ص1       الفهرس  81-90

 

الأسطوغرافية العربية (L’historiographie):

طبيعتها ومحدودية قيمتها التاريخية(*)

 

العربي اكنينح

عندما يهم المرء بالبحث في تاريخ المغرب أو المشرق العربيين، أو العالم الثالث بصفة عامة، يجد نفسه أمام ثلاث روايات: الرواية التقليدية وهي رواية الحوليات التاريخية، وكتب التراجم، والمناقب، والأنساب، وغيرها من المؤلفات. الرواية الاستعمارية: وهي مجمل أدبيات ونصوص الأسطوغرافية الكلونيالية والاستشراقية. الرواية العلمية: وهي الرواية التي يسعى الباحثون الأكاديميون في مختلف جامعات العالم إلى تأسيسها اليوم على أنقاض الروايتين الأولى والثانية.

لقد تم نسج خيوط الروايتين التقليدية والاستعمارية في ظروف وملابسات سياسية ومذهبية معينة وظف أصحابها الخطاب التاريخي لخدمة وبلورة توجهات سياسات الدول القائمة وتكريس اختياراتها الإيديولوجية. وبسبب تشعب الموضوع وشساعته، سنقتصر هنا، في مرحلة أولى، وبصورة موجزة، على التعرف على ظروف نشأة الأسطوغرافية العربية، وتحليل طبيعتها، والوقوف بالتالي على محدودية قيمتها التاريخية على أن نرجئ الحديث عن الرواية الاستعمارية والعلمية إلى لقاءاتنا المقبلة، لأخذ نظرة مجملة على أهم جوانب الخطابات التاريخية الموجودة في الساحة، ودراسة كيفية التعامل معها، للاقتراب ما أمكن من حقائق الأمور وحجم ملابساتها والظروف التي تحكمت في توجيهها.

I - تدوين تاريخ العرب والمسلمين سواء في المشرق أو المغرب، تم في مراحل متأخرة عن وقوع الأحداث.

