الوقود الحيوي : حماية للبيئة أم تجويع للعالم ؟!

الوقود العضوي هل هو بترول المستقبل؟!

 

مولاي المصطفى البرجاوي

يقول خبير إمدادات الإغاثة الغذائية البريطاني ادوارد كلاي: "نحن نشهد بنية جديدة للأسواق." وأضاف "قد تكون لها تأثيرات عميقة على الفقراء."

عرف العالم في الآونة الأخيرة هزة اقتصادية، أدت إلى مشاكل إنسانية-اجتماعية غير مسبوقة ؛ تمثلت في ارتفاع أسعار المواد الغذائية، من هنا تنادت الهيئات الدولية خاصة المنظمة العالمية للتغذية والزراعة (FAO) لمساعدة البلدان الفقيرة و المحتاجة، إذ قدرت منظمة"ّالفاو" ما مجموعه 30 مليار دولار سنويا حتى عام 2050 للقضاء على الجوع في العالم!!. كما تعالت الأصوات للتفكير في الخطط الزراعية الإستراتيجية، والبحث عن وسيلةٍ لزيادة الإنتاج (المخطط الأخضر الذي أطلقه المغرب مثلا)..كل هذا حدث بتزامن مع ازديادٍ صارخٍ في سعر النفط الخام ومشتقات الوقود الأحفوري، إلى جانب صعود أسعار المواد الأولية الأساسية، لاسيّما المتعلّق منها بالسكن والبنية التحتية...

ويواجه العالم اليوم- حسب ما أوردت «مجلّة نيوزويك»- وفاة 25 ألف شخص يومياً لأسبابٍ مرتبطة بالجوع. لكن هذا الرقم قابلٌ للازدياد والتناسل، ليس فقط بسبب ارتفاع أسعار المواد الغذائية، ولكن لتوقع انكماش اقتصادي عالمي ولدور الولايات المتحدة والمتقدمة في تطوير وإنتاج الوقود الحيوي من المنتجات الزراعية(الذرة وقصب السكر..) ؛ الذي كان في السابق المادة المصدرة والمستهلكة من البلدان المعوزة والفقيرة!

كما تشير توقعات-استنادا لتقارير نشرتها الإندبندنت- باستمرار أزمة الغذاء لمدة 10 سنوات بعد ارتفاع أسعار القمح في السوق العالمية بنسبة 130% والأرز بنسبة 74%..

وبداية نقول ؛يرجع أغلب المراقبين أسباب الأزمة إلى ما يلي:

- جشع بعض التجار والمستثمرين وأصحاب الأعمال وسعيهم الحثيث لمراكمة وتحقيق المكاسب الإضافية دون مراعاة ما تعرفه أسعار المواد الغذائية من التهاب ..

- دور المؤسسات الدولية (البنك الدولي، صندوق النقد الدولي..) في إفقار بلدان العالم وتجويعهم..

- ضعف التخطيط الاستراتيجي للحكومات تحسبا للطوارئ التي تعرفها السوق العالمية.

-ارتفاع أسعار الطاقة ومن ثم وسائل النقل، وإقدام بعض الحكومات (الولايات المتحدة، البرازيل، الأرجنتين..)على تحويل المحاصيل الغذائية إلى إنتاج الإيثانول Ethanol؛ الذي يراه البعض "جريمة في حق الإنسانية"، بينما الطرف المستفيد يراه حلا لمشكلة الطاقة وارتفاع أسعار البترول وحماية للبيئة من ظاهرة التغيرات المناخية التي يسببها إنتاج الطاقة الأحفورية الكلاسيكية!

- ما المقصود بالوقود الحيوي ؟ وما علاقته بثنائية ارتفاع الأسعار والمحافظة على البيئة؟

-بصيغة أخرى؛ ما هو الوقود الحيوي أو الديزل الحيوي (BIODIESEL)؟ وما هي فرص الاعتماد عليه في المستقبل  كوقود للمحركات بدلاً من البنزين والديزل..؟ وهل يتأثر الوضع الغذائي العالمي نتيجة لذلك؟

- هل إنتاج الوقود الحيوي سليم اقتصاديا ؟ وما تأثيره على أسعار الأغذية؟

- وهل سيعكس الوقود الحيوي الاتجاه ويأخذ العالم إلى عصر اقتصادي جديد يصعب على الفقراء تحمله والعيش في بوثقته ؟

- لماذا نطالب الولايات المتحدة بتخفيض انبعاثات الغازات المسببة للاحتباس الحراري وفي نفس الوقت نطالبها بمساعدة البلدان الفقيرة؟

إذ أعلن الرئيس الأمريكي "جورج بوش" بعيد انعقاد قمة المناخ في كندا عام  2006، أن الولايات المتحدة قادرة وحدها بما تمتلكه من تفوق علمي وتكنولوجي، على إنتاج مصادر متنوعة للطاقة يمكن استخدامها دون أن تنبعث منها غازات سامة، أو أن تفاقم ظاهرة الانحباس الحراري. 

- لكن في المقابل، أليست القمم التي تعقد من قبل الدول الثماني المتقدمة ثم المؤتمرات البيئية التي تحذر من خطورة كارثة الاحتباس الحراري ؛ هي الأرضية الممهدة لإطلاق شرارة إنتاج الوقود الحيوي، ولو على حساب أفواه الفقراء والمعدمين؟!

ثم أليست الولايات المتحدة الأمريكية والدول الامبريالية المعاصرة هي السبب في الأزمة الخانقة التي تعيشها بلدان العالم المتخلف، من خلال مؤسساتها العولمية: البنك الدولي وصندوق النقد الدولي وشركات متعددة الجنسية ومنظمة التجارة العالمية.. ونهب ثرواتنا من خلال حروب متفرقة في العالم، في إطار ما يسمى بالنفط مقابل الدم ونشر الديمقراطية والعدالة في العالم..؟!التحويل المدعوم للمحاصيل إلى وقود، كان من المفترض أن يدعم الاستقلال في مجال الطاقة ويساعد على الحد من الاحتباس الحراري. إلا أن هذا الوعد، كما جاء بصورة مباشرة في مجلة «تايمTime»، كان بمثابة «احتيال»!!!

- ألا يمكن اعتبار ضجة الوقود العضوي، لعبة مكشوفة و شماعة من قبل الأنظمة الحاكمة والمتواطئة مع أكبر امبريالي في العالم، لإسكات أفواه الجوعى و أصحاب الدخل المحدود ؟!....

* بين يدي مفهوم الوقود الحيوي:

يعد الوقود الحيوي «بيوفيول» Biofuel (الذي يسمى أحياناً «الديزل الحيوي BIODIESEL) أو الوقود العضوي أو الوقود الطبيعي أو"بترول المستقبل" كما وصفه-بيتر بيل أستاذ ومختص في الكيمياء في جامعة ميريلاند أو الوقود الزراعي أو الطاقة المستخرجة من الغذاء: مصطلحاً حديث التداول في العالم المعني بصناعة الطاقة البديلة والمتجددة من قضايا علم البيوتكنولوجي؛ فهو ذو لون أصفر داكن،لزج..يُستخرج من الذرة في الولايات المتحدة ومن قصب السكر في البرازيل (يُخصص واحد %من الأراضي الزراعية في البلاد لإنتاجه)، ومن القمح والحبوب في أوروبا، ومن فول الصويا في آسيا بعد عملية التخمير.

