا إذا اعتبرناه جزءا من التحرك على
مستوى "العلاقات العامة" بالمعنى الأمريكي للكلمة.
ويصدق ذلك أيضا على المسألة السابعة والأخيرة التي عنوانها
"التنمية الاقتصادية"، فقد جاء الخطاب فيها عبارة عن وعود، زهي أشبه ما تكون
بوعود الحملات الانتخابية، البلدية منها والبرلمانية والرئاسية. أقول هذا لأنها
تتجنب بصورة مطلقة "المسائل الاقتصادية" التي لها فعلا دور في مجال
"التوتر بين أمريكا والمسلمين"، مثل مسألة البترول، وصرف الدولار،
والقيود الحمائية التي تفرضها الإدارة الأمريكية، والقائمة
طويلة.
تبقى
خاتمة الخطاب وخاتمة كلامنا نحن موضوعا للمقال القادم.خاتمة : عالم الغد