عند تتبع تواريخ ظهور المؤلفات التي اهتمت بتدوين التراث الشفوي للعرب في المشرق، نلاحظ أن هؤلاء القوم لم يشرعوا في كتابة بعض حوادث تاريخهم إلا في أواخر العصر الأموي وبداية الخلافة العباسية، أو لنقل بصفة عامة، ابتداء من النصف الثاني من القرن الثاني للهجرة/القرن الثامن الميلادي. أما قبل هذا التاريخ، فقد كانوا يعتمدون على نقل الأخبار والروايات، على طريقة التواتر الشفوي، وتوارث قصص الأولين. ولم يستثنى من ذلك سوى بعض الشعوب التي كانت تعيش في أطراف الجزيرة، مثل مملكتي معين وسبأ اللتين نقش أهلهما بعضا من أخبارهم على بعض الآثار التي لا تزال قائمة إلى يومنا هذا. ويمكن تصنيف أعمال "المؤرخين" الأوائل إلى قسمين: قسم تحدث عن تاريخ النبي وأعماله، وسيرته، في المرحلتين المكية والمدينية، ويندرج تحت اسم كتب المغازي والسير (جمع سيرة)، وقسم تعرض لتاريخ العرب في الجاهلية واعتنى بجمع أخبار القبائل وتدوين تراثها الشفوي فيما كان يعرف بكتب الأيام. إلا أن هذه الكتب قد وضعت في مراحل متأخرة جدا عن الوقائع والنوازل التي تتحدث عنها. فسيرة ابن هشام المتوفى سنة 218هـ، هي نفس سيرة ابن إسحاق برواية البكائي. ومحمد بن إسحاق الذي أخذ عن أستاذه محمد بن شهاب الزهري(ت 124هـ) مؤسس مدرسة المغازي في المدينة، توفي سنة 150هـ/767م أيام الخلافة العباسية. ومحمد بن عم الواقدي الذي كتب في المغازي أيضا، توفي سنة 207هـ، وكان هذا الأخير صديقا للخليفة العباسي المامون (198-218هـ). وأبو عبيدة بن المثنى الذي يعتبر المصدر الرئيسي لكل ما كتب عن القبائل العربية وماضيها السابق على ظهور الإسلام، فيما كان يعرف بكتب الأيام، توفي سنة 210هـ أيام عهد المامون العباسي. والطبري الذي قام بجمع وتركيب تواريخ الأمم والرسل والملوك في المراحل السابقة لعصره في كتابه، تاريخ الرسل والملوك، عاش في القرن الثالث وبداية القرن الرابع للهجرة (225-307هـ). وهذا كاف لإسدال ظلال قاتمة من الشكوك والغموض حول تاريخ العرب والمسلمين بصفة عامة قبل منتصف القرن الثاني للهجرة، أي قبل عصر التدوين، خصوصا إذا علمنا، كما سنبين ذلك بعد قليل، أن أعمال أولئك "المؤرخين" قد تمت تحت وصاية سلطات سياسية معينة، وبتوجيه منها، وصيغت أيضا في ظروف كان الصراع السياسي بين عرب الشمال وعرب الجنوب من جهة، وبين الفرق الإسلامية من جهة ثانية، على أشده. أما في الغرب الإسلامي، فقد تأخر أيضا جمع تراث هذه المنطقة كثيرا عما حدث في الشرق. فعند تتبع تواريخ ظهور المؤلفات التاريخية إلى الوجود، نلاحظ أن المصادر الشرقية، وخاصة منها المصرية، لم تتحدث عن المغرب والأندلس بصفة عامة إلا في القرن الثالث للهجرة التاسع الميلادي (الفتح تم في القرن الأول للهجرة). فأولا كتاب عربي وصل إلينا عن تاريخ المغرب والأندلس، كتبه المؤرخ المصري عبد الرحمان بن عبد الحكم في القرن الثالث للهجرة تحت عنوان: فتوح مصر والمغرب والأندلس. ولم تبدأ حركة تدوين التاريخ عند العرب في الأندلس التي فتحت سنة 92هـ، إلا في القرن الرابع للهجرة. فأقدم كتاب كتبه الأندلسيون أنفسهم عن تاريخ بلادهم، هو كتاب: تاريخ افتتاح الأندلس لصاحبه أبي بكر محمد القرطبي المعروف بابن القوطية. وقد تأخر اهتمام المغاربة بتدوين البعض من تاريخهم، إلى عهد الموحدين (ق.6هـ). حيث وردت إشارات في المصادر المرينية، في مراحل لاحقة، إلى مؤلفات تعرض لتاريخ المغرب، وفاس، والأندلس، عاش أصحابها في القرن السادس الهجري. وعلى سبيل المثال، فقد تم تأسيس مدينة فاس على يد إدريس الأول وليس إدريس الثاني كما هو شائع، في نهاية القرن الثاني للهجرة 81م. إلا أن المصادر التاريخية، باستثناء بعض الإشارات الطبيعية الواردة على لسان بعض الجغرافيين المشارقة والأندلسيين، لم تتحدث عن الأدارسة وعاصمتهم فاس، بصورة مفصلة، إلا ابتداء من أواسط عهد بني مرين، أي بعد مرور أكثر من خمسة قرون على تاريخ وصول إدريس الأول إلى المغرب سنة 170هـ. وهذا كاف أيضا لإضفاء ظلال من الشكوك والغموض حول تاريخ مدينة فاس والأدارسة بصفة عامة في القرون السابقة لحكم بني مرين. فصاحب الأنيس المطرب الذي أرخ لأول مرة بتفصيل لمدينة فاس، نقل معلوماته عنها من مجموعة من الرواة والمؤلفين لم يذكر أسماءهم، ولم ينسب إليهم كلامهم في كثير من الأحيان. وعند الرجوع إلى أسماء مؤلفين آخرين ممن اهتموا بتدوين تاريخ المغرب، نلاحظ أن هؤلاء عاشوا في عصور متأخرة جدا عن الفترات التاريخية التي يتحدثون عنها. فابن عذاري المراكشي (أبو العباس أحمد) صاحب كتاب البيان المغرب في أخبار الأندلس والمغرب الذي يتحدث مثلا عن انتفاضة البربر سنة 122هـ، وتجزئة المغرب بعد وفاة المولى إدريس الثاني سنة 213هـ، ودخول جوهر الصقلي المغرب واستيلائه على فاس سنة 347هـ، ومعركة الزلاقة التي جرت وقائعها سنة 479هـ، عاش في نهاية القرن السابع وبداية القرن الثامن الهجريين/14 م، أي في عصر بني مرين. وابن أبي زرع الفاسي الذي أشار إلى مجيء إدريس الأول إلى المغرب سنة 170هـ، ووصف أعمال يحيى الأول وبنائه لجامع القرويين سنة 245هـ، عاش أيضا في النصف الأول من القرن الثامن الهجري/14م. وعبد الواحد المراكشي صاحب كتاب المعجب في تلخيص أخبار المغرب الذي تكلم عن علي بن يوسف بن تاشفين المرابطي وحصار الموحدين لمدينة مراكش وفتحها سنة 541هـ، كتب كتابه سنة 620هـ/1224م، أي في أواخر الدولة الموحدية. ولسان الدين ابن الخطيب الذي تحدث عن خطبة عبد الله بن ياسين عندما أحس بدنو أجله، في كتابه أعمال الأعلام عاش في القرن الثامن للهجرة/14م. فمن خلال هذه الأمثلة يتضح الفرق الشاسع بين تواريخ وقوع الأحداث والوقائع، وتواريخ اعتكاف المؤرخين: المشار إليهم آنفا على جمع أخبار هذه الدول وتدوينها. وهذا يجرنا من الناحية المنهجية إلى وضع أكثر من سؤال حول مرامي هذه المصادر وخلفياتها السياسية والإيديولوجية. وعن هذه المصادر استقت الحوليات التاريخية، وكتب التراجم، والمناقب المتأخرة، مادتها عند حديثها عن تاريخ المغرب وتعاقب الأسر الحاكمة منذ العهود الإسلامية الأولى.