ويقصد به عموما؛ أنواع الزيوت القابلة للاحتراق والمستخرجة من مواد زراعية كالذرة وقصب السكر أو نشارة الاخشاب أو فضلات الحيوان أو بعض انواع الفطر وغيرها. وقد تزايد الحديث عنه بالتزامن مع زيادة الابحاث العلمية والتكنولوجية التي تسعى الى الاستغناء عن النفط الذي ترتفع اسعاره العالمية بين الفترة والاخرى الى درجات قياسية، واستبداله بسوائل اخرى تفي بالغرض نفسه بأقل التكاليف الممكنة ومن دون اضرار بالبيئة والمناخ.

وتعود بداية التفكير في الاتجاه نحو استخدام الوقود الحيوي بعيد قمة المناخ في كندا عام 2006، مع الضغوطات التـي وجهت للولايات المتـحدة عـن تسببها في ظاهرة الانحباس الحراري ؛ من ثم أعلن بوش أن بلاده قادرة وحدها بما تمتلكه من تفوق علمي وتكنولوجي على إنتاج مصادر متنوعة للطاقة يمكن استخدامها دون أن تنبعث منها مواد سامة أو تفاقم من ظاهرة الاحترار الكوني.

المصدر:البنك الدولي: تقرير التنمية لعام 2008م

 

بداية ؛يرى خبراء البيئة أن «الديزل الحيوي» يتمتع بميزات أهمها أنه غير ملوث نسبياً، لأن عدد ذرات الكربون في الديزل الحيوي اقل منه في الديزل الأحفوري (أي المستخرج من النفط)، كما أن المواد الملوثة الناتجة من احتراقه أقل. ثم انه لا يحتوي على الرصاص الذي يعتبر من أشد عناصر الوقود الأحفوري خطورة على البيئة. وكذلك فإنه ينحلّ تدريجياً بالماء، خلال ما لا يزيد على شهر واحد، بنسبة تصل إلى 85 في المئة، بينما يقاوم الديزل الأحفوري والمشتقات النفطية الأخرى الماء سنوات...لكن ما هي التأثيرات السلبية البيئية التي يمكن أن تترتب عن إنتاج الوقود الحيوي ؟

*المشاكل العامة المترتبة عن إنتاج الوقود الحيوي:

تواجه "الأمم المتحدة"- كمؤسسة مغلوب على أمرها- حيال استخراج الوقود الحيوي من بعض المحاصيل الغذائية الاساسية كالذرة مثلاً معضلة معقدة ذات وجهين متناقضين:

- في الوجه الإيجابي، يساهم «بيوفيول» في ترشيد استهلاك الطاقة ومكافحة آثار تغير المناخ وانتاج مادة «الايثانول» Ethanol التي تستخدم بديلاً من بعض المحروقات الملوثة للبيئة مثل البنزين والديزل.

- أما الوجه السلبي فيكمن في إمكان «أن تتحول الاراضي الزراعية الخصبة الى اراض تنتج محاصيل غذائية تحرق من اجل انتاج الوقود الحيوي»، على حد تعبير جان زيغلر المقرر الخاص لبرنامج «الحق في الغذاء» التابع للامم المتحدة. و يرى زيغلر أن هذا "الوقود الزراعي" يؤدي إلى مفاعيل على درجة كبيرة من الخطورة كزيادة اسعار المواد الغذائية والدواجن واللحوم والمياه. ويصفه بالـ"كارثة الحقيقية" بالنسبة إلى الأشخاص الذين يعانون الجوع ويعوّق استيراد الدول الفقيرة حاجاتها للطعام الكافي لشعوبها»، إضافة إلى انتهاكه حق الغذاء العالمي المنصوص عليه في الشرعية الدولية لحقوق الانسان. وتنص تلك الشرعة على الآتي: «يحق لكل انسان الحصول على غذاء كاف ومستدام ومتناسب مع ثقافة كل شعب ويضمن له حياة جسدية وعقلية سليمة ويتيح للافراد والجماعات العيش بكرامة ومن دون خوف». ولذا، يعتبر زيغلر ان انتاج «الوقود الحيوي» من المواد الزراعية يُشكّل «جريمة ضد الإنسانية».

وفي سياق متصل، يذكر تقرير صدر عن «منظمة الزراعة والتغذية» (FAO) «أن إنتاج الوقود الحيوي سيزيد من الجوع في العالم إذ يعاني منه حوالى 854 ملون شخص ويتسسب بوفاة ما لا يقل عن 100 ألف ضحية سنوياً... إن مصادر الغذاء المتوافرة في العالم كافية لإعالة 12 بليون نسمة اي ضعف سكان الكوكب». ويرى التقرير أيضاً «ان انتاج 13 ليتراً من «الايثانول» يحتاج الى اكثر من 231 كيلوغراماً من الذرة في حين يمكن هذه الكمية ان تؤمن الطعام لطفل جائع في احدى الدول الفقيرة لمدة عام كامل الأمر الذي يؤثر بشدة في الميزان الغذائي للبلدان ذات الدخل المنخفض».

الوقود الحيوي إذن؛ مادة مثيرة للجدل وسلعة عالمية جديدة بدأت تدخل حيز المنافسة مع النفط والغاز وتفتح آفاقاً جديدة لعالم المستقبل. فمن وقود قصب السكر في أمريكا الجنوبية والذرة في أمريكا الشمالية إلى وقود نبات اللفت وزهرة عباد الشمس في أوروبا إلى وقود زيت النخيل في شرق آسيا. ان مايحدث حولنا يتطلب منا التعمق بالنظر واستشراف ما يمكن ان يحدث في المستقبل القريب أو البعيد..

* قمة الأمن الغذائي بروما بين مطرقة ازدياد الإقبال على الوقود الحيوي وسندان أزمة الغذاء العالمي!

جاء في الإعلان العالمي لمؤتمر الغذاء الذي عقد في العاصمة الايطالية روما من3 إلى 5 يونيو 2008 -مع وجود ما يقارب المليار جائع حول العالم حسب تقديرات البنك الدولي ووكالات المعونة ومنظمة الأغذية والزراعة الدولية (FAO) التي تشير إلى أن ارتفاع أسعار الغذاء قد يرفع عدد من يكابدون الجوع بواقع 100 مليون بالإضافة إلى 850 مليونا يعانون من الجوع بالفعل.

كما وجاء في مسودة إعلان قمة روما: «نلتزم بالقضاء على الجوع وتأمين الغذاء للجميع اليوم وغداً!!!».

وليست المشكلة بالارتفاع الحالي في أسعار القمح بل إن الخطر الأكبر الذي يمكن أن يواجهه العالم هو انه قد لا يكون هناك قمح يعرض للبيع بالمال في الأسواق العالمية وذلك في الأعوام القليلة القادمة إذا لم تتخذ الإجراءات اللازمة لعلاج هذه المشكلة. هذا ما قاله جاك ضيوف المدير العام السنغالي لمنظمة للأغذية والزراعة الدولية (FAO) في خضم مناشداته لقادة العالم للاجتماع لمناقشة الخطر القادم الذي يهدد البشرية و أضاف''المؤكد أن تحويل نحو مئة مليون طن من الحبوب إلى وقود حيوي كان له أثره الخطير على أسعار الغذاء.''

