"خطاب أوباما": تعادلية غير عادلة!
محمد عابد الجابري
"خطاب اوباما" هو خطاب المؤسسة الحاكمة في أمريكا، أعني الجماعات صاحبة النفوذ التي تمارس السلطة من خلال الكونغريس، سواء كانت تنتمي للحزب الديمقراطي أو للحزب الجمهوري، وبالتالي فليس من الضروري الاهتمام بـ "نوايا" من ينسب إليه نص هذا الخطاب. إن النص الذي بين يدي هو النص الرسمي الذي وزع قبل إلقاء أوباما خطابه في جامعة القاهرة. وليس ثمة اختلاف يذكر –على مستوى المضمون، وفي الغالب على مستوى العبارة كذلك- بين النص الذي تفوه به أوباما (ولا أقول ارتجله) وبين النص الرسمي الذي أُعِدَّ مسبقا (أعده "الخبراء" في إدارته ومن استعانت بهم، بما فيهم أوباما نفسه).
خطاب أوباما إذن "خطاب مؤسساتي"، يمكن إسقاط اسم أوباما والاكتفاء بالنص وحده بوصفه يقدم استراتيجية الإدارة الأمريكية لما يسمى "عهد ما بعد مرحلة بوش". أنا هنا ألح على هذه النقطة كيلا ننساق إلى ما يمكن التعبير عنه بـ "قراءة نوايا أوباما" كشخص، وسنرى من خلال تحليل هذا الخطاب أن أوباما، كشخصية كانت له أثناء حملته الانتخابية مواقف وآراء مختلفة وأحيانا مستقلة، قد ذاب في بنية النص العميقة وهي الأهم، وإن كان له حضور في بنيته السطحية، حضور مهزوز يطفوا بين نتوءات النص وحفره.
يتميز نص "خطاب أوباما" بخاصية أساسية هي: التضخيم والإطناب amplification على مستوى العبارة (أو البنية السطحية) والإفقار والاقتضاب raréfaction على مستوى المضمون (أو البنية العميقة). وفيما يلي البيان:
إن بنية هذا الخطاب بنية تقليدية : المقدمة، مسائل الموضوع، وأخيرا الخاتمة. ولذاك يسهل استعادته استعادة شبه حرفية، عند إلقائه بدو ورقة…
1- أما المقدمة فموضوعها دعوة المسلمين إلى تدشين في مرحلة جديدة بين "الإسلام" والولايات المتحدة الأمريكية، مرحلة على أساس المصارحة والمصالحة واعتبار المصالح المشتركة، وما يؤسس هذه الدعوة ويبررها، في نظر "صاحب الخطاب" هو كونها تقوم على العناصر التالية:
أ- هناك توتر بين "الإسلام" والولايات المتحدة يعود إلى قرون لأسباب مختلفة، أهمها الاستعمار الغربي وتحديات الحداثة والعولمة (الأمريكيتين)، فكان رد الفعل عند بعض المسلمين هو الاعتقاد في أن الغرب جملة معاد للإسلام. وهذا ما استغله المتطرفون من المسلمين، وهم أقلية، فمارسوا ذلك العنف الفظيع فيوم 11 سبتمبر، مما حدا بالبعض في أمريكا إلى الاعتقاد بأن الإسلام معاد ليس لأمريكا والغرب فحسب بل أيضا لحقوق الإنسان الخ؟ لكن هذا العنف لا يعبر عن حقيقة الإسلام، فالإسلام دين التعايش والتشارك ويدعو إلى "اتقاء الله" في العمل والتزام "السداد" وعدم الغلو في القول.
ب- وهذا يقدمه "خطاب أوباما" على أنه ليس "مجرد كلام"، بل على أنه اقتناع أكسبته إياه تجربته الشخصية : تجربة رجل خالط الإسلام على مستوى أسرته وأسفاره وإقامته خارج أمريكا. ويستخلص صاحب الخطاب من ذلك النتيجة التالية وهي أن العلاقة مع العالم الإسلامي يجب أن تبنى على ما يشكل حقيقة الإسلام وهي أنه دين التسامح والتشارك والتساكن ونشدان الطريق المستقيم، الشيء الذي يشهد له به تاريخه المديد.
ج- وهذه القيم الإنسانية التي تحلى بها الإسلام (طوال تاريخيه) تجد ما يعادلها في حاضر الولايات المتحدة الأمريكية وبالتالي يجب النظر إليها هي الأخرى كما هي "في حقيقتها"، أي بوصفها بلد التسامح الديني، هذا التسامح الذي جعل من الإسلام "جزءا من أمريكا" (مسلمون كثر ومؤسسات دينية إسلامية وعلاقات تاريخية…). وهذا التشابه بين "حقيقة الإسلام" و"حقيقة أمريكا" يحتم على الطرفين التصدي للصور النمطية التي لدى كل منهما عن الآخر، والتي لا تعبر عن الحقيقة (وبعبارة الخطاب الإعلامي الأمريكي: المطلوب هو تحسين صورة الإسلام في الرؤية الأمريكية، وتحسين صورة أمريكا في الرؤية الإسلامية").