II - أغلب المصادر التاريخية التقليدية العربية وضعت تحت نفوذ السلطة السياسية القائمة وبتوجيه منها.

عند فحص محتويات مصادرنا التقليدية، نلاحظ أن تدوين تاريخ الأمة الإسلامية بصفة عامة، في العصور الوسطى وما بعدها، كان يتم عادة تحت رعاية ونفوذ السلطة السياسية القائمة وبتوجيه منها. ولم يصلنا من كتب، المعارضة التي تحمل اسم المؤرخ المجهول (Auteur anonyme) الذي كان يسقط من عنوان الكتاب، من باب الاحتياط والتقنية، سوى القليل جدا. ففي المشرق الإسلامي على سبيل المثال، نجد أن محمد بن شهاب الزهري مؤسس مدرسة المغازي، كان على صلة وثيقة بالخليفتين الأمويين عبد الملك بن مروان (64هـ-86هـ) وابنه هشام (101هـ-105هـ). وقد دون أعماله في ظروف سياسية خاصة قال هو نفسه أنه أكره على إنجازها لفائدة الدولة القائمة. وهذا ما يستفاد من رواية أحد تلامذته حيث يقول: "حدثنا معم، عن الزهري قال: كنا نكره كتابة العلم حتى أكرهنا عليه هؤلاء الأمراء، فرأينا ألا نمنعه أحد المسلمين". وإلى جانب هذا، ألف محمد بن إسحاق كتابه في السيرة النبوية عندما كان مقيما في المدينة. ولما سافر إلى الكوفة، يروي أنه أعاد النظر في كتابه الأول بطلب من الخليفة أبي جعفر المنصور العباسي (136-158هـ)، فكتب سيرة ثانية يرضى عنها بنو العباس. ذلك أنه عندما أسند أبو جعفر المنصور ولاية العهد لابنه المهدي (158-169هـ) وبث في الولايات أن هذا الأخير يحمل صفات المهدي المنتظر، أراد أن تكون المعلومات الواردة في السيرة النبوية، لا تصور الوقائع كما جرت فعلا، بل كما أرادتها الدعوة العباسية. لذا أمر الخليفة أبو جعفر المنصور ابن إسحاق بإعادة النظر في كتابه الأول، وحثه بصفة خاصة على الرفع من شأن العباس وأسرته وحذف اسمه (أبي العباس) من بين أسرى قريش في معركة بدر الكبرى، وإخفاء الحجج التاريخية التي تثبت حق العلويين في الخلافة. وعن ابن إسحاق أخذ ابن هشام معلوماته عن حياة الرسول وسيرته، ودونها في كتابه المشهور كتاب سيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم 3 أجزاء. وقد تحفظ هذا الأخير على الكثير مما جاء في سيرة