وشهدت مداولات قمة الأمن الغذائي، التي عقدت في روما من3 إلى 5/6/2008 و بمشاركة 183 بلدا، مواجهات حول الاستراتيجيات التي يُفترض إتباعها للخروج من أزمة الغذاء في العالم، التي تهدد بليون شخص، غالبيتهم في القارة الأفريقية. وطالب المشاركون في القمة من الدول الغنية المساهمة في إحداث ثورة خضراء في قطاع الزراعة في أفريقيا، ومن الدول المتخلفة إنتاج المزيد لإطعام البليون الذين يواجهون الجوع.وحثت الأمم المتحدة القمة الخاصة بأزمة الغذاء العالمية على المساعدة في وقف المجاعة التي تهدد نحو مليار نسمة بخفض الرسوم التجارية ورفع الحظر على الصادرات.

ودعا الأمين العام للأمم المتحدة "بان كي مون" إلى «إجراء بحوث مُستفيضة لدراسة تأثير إنتاج الوقود الحيوي في انخفاض نسب الإنتاج الغذائي وارتفاع أسعاره»،وقال الأمين العام "ليس هناك ما هو أكثر إذلالا من الجوع وبصفة خاصة حين يكون من صنع يد البشر كما حذر من أن استمرار ارتفاع أسعار الغذاء سيؤدي إلى أزمات أخرى متتالية تنجم عنها تأثيرات سلبية على النمو الاقتصادي والتقدم الاجتماعي وحتى الأمن السياسي في العالم. وتركّز الاهتمام في القمة على انعكاسات الجفاف ومحدودية مستوى الأمطار، على المحاصيل الزراعية الغذائية، وكذلك انتقال دول كثيرة من الإنتاج الغذائي إلى المحاصيل الضرورية لإنتاج الوقود الحيوي.

وعرفت القمة خلافات حدة لم تسفر عن ما يخدم قضايا الدول المتخلفة الفقيرة التي تنتظر لقيمات من الدول الماسكة لزمام التقدم التكنولوجي التطور الاقتصادي:

- البرازيل: إذ دافع الرئيس البرازيلي "ايغناسيو لولا دا سيلفا"-باعتباره من أكبر المستفيدين من العملية- عن الإنتاج الزراعي المستخدم في إنتاج الوقود الأخضر، معتبراً أنه «لم يؤثر في ارتفاع أسعار المواد الغذائية». ورأى أنه «إحدى الوسائل لمقاومة ظاهرة الاحتباس الحراري».

- الولايات المتحدة: وقبل القمة قال وزير الزراعة الأمريكي "اد شيفر" أن الوقود الحيوي يسبب فقط حوالي ثلاثة بالمئة من ارتفاع أسعار الغذاء عالميا وتقول المنظمة الخيرية البريطانية "اوكسفام" أن النسبة تقترب من 30 في المئة.

- من جهته، قال الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي إنه ينبغي تركيز الجهود على الزراعة في الدول النامية.وندد ساركوزي بـ"الخطأ الإستراتيجي التاريخي" الذي ارتكبته الهيئات الدولية بدعوتها إلى التوسع في زراعة محاصيل مثل القطن؛ مما أدى إلى تراجع الزراعات الغذائية.

- فيما اقترح رئيس الوزراء الإيطالي سيلفيو برلوسكوني "عدم احتساب المساعدات الغذائية ضمن سقوف الموازنات التي فرضها الاتحاد الأوروبي على دوله الأعضاء".

- من الدول المتضررة إفريقيا : وقال وزير الزراعة النيجيري « إن أزمة الغذاء العالمية هي نوبة صحيان لإفريقيا لبدء ثورة خضراء تأخرت طويلاً». وأضاف: «كل ثانية يموت طفل من الجوع. الآن هو وقت التحرك. كفانا رطانة وإلى مزيد من العمل».

بعد اعتماد الإعلان الختامي للقمة، قال " جاك ضيوف" المدير العام لمنظمة الأغذية و الزراعة التابعة للأمم المتحدة: ''أظن أن بإمكاننا القول إن الأهداف التي تحققت تتجاوز الآمال''، وأضاف ''يمكننا القول إننا أدركنا أبعاد مشكلة الجوع في العالم، وأدركنا فعلاً أننا هذه المرة لسنا أمام مشكلة إنسانية تطال بعض الدول بل أمام مشكلة عالمية تطال كل الدول.. و معا يمكننا أن نواجهها''. كما أعلن جاك ضيوف أن القمة شهدت وعود بتقديم مساعدات تقدر بأكثر من 6,5 مليار دولار لمكافحة الجوع والفقر.

لكن لحد الساعة كل ما تسفر عنه المؤتمرات يذهب سدى، فهو مجرد سراب وأحلام وكوابيس!..فالكل يتذكر التعنت الذي مارسته الولايات المتحدة في مؤتمرات البيئة، وعدم مبالاتها بدور الأمم المتحدة في ضرب العراق..السؤال المطروح ما الفائدة المرجوة من هذه المؤتمرات العالمية في غياب العدالة الحقيقية؟!

*الوقود الحيوي..وسياسة شد الحبل:

لقد احتدمت المنافسة وحمي الوطيس بين المنظمات البيئية العالمية، ومنظمات الزراعة والأغذية إلى قرع ناقوس الخطر، وحتمت على الجميع المفاضلة بين الأخطار الناجمة عن استخدام النفط في المحركات بسبب ارتفاع أسعاره المستمر، وما يسببه من أضرار للبيئة، وبين الوقود الحيوي الذي يعتمد على الذرة وفول الصويا  وقصب السكر.. وربما محاصيل أخرى في المستقبل، ومدى تأثر الزراعة في العالم نتيجة التوسع في زراعة هذا المحاصيل على حساب محاصيل أخرى ضرورية لغذاء الإنسان في مناطق متعددة من العالم.

من هنا ؛تضاربت الرؤى والمواقف بشأن إنتاج الوقود الحيوي بديلا عن الوقود الأحفوري المسبب للاحتباس الحراري:

* المؤيدون..وهم الأقلية المؤثرة : يذهب هذا الفريق أن إنتاج الوقود الحيوي من المحاصيل الزراعية من شأنه أن يشكل فرصة للفلاحين الصغار من دول العالم الثالث للحصول على أرباح نتيجة شراء محاصيلهم لهذا الغرض، وأضاف "لورانس ايجلز"- رئيس قسم قطاع النفط والأسواق في وكالة الطاقة الدولية- ومقرها باريس لرويترز بقوله :"في ضوء التكنولوجيا الحالية فإن أكثر أنواع الوقود الحيوي كفاءة هو الإيثانول المستخرج من قصب السكر ومن ثم فان عدة دول ممن تعد منتجا طبيعيا لقصب السكر لديها فرصة."