د- وبعد التأكيد على ضرورة التصدي للصور النمطية تلك، يجب كذلك التصدي للتحديات التي تواجه الشعوب جميعا نظرا لارتباط عالم اليوم بعضه ببعض: و"من جملتها: إذا ضعف النظام المالي في بلد واحد أو إذا أصيب شخص واحد بالأنفلونزا (كما في أميكا)، تعرض الجميع للخطر. وإذا سعى بلد واحد وراء امتلاك السلاح النووي (إيران) فيزداد خطر وقوع هجوم نووي بالنسبة لجميع الدول (إسرائيل أساسا). وعندما يمارس المتطرفون العنف في منطقة جبلية واحدة (بأفغانستان وباكستان) فإن ذلك يعرض ذلك الناس في وراء البحار (في أمريكا وأوربا) للخطر. وعندما يتم ذبح الأبرياء في دارفور والبوسنة يسبب ذلك وخزا في ضميرنا الإنساني المشترك.
واضح أن هذه التوازنات تفتقد إلى التكافؤ، فليس ما ينسب للطرف الأول موازنا لما ينسب للطرف الثاني الفرق شاسع كما وكيفا.
تلك هي مقدمة الخطاب التي قلنا عنها إنها تدعو إلى المصارحة والمصالحة واعتبار المصالح المشتركة. وقبل الانتقال إلى "الموضوع" نريد من المفيد التعقيب عليها الآن حتى لا تنسينا "مسائل الموضوع" أهميتها الخاصة.
يمكن أن نلاحظ بادئ ذي بدئ أنها تنتمي من حيث عبارتها إلى ما يسميه المناطقة الوضعيون و"المحللون الإستراتيجيون" في الولايات المتحدة الأمريكية بـ "الإنشاء" أو "الخطابة" Rhetoric بالمعنى القدحي لهذين اللفظين، أي بوصفهما يعتمدان في الإقناع على "فائض" من الألفاظ" وذلك على حساب الدقة في التعبير، والتحليل الملموس لوقائع ملموسة. إن التضخيم والإطناب يستران "فقر المعنى"...
هذا النوع من الخطاب/الإنشاء يسمح بممارسة خفية لما يشتكي منه العرب وغيرهم من كون السياسة الأمريكية تقوم على "ازدواجية في المعايير". وهذه الازدواجية تقوم هنا، وفي الخطاب كله، على ما يمكن أن نطلق عليه "تعادلية غير عادلة" وقد أشرنا إلى ذلك في سياق الفقرات السابقة. ونريد أن نضيف هنا أن وضع "الإسلام" (الدين) كما هو على حقيقته في كفة، وأمريكا (الدولة والمجتمع") في الكفة الأخرى من الميزان وادعاء التعادل بينهما (أو المساواة في الوزن) عملية غير عادلة: فالدين شيء والدولة شيء آخر، والقياس لا يصح إلا بين أشياء من طبيعة واحدة. إن كيلو جراما من الذهب قد يوازنه كيلو جرام من الحديد أو الرصاص! فهل من العدل تحويل هذه الموازنة على صعيد في الكيل إلى تعادل في الكيف(القيمة). أضف إلى ذلك أن هذا التعادل يفتقد إلى العدل من جهة أنه قائم على الفصل بين ما هو من "حقيقة الإسلام" وما هو ليس من حقيقته. وهذا الفصل قد يجوز القيام به على مستوى الأحزاب والفرق والمذاهب داخل الإسلام، لأنه يمكن أن يدخل في الحق في الاجتهاد الخ، أما أن يقوم به طرف يقع خارج الإسلام فشيء تلازمه شبهات ... على أن أهم ما يعيب هذا الخطاب/الإنشاء هو القفز على وقائع ملموسة هي التي كانت تقف أو على الأقل تغذي التوترات بين أمريكا و"الإسلام" من ذلك على سبيل المثال لا الحصر أن التشهير بما يسمى "عداوة الإسلام لأمريكا" لم يكن مرتبطا بأحداث 11 سبتمبر الأليمة حقا، لكن سبقه ما راج في الإعلام الأمريكي من توقعات مغرضة عمن سيكون عدو الولايات المتحدة به سقوط الاتحاد السوفيتي. وكان الوقع يشير أولا إلى "الخطر الأصفر" (الصين) ثم إلى "الخطر الأخضر"، وقد حصل التركيز على هذا الأخير إلى درجة أن هنتجتون عمد إلى صياغة نظرية "صراع الحضارات" وربطها بما سماه "الحدود الدموية" بين الإسلام والغرب الخ... إن إشعال نار التوتر قد سبق حاثة 11 سبتمبر! هذا لا شك فيه.
مثال آخر : إن وضع الصورة النمطية" عن الإسلام التي لدى بعض الأمريكيين (ولا نقول كلهم) والصورة النمطية التي لدى بعض المسلمين عن أمريكا، في كفتي الميزان عملية غير عادلة بالمرة، لأن الصورة الأولى ترسم وتصنع وتوزع على العالم عبر الأفلام الأمريكية، بقصد التشويه، أما الصورة الثانية فهي رد فعل ميكانيكي رسخته في رؤية المسلمين السياسة الأمريكية التي وقفت ضد قضايا العرب والمسلمين، مثل قضية فلسطين، وقضايا التحرر عموما...
وما يهمني من إبراز هذه المثالب "الخطابية" ليس بعدها أو قربها من الحقيقة، -فميدان الخطابة ليس استخلاص حقائق ولا إثباتها، وإنما ميدانها توظيف أشباه الحقائق لإقناع المخاطب- ما يهمني هنا إذن، هو أن أشباه الحقائق المستعملة لا تفي بالغرض، لانها تقوم على تعادلية غير عادلة. ...