ولتبرير هذا الموقف، يفند جوروج بوش التصور الذي يربط أزمة ارتفاع الاسعار بانتاج الوقود الحيوي و يربط الرئيس الأميركي جورج بوش اسباب ارتفاع أسعار الغذاء بحجم الطلب من الصين والهند إلا أن دراسة البنك الدولي تفيد بأن "إرتفاع الدخل في الدول النامية ليس سببا في ارتفاع معدل إستهلاك الحبوب وليست السبب الرئيس المسؤول عن إرتفاع الأسعار".

* المعارضون..وهم الاغلبية: أطلقت كل من المنظمات العالمية -المعارضة لاستخلاص الوقود الحيوي من المنتجات الغذائية- ومجموعة من الخبراء الاقتصاديين المختصين في الدراسات الاستشرافية صيحات الإنذار ؛ وأهمها:

أ- منظمة الأغذية والزراعة العالمية (FAO) ترى أن تضاعف حجم إنتاج وقود الإيثانولEthanol المستمد من الذرة وبعض المنتجات الأخرى في الولايات المتحدة الأمريكية ودول الاتحاد الأوروبي والبرازيل والصين والذي يصل حاليا إلى أكثر من 10ملايين طن ومن المقرر أن يرتفع إلى 21مليون طن قبل عام 2016م متناغما مع موجة الجفاف التي تلف أجزاء كبيرة من الأرض أدى وسوف يفضي إلى رفع أسعار المواد الغذائية بما في ذلك المصادر الحيوانية وتخلق مشكلة في توسع دائرة الجوع وارتفاع معدلات الفقر.

ب- كما عارضت منظمة الأمم المتحدة في شخص "جين زيكلر"- المقرر الخاص بالأمم المتحدة - هذا الإدعاء ؛إذ اعتبر ذلك صفقة خاسرة لهؤلاء الفلاحين، لأنهم سيكونون في النهاية مضطرين لشراء ما يحتاجونه من الغذاء بمبالغ أكثر من تلك التي جنوها من بيع المنتجات المستعملة في الوقود الحيوية، حسب تعبير المسؤول الدولي

بل أكثر من هذا ؛ اعتبر جين زيغلر -المقرر الخاص بالأمم المتحدة، والمعني بالحق في الغداء- كما ذكرنا ذلك آنفا ؛ في تقرير أدلى به في مقر المنظمة الدولية بنيويورك، أن الاستخدام المتنامي للمحاصيل الزراعية من أجل إنتاج الوقود الحيوي كبديل عن البنزين "هو جريمة إنسانية". ويقدر الخبراء أن إنتاج 50 لترا من الوقود الحيوي يحتاج إلى 350 كيلوغراما من الذرة، مشيرين إلى أن هذه الكمية تكون كافية لتغذية طفل لمدة سنة كاملة. وفي نفس الوقت فإن زيادة الطلب على الوقود الحيوي ستؤدي ـ في نظر هؤلاء الخبراء ـ إلى ارتفاع أسعار بعض المحاصيل الزراعية إلى مستويات قياسية.  

ج- وقالت منظمة "أكشن إيد" لمكافحة الفقر ومقرها جوهانسبرغ إن "أزمة الغذاء الراهنة تصل إلى حد انتهاك جماعي لحقوق الإنسان وقد تثير كارثة عالمية إذ أن العديد من أفقر دول العالم خاصة التي اضطرت للاعتماد على الواردات تجد صعوبة في إطعام شعوبها".

د- كما أصدرت منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (أويسد) تقريرا يدعو لوقف الدعم للوقود الحيوي، مشيرة إلى...أن الاتجاه العالمي المتسارع نحو الديزل الحيوي والإيثانول أدى إلى ارتفاع أسعار الغذاء وإلى إلحاق دمار بالبيئة أكثر من الفائدة المكتسبة.

وعن آثار الوقود الحيوي، ذكر تقرير للمنظمة أن الاندفاع الراهن صوب الوقود الحيوي أوجد ضغوطا على التنمية المستدامة، ومن شأنه أن يربك الأسواق دون أن يعود بمنافع كبيرة على البيئة. وأشار التقرير إلى أن الآثار البيئية للإيثانول والديزل الحيوي تتجاوز في مجملها الآثار الناجمة عن البنزين والديزل عندما نضع في الاعتبار الخسائر في مجال التنوع الحيوي والسموم الناتجة عن استخدام المبيدات.

هـ- كما حذر خبراء في مجال الغذاء ومكافحة الفقر-المتعاطفين مع فقراء و جوعى العالم- من أن الاستعمال المتزايد للمنتجات الزراعية في مجال استخراج الوقود الحيوي سيؤدي إلى تفاقم مشكلة المجاعة وإلى ارتفاع أسعار المواد الغذائية، مما سينعكس سلبا على سكان الدول الفقيرة.اضطرابا، ومشاكل اجتماعية واقتصادية جمة...

ويتنبأ بعض الخبراء بتغير دائم في اقتصاديات الغذاء إذا حصل المزارعون على أرباح من المحاصيل التي ستخصص للوقود أعلى من تلك التي يحصلون عليها إذا ما زرعوا محاصيل لإطعام البشر.
- ويقول خبير إمدادات الإغاثة الغذائية البريطاني ادوارد كلاي "نحن نشهد بنية جديدة للأسواق." وأضاف "قد تكون لها تأثيرات عميقة على الفقراء."
وتعهد زعماء العالم في عام 2000 بتقليل سكان العالم الذين يعيشون على دولار أو أقل يوميا ويقاسون الجوع بنسبة النصف عام 2015. ويقدر هؤلاء بنحو 1.2 مليار نسمة وهو ما يساوي خمس سكان الكوكب في 1990.

- وقال المستشار السياسي لأكسفم, روبرت بيلي "إن هناك نوايا من القادة السياسيين للتكتم وتجاهل الدليل الجلي على أن الوقود الحيوي هو السبب الرئيسي في أزمة ارتفاع الأسعار الحالية ". وأضاف"لقد اكتملت الصورة بالنسبة لنا ,بينما يركز السياسيون على جعل معامل الوقود الحيوي راضية عن ما تفعله ضد الفقراء في الدول الفقيرة الذين يفتقرون إلى المواد الغذائية الأساسية".و بحسب تقديرات البنك الدولي، فان أسعار الغذاء المرتفعة وضعت مائة مليون شخص حول العالم تحت خط الفقر مما سبب أعمال شغب في بلدان عدة من بينها بنجلادش ومصر.

*الوقود الحيوي: حماية للبيئة أم تدمير لها؟

منذ فترة ليست بالقصيرة، اعتبر الكثيرون أن فكرة "الوقود الحيوي" المصنوع من الذرة والصويا فكرة جذابة من الناحية البيئية ؛ حيث اعتبرت المنظمات البيئية الدولية أن استخدام الوقود الحيوي بديلا عن النفط في المركبات سوف يساهم في تقليل انبعاثات الكربون والاحتباس الحراري وبالتالي إنقاذ العالم.

بل أن الوقود الحيوي هو الحل النهائي للعديد من المشاكل التي ظهرت مع زيادة اعتماد الإنسان على الآلات الميكانيكية في الحركة والتنقل، وخصوصاً في ظل محدودية المخزون العالمي من الوقود الأحفوري مثل النفط والفحم، وما ينتج عنهما من غازات ضارة مثل ثاني أكسيد الكربون المسؤول عن ظاهرة الاحتباس الحراري المتوقع لها أن تتسبب في تغيرات مناخية كارثية. فالنباتات التي يعتمد عليها في إنتاج الوقود الحيوي Ethanol، هي مصدر متجدد لا ينضب. لكن بدأت في الآونة الأخيرة تطفو على سطح التقارير البيئية الدولية إنذارات تحذر من التأثيرات السلبية لإنتاج الوقود الحيوي :

منها أن نباتات التي يستخلص منها الوقود الحيوي تستخدم كميات كبيرة من غاز ثاني أوكسيد الكربون-هو الغاز الأساس المسبب للاحترار الكوني-، في عملية البناء الضوئي الضرورية لنموها. وهو ما يعني نظرياً، أن ما سيتم إنتاجه من ثاني أكسيد الكربون أثناء حرق الوقود الحيوي، سيعاد امتصاصه مرة أخرى من خلال العملية الطبيعية اللازمة لإنتاج هذا الوقود من الأساس.

وعلى ما يبدو أن التأثيرات السلبية الأخرى للوقود الحيوي على النظم البيئية من نباتات وحيوانات لم تكن أيضاً في الحسبان. أحد تلك التأثيرات ظهر في شكل تدمير الغابات المطيرة، واقتلاع الأشجار والنباتات، خصوصاً في جنوب شرق آسيا، كي يتم استبدالها بمزارع نخيل الزيت، أحد المصادر الرئيسية لإنتاج الوقود الحيوي. فعلى العكس، لم يحقق الوقود الحيوي الحفاظ على البيئة، بل أدى في الكثير من الأحوال إلى تسارع تدميرها، في شكل فقدان للتنوع البيئي بدرجة خطيرة. فمناطق الغابات التي تم اقتلاعها، كانت تحتوي على المئات والآلاف من أصناف النباتات والحيوانات المختلفة، تم استبدالها بنوع واحد أو اثنين فقط من النباتات، وهو ما جعلها غير صالحة للحياة للعديد من الحيوانات التي كانت تقطنها سابقاً. ( د. أكمل عبد الحكيم، جريدة الاتحاد الامارتية، بتصرف)

وكمثال على ذلك لقد اقتلعت الأشجار في غابات "الأمازون" و "تشاكو" والمناطق الأخرى التي تعد المصدر الكبير للتنوع الحيوي في القارة من أجل زراعة فول الصويا المعدل وراثيا!

أما في كوبا المنتج الأكبر لقصب السكر، فقد كان للزعيم "فيديل كاسترو" رأي آخر فهو مع تأييده لتخفيض عدد المحركات العاملة على البنزين والديزل والكهرباء، وعد ذلك ضرورة ملحة للبشرية. لكن التراجيديا والمأساة، كما يقول كاسترو :"لا تكمن في إنقاص حرق الطاقة الأحفورية، بل في فكرة تحويل الأغذية إلى وقود! وعندما تمنح القروض للدول الفقيرة كي تنتج الوقود الحيوي من الذرة والمحاصيل الأخرى، فلن تبقى شجرة واحدة تحمي البشرية من التغير المناخي!" هذا تصريح لمسئول سياسي عاش ردا طويلا من الزمن بين تقلبات سياسية واجتماعية خطيرة!

من الذي يقف بالفعل وراء أزمة الغذاء في العالم : هل فعلا الوقود الحيوي أم مؤشرات أخرى؟

*هل إنتاج الوقود الحيوي يرفع الأسعار ويهدد البيئة؟!

ب-الوقود الحيوي يسبب مشكلات اقتصادية-غذائية: ليست الولايات المتحدة والبرازيل أكبر منتجين للوقود الحيوي في العالم الوحيدتين اللتين انضمتا لركب الوقود الجديد. فقد لحقت بهما الصين وهي الآن الدولة الرابعة في إنتاج الوقود الحيوي.

وتتزايد الضغوط لتحويل الأراضي المزروعة من المحاصيل الغذائية إلى محاصيل الوقود بسبب زيادة الطلب على الوقود الحيوي وهو ما سيساهم في رفع الأسعار.

لكن ما توقعه الخبراء الاقتصاديون أنه سيسهم في ارتفاع الاسعار توجه اقتصادي الصين والهند الصاعدين نحو تحقيق اكتفاء ذاتي ليس فقط من الوقود وإنما من الغذاء أيضا. فالطبقة الوسطى المتنامية في الصين تريد أن تتناول المزيد من اللحوم وهو ما يتطلب إنتاج مزيدا من حبوب الأعلاف وهو ما سيرفع بدوره الاسعار. كما أن موجة من طقس سيئ في مناطق نمو أساسية. وبشكل خاص تعاني أستراليا، التي تعتبر عادة ثاني أكبر مصدر للحنطة في العالم، من جفاف هائل
ويقول العديد من العلماء والاقتصاديين أن الصين والهند ليس لديهما مياه كافية لزيادة إنتاج الحبوب سواء للأعلاف أو لغرض الوقود.مما قد يهددهما بالمجاعات والكوارث..!!

أما دول الاتحاد الأوربي؛ فبعد تسريب دراسة أجراها البنك الدولي إلى صحيفة «غارديان» البريطانية، أفادت بأن إنتاج الوقود الحيوي هو السبب الرئيس وراء ارتفاع أسعار الأغذية العالمية. وأضافت أن الوقود الحيوي أدى إلى زيادة أسعار المواد الغذائية نحو 75 %..دفعت بالدول المتقدمة إلى اتخاذ خطوات للحد من الآثار السلبية للوقود الحيوي:

ومن الخطوات التي اتُخذت في أوروبا في الأيام الأخيرة، قرار وزيرة المواصلات البريطانية روث كاي تقليص استخدام بلادها مستقبلاً للوقود الحيوي في المواصلات، بناءً لدراسة علمية قُدمت إلى برلمان بلادها. وأتى القرار نتيجة للدراسة التي أوصت بخفض الاستخدام المستقبلي للوقود الحيوي لئلا ترتفع نسبته من الوقود المخصص للمواصلات إلى 10 %عام 2020 كما يُخطط له الآن.
وقالت كاي: «ازدادت التساؤلات في الأشهر الأخيرة حول الآثار السلبية غير المباشرة للوقود الحيوي في إمدادات الأغذية وأسعارها، وفي تقليص مساحات الغابات، وتأثير كل هذا في الاحتباس الحراري وانبعاث الغازات». وأضافت: «نظراً الى الضبابية التي لا تزال قائمة حول هذا الأمر، والاستنتاجات المهمة التي توصلت إليها الدراسة، أعتقد بأن من الصحيح تقليص استخدام الوقود الحيوي مستقبلاً حتى تتضح الصورة في شكل أوسع وأدق حول آثاره الفعلية على البيئة، وكذلك آثاره الاجتماعية».
وصدرت دراسات كثيرة أخيراً تشير إلى دور الوقود الحيوي في ارتفاع أسعار المواد الغذائية. فقد نشر معهد «نيو إنرجي فاينانس» في لندن، بحثاً يشير إلى أن الوقود الحيوي رفع أسعار الشعير بنسبة ثمانية % وأسعار الزيوت النباتية بنسبة 17 في %. ويحظى المزارعون الذين ينتجون المواد الزراعية المخصصة لإنتاج الوقود الحيوي بدعم يساوي 11 إلى 12 بليون دولار سنوياً، وفقاً لتقرير منظمة الأغذية العالمية.

ويعني هذا أن من غير الممكن حالياً إنتاج الوقود الحيوي بالطرق التجارية المعروفة وفي السوق الحرة، من دون الدعم الحكومي للمزارعين لتحويل إنتاجهم من أغذية إلى وقود للسيارات. (وليد خدوري،* كاتب متخصص في شؤون الطاقة. إنتاج الوقود الحيوي يرفع الأسعار ويضر البيئة جريدة الحياة اللندنية-الاحد13 يونيو2008، بتصرف يسير)

ولا أدل على ذلك ما شهدته المكسيك من عشرات الآلاف من المظاهرات في يناير عندما ارتفعت أسعار الخبز المحلي إلى ثلاثة أمثال السعر السابق إلى 15 بيزو (1.36 دولار أمريكي) للكيلوجرام. وينتج كيلوجرام الذرة حوالي 35 من أقراص التورتيا الرقيقة التي تعتبر غذاء شعبيا مكسيكيا. هذا عن الدول التي تنتج الذرة أس مادة الإيثانول..أما الدول العربية مثل مصر فقد اشتدت فيها أزمة الخبز إلى حد الاختناق ، نفس الشيء ينطبق على المغرب الذي عرف ارتفاع أسعار المواد الغذائية بشكل غير مسبوق ؛ بالرغم من أن المغرب بلد فلاحي وما يتبعه من موارد مائية نباتية وحيوانية مهمة، أما مداخيل الصيد البحري والسياحة و الفوسفاط فحدث ولا حرج..لكن الأزمة هي عين الأزمة ! كيف يعقل استغلال أزمة أسعار العالم وإسقاطها على بلد ينعم بالخيرات كالمغرب..هل المشكلة في الفساد أم سوء التسيير..؟! وإلا كيف نفسر عدم تأثر اليابان بالأزمة بالرغم من افتقارها إلى موارد طبيعية..ولكن! كما قال أحد اليابانيين :"تعيش البلدان على ثروات تحت أقدامها مثل المغرب والدول البترولية بينما نحن نعيش على ثروات فوق أكتافنا تزيد بقدر ما نأخذ منها"..قد يقال لا مجال للمقارنة..نأخذ بلدا مثل سوريا التي وضعت تأمينا على الغذاء والدواء !

ب-الوقود الحيوي يسبب مشكلات بيئية :وتتميما لما ذكرناه سابقا ؛ أفادت دراسة أكاديمية سويسرية حديثة لعلوم المواد أن الوقود الحيوي ليس بالضرورة الحل الأمثل للقضاء على مشكلات البيئة التي تتسبب فيها المحروقات المستخرجة من النفط.. إلا إذا توافرت - ما وصفتها - شروط قاسية للتغلب على جميع السلبيات. وتابع الباحثون في دراستهم تأثير استخراج (الإيثانول) و(الميثانول) و(الديزل) من النباتات على البيئة منذ مراحل الزراعة وعمليات استخراج الوقود من المحاصيل وكيفية التصنيع والتخلص من النفايات الناجمة عنها. ويقول البروفيسور / راينر تساه - المشرف على الدراسة - أنه رغم أن بعض أنواع الوقود الحيوي تخرج عوادم تقل أضرارها بنسبة 30% عن المحروقات التقليدية فإن الحصول على هذا الوقود الحيوي من الذرة وفول الصويا يسبب مشكلات بيئية مختلفة ستتفاقم مع مرور الوقت. ويؤكد "راينر تساه" أن السعي للحصول على انبعاثات أقل لا يجب أن يكون العامل الوحيد لتقييم جودة الوقود الحيوي، بل يجب النظر إلى عوامل أخرى.. مثل كميات الأسمدة الهائلة التي سيتم استخدامها في الحقول وتأثيرها على التربة والمياه ؛ مما قد ينعكس سلبيا على المناخ في المناطق الاستوائية. وتتزامن هذه الدراسة مع صدور توصيات لجنة الأمم المتحدة للطاقة البيولوجية المستدامة، التي ترى ضرورة توضيح تأثير الوقود الحيوي الاقتصادي والاجتماعي والبيئي قبل اتخاذ القرار السياسي بالتحول إليها بشكل كامل. في المقابل، وجدت الدراسة أن التخلص من النفايات الناجمة عن استخراج الوقود الحيوي أقل ضررا من تلك التي تخرج من الصناعات النفطية التقليدية، وقد تكون في بعض الحالات موازية للمخاطر التي ستتسبب فيها العمليات الزراعية الضخمة.. شريطة استخدام معايير قاسية تحاول تلافي الخسارة المتوقعة في الأمطار الاستوائية - على سبيل المثال -. في حين رحب حماة البيئة بنتيجة الدراسة وتقرير الأمم المتحدة واعتبروا أن هذه التوصيات على قدر كبير من الأهمية، وطالب حزب الخضر السويسري بحظر استيراد الديزل الحيوي، حتى تضح الصورة أكثر والتأكد من أنه ليس إنتاجا نابعا من تدمير البيئة !!

وتشير المنظمة البيئية العالمية إلى أن المشكلة في الاعتماد على الوقود الحيوي، الذي يتم استخراجه من الذرة والقصب السكري وفول الصويا والأرز والقمح والنخيل، تكمن في تحويل مساحات زراعية شاسعة إلى أراض مخصصة لإنتاج الوقود الحيوي. وهو ما يعني توسيع الزراعة بهدف التطبيقات الصناعية على حساب الزراعة من أجل توفير الغذاء، مما سيزيد من حدة الأزمة الغذائية العالمية ويزيد من ارتفاع أسعار المواد الغذائية.

ويقول مارتن كايزر- المستشار السياسي لمنظمة السلام الأخضر GREEN PEACE في مجال التنوع البيولوجي والغابات والمناخ- إن الحوافز المالية الكبيرة التي تقدمها الشركات الكبرى المنتجة للوقود الحيوي تدفع بعض الحكومات في إفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية إلى تحويل ملايين الهكتارات من الأراضي الزراعية والمراعي المخصصة للماشية وكذلك الغابات إلى مساحات شاسعة مخصصة لزراعة المواد التي تستخدم لإنتاج الوقود الحيوي، دون أخذ حاجيات السكان من المواد الغذائية بعين الاعتبار، مما يؤدي إلى عجز تلك البلدان النامية عن تحقيق الاكتفاء الذاتي في الغذاء.   

ب-أزمة ارتفاع أسعار المواد الغذائية..كارثة تتدخل فيها أطراف متعددة :

بحسب - تقرير سري وموثق حصلت عليه صحيفة الجارديان البريطانية من البنك الدولي - فإن استخدام الوقود الحيوي يعد سببا رئيسيا في ارتفاع أسعار الغذاء لأعلى المستويات. وقال المستشار السياسي لأكسفم, روبرت بيلي "إن هناك نوايا من القادة السياسيين للتكتم وتجاهل الدليل الجلي على أن الوقود الحيوي هو السبب الرئيس في أزمة ارتفاع الأسعار الحالية ". وأضاف"لقد اكتملت الصورة بالنسبة لنا ,بينما يركز السياسيون على جعل معامل الوقود الحيوي راضية عن ما تفعله ضد الفقراء في الدول الفقيرة الذين يفتقرون إلى المواد الغذائية الأساسية".

و بحسب تقديرات البنك الدولي، فان أسعار الغذاء المرتفعة وضعت مائة مليون شخص حول العالم تحت خط الفقر مما سبب أعمال شغب في بلدان عدة من بينها بنجلادش ومصر.من جانبه، يربط الرئيس الأميركي جورج بوش أسباب ارتفاع أسعار الغذاء بحجم الطلب من الصين والهند إلا أن دراسة البنك الدولي تفيد بأن "ارتفاع الدخل في الدول النامية ليس سببا في ارتفاع معدل استهلاك الحبوب وليست السبب الرئيسي المسؤول عن ارتفاع الأسعار".

وأفادت دراسة قدمت منذ عام 2002 إلى عام 2008 أن أسعار الغذاء قد ارتفعت بمعدل 140% بينما ارتفعت أسعار الأسمدة بحوالي 15% في الوقت الذي يتحمل فيه الوقود الحيوي أسباب ارتفاع أسعار الغذاء 75% خلال الفترة نفسها.

ويؤثر إنتاج الوقود الحيوي على سوق الغذاء بواسطة ثلاث طرق رئيسية:

* أصبحت الحبوب تستخدم لإنتاج الوقود الحيوي. و يستخدم ثلث إنتاج أميركا للذرة لإنتاج الإيثانول والنصف لإنتاج زيت الذرة.

* أصبح المزارعون يحصلون على الدعم لتخصيص أراضي زراعية لإنتاج الوقود الحيوي من الحبوب.

*المضاربة في سوق الحبوب.

- ازدياد نفوذ الشركات المتعددة الجنسية ودورها في تأزيم الوضع:في وقت يشهد فيه العالم أزمة غذاء تصل إلى دفع الملايين من البشر إلى حافة الجوع،تستمتع كبريات الشركات العملاقة المتعددة الجنسيات التي تعمل في المجال الزراعي بما تحققه من أرباح كبيرة،خصماً من حساب فقراء العالم الذين يتابعون الارتفاع الكبير في أسعار المواد الغذائية الأساسية دون أن يكون في مقدورهم سد احتياجاتهم منها.وعلى مدى العام الماضي بدأت أسعار حبوب القمح والذرة والأرز في الارتفاع إلى درجة صعبت على فقراء العالم – الذين ينفقون حوالي 80% من دخولهم على الطعام – تدبير ما يحتاجون من غذاء يسدون به رمقهم.

يقول البنك الدولي أن مائة مليون نسمة آخرين سوف ينضمون إلى قائمة أعداد الجوعى في العالم،وفى الوقت نفسه تقوم اكبر وأغنى شركات الغذاء في العالم بجني أرباح بلغت أرقاماً قياسية لم تبلغها من قبل،فعلى سبيل المثال أصدرت شركة «مونسانتو»العملاقة التي تعمل في مجال الغذاء، تقريراً يفيد أن إجمالي أرباحها للأشهر الثلاثة حتى شهر فبراير من هذه السنة بلغت أكثر من ضعف أرباحها التي حققها في الفترة نفسها من عام 2007,فبعد أن كانت أرباحها 1.44 بليون دولار زادت إلى 2.22 بليون دولار (جيوفري لين- أنديبندنت، ترجمة : أحمد هريدي: الاحد22 يونيو 2008).

من أجل ما قرأت ما ذكر المفكر الاقتصادي الأمريكي الشهير"جيرمي ريفكن" في كتابه"قرن التقنية الحيوية: تسخير الجينات وإعادة تشكيل العالم":( إن استملاك بذور العالم استملاكا تجاريا-بعد أن كانت يوما ما ملكا عاما للبشر جميعا- في أقل من قرن من الزمن، يمثل أحد أكثر التطورات أهمية في العصر الحديث.فمنذ قرن من الزمن كان مئات الملايين من المزارعين في كوكبنا يملكون ويتحكمون بمخزونهم من الحبوب، يقايضونها بحرية تامة مع جيرانهم وأصدقائهم.أما اليوم فإن معظم مخزون الحبوب قد زرعته وهندسته.سجلت له براءات اختراع شركات عالمية جعلته ملكية فكرية له.يعتمد المزارعون الراغبون في زراعة ما سيحصدونه مستقبلا اعتمادا متزايدا على الوصول إلى هذه الشركات، ليدفعوا لها رسما معينا مقابل استخدام ما كان قبل فترة وجيزة ملكية عامة".

- السياسات الزراعية الانتقائية وسوء التخطيط الزراعي:إذ أدت هذه العملية إلى بوار قطاعات كبيرة من الأراضي الزراعية، وإلى تحول قطاعات أخرى فيها نحو محاصيل مربحة ماديا.بل الأكثر من هذا تحويل مساحات زراعية شاسعة إلى أراضي سكنية ومعامل..كما هو الشأن بالنسبة للمغرب الذي يسيطر على القطاع الفلاحي- في الغالب- أناسا ليسوا أهلا للتخصص الزراعي ؛ فبمجرد ما تقل المردودية يتم تغيير هذا النشاط إلى آخر..مما يساهم في تهديد القطاع الفلاحي برمته ولا أدل على ذلك منطقة سوس؛ رغم توفر المغرب على مؤهلات مناخية وطبيعية تجعله في منأى عن التقلبات العالمية.ولله در الشاعر إذ يقول:

كالعيس في البيداء يقتلها الظمأ *** والماء فوق ظهورها محمول!

- التقلبات المناخية: إتلاف جزء لا يستهان به من المحاصيل والحبوب الغذائية في عدد من الدول الزراعية الكبرى، مثل استراليا والصين والأرجنتين والهند بسبب التغيرات المناخية وموجات الجفاف والصقيع التي ضربت أجزاء كثيرة في العالم خلال العاميين الماضيين. كما نسجل في هذا الباب ما عرفه المغرب في السنوات الأخيرة –نتيجة ضعف التخطيط الزراعي- من سنوات الجفاف أتت على الأخضر واليابس!

وتسهم التحولات المناخية وارتفاع أسعار النفط والكوارث الطبيعية كالفيضانات والجفاف في مضاعفة المشكلة ومن المعروف انه قد تضاعفت أسعار السلع الغذائية الرئيسية خلال العامين الماضيين وسجل الأرز والذرة والقمح مستويات قياسية. وسجلت بعض الاسعار أعلى مستوياتها في 30 عاما بعد حساب عامل التضخم مما قاد لاحتجاجات وأعمال شغب في بعض الدول النامية حيث ينفق السكان أكثر من نصف دخلهم على الغذاء.

-المضاربات والممارسات الاحتكار الجارية بشأن المواد الغذائية والزراعية في البورصات وصناديق الاستثمار العالمية، علاوة على لجوء بعض الدول المصدرة للمنتجات الزراعية إلى فرض قيود على الصادرات، في محاولة لإرضاء المستهلك المحلي،ووقف التوترات الشعبية الداخلية، وهو وإن تحقق،فقد ساهم في زيادة الأسعار عالميا، وزاد من عمق الأزمة، بالنسبة لدول أخرى كثيرة...

لماذا عولمة الوقود الحيوي؟ لماذا المراهنة على البلدان المتقدمة؟

لا جدال-كما قال عبد الحافظ الصاوي خبير وباحث اقتصادي- أن الوقود الحيوي كان أحد أسباب ارتفاع أسعار الغذاء، ولكن المشكلة هو حصر الأزمة في هذا السبب، وتقديمه دائما كمبرر شماعة يختفي خلفه العجز العربي في التعامل مع أزمة الغذاء.

فالحكومات العربية تعاملت مع القضية وكأنها بريئة منها أو غير مكلفة بعمل شيء؛ لأن المشكلة عالمية، وأصبح كل التعامل الرسمي معها يقتصر على تعريف المشكلة وتشخيص مظاهرها وتداعياتها، دون أن تتحرك قيد أنملة لبرامج عملية أو لحلول واقعية وممكنة.

بل الأدهى والأمر أن وسائل الإعلام العربية نجحت في مجاراة هذا التوجه وقدمت الوقود الحيوي كمبرر لارتفاع أسعار الغذاء للتغطية على عجز البلدان العربية  في وجود إستراتيجية لمواجهة أزمة ارتفاع أسعار الغذاء وتوفيره بكميات تحقق الأمن الغذائي.

ومن ثم فمن الواجب التعامل مع القضية بحلول عملية بعيدا عن الشعارات الضخمة التي ترفع في المؤتمرات واللقاءات ووسائل الإعلام، سواء على المستوى المحلي أو العربي؛ لأن الدول المتقدمة على ما يبدو لن تنصرف عن إنتاج الوقود الحيوي، بدليل أن قمة روما التي انعقدت في مطلع يونيو 2008 عجزت عن إيجاد آليات حقيقية بشأن توقف البلدان المتقدمة عن إنتاجه، أو على أقل تقدير الانصراف إلى سلع زراعية أخرى غير غذائية مثل نبات "الجاتروفا" والذي قيل إنه أكثر فاعلية في إنتاج الوقود الحيوي من السلع الغذائية. بل لم تخرج حتى بقرار يجرم إنتاجه في ظل مزاحمة الفقراء في غذائهم!! وهو ما يعني أن الدول المتقدمة وغيرها من الدول المنتجة للوقود الحيوي سوف تستمر في إنتاجه غير عابئة باحتياجات الفقراء...

*الوقود الحيوي من جديد..هل بترول المستقبل؟ نبات الجاتروفا اكتشاف جديد للوقود الحيوي!

في عام 2010 يلزم القانون الأوربي كل مستهلك للوقود وبأية طريقة كانت على استهلاك ما مقداره 5,75 % من مجموع الاستهلاك وقودا حيويا ( زيت الذرة الإيثانول أو زيت الجاتروفا ) على أن تتصاعد هذه النسبة إلى 20 % عام2020!!

و جاتروفا نبته تحتمل ظروف مناخية قاسية بل أنواع الجفاف،وتنتج ثمارا بذرية غنية بالزيت، والذي يمكن إنتاجه أيضا من عشب الحلفاء الصينية وعشب قصب الكناري.فالعلماء اكتشفوا وتثبتوا أن الزيت الناتج عن بذرة الجاتروفا يطلق عند احتراقه خمس ( أي واحد على خمسة ) من ثاني أكسيد الكربون بالمقارنة مع البترول، أي انه يوفر من هذه الناحية فقط، أربعة أخماس أضرار وتكاليف ثاني أكسيد الكربون وبقية الانبعاثات الأخرى، وتتسابق الشركات الأوربية الآن على استئجار وشراء أراض في أفريقيا لزراعة هذه النبتة التي لا تحتاج إلى مياه للحصول على عشرين مليون برميل يوميا في حال تمت زراعة ربع أراضي إفريقيا، أي ما يحول المنطقة إلى منبع نفط حيوي يشبه الشرق الأوسط كوقود احفوري بالإضافة إلى إقامة مصاف لتكرير الزيت وكافة مرافق المعالجة والنقل، أي حراك اقتصادي متكامل. كي تلحق بعام 2010 وهي قادرة على تزويد أوربا بكمية عشرة بلايين طن سنويا على الأقل وهي كمية قابلة للزيادة مع ارتقاء البحث والتجريب والتطوير على بذور نبات الجاتروفا، ربما يمكننا الانتباه إلى العلاقة التفاعلية بين القوانين والعلوم والاقتصاد في هذا المثال.يبدو أن الوقود الحيوي قدر لا بد منه.

السؤال المطروح ههنا، لماذا لا تفكر البلدان العربية في استثمار بلدانها الصحراوية لإنتاج الوقود الحيوي بعيدا عن استغلال الشركات الأوربية الاستغلالية ثم ألا يمكن التكهن بحروب جديدة يكون بؤرتها إفريقيا كما عاشتها –ومازالت-منطقة الشرق الأوسط ردحا طويلا من الزمن أم المشكلة المائية هي المجمع عليها لتكون النقطة التي ستفيض الحروب في العالم نتمنى عكس ذلك؟!!

خلاصة القول؛ لقد بدت فكرة "الوقود الحيوي" المصنوع من الذرة والصويا فكرة جذابة من الناحية البيئية قبل سنتين بشكل خاص حيث اعتبرت المنظمات البيئية الدولية أن استخدام الوقود الحيوي بديلا عن النفط في المركبات سوف يساهم في تقليل انبعاثات الكربون والاحتباس الحراري وبالتالي إنقاذ العالم.

ولكن الفكرة البراقة تحولت إلى استثمار لأصحاب الملايين وبعض الدول الجاثمة على أنفاس الضعفاء؛ التي وجدت في الوقود الحيوي فرصة لتقوية صادراتها واستغلال وجود المياه والمساحات الزراعية الشاسعة والتكنولوجيا الملائمة فأصبح تحويل المساحات الزراعية من المحاصيل الغذائية إلى الوقود سببا في رفع أسعار كل مشتقات الذرة والصويا وقصب السكر في العالم وهذا ما أثار هلع المنظمات البيئية والتنموية مؤخرا.

وفي النهاية يبقى السؤال: كيف تحولنا إلى فئران تجارب وتحول غذاؤنا إلى وقود ومنتجات ؟ هل فتح العالم صندوق الوقود الجديد ليتسبب في زيادة جوع مئات الملايين من الناس؟ أم "جنون الإيثانول" بالأمريكيتين؟ أم أن الأمر يتعلق بعصر الوقود الحيوي كبديل للوقود الأحفوري الآيل للنضوب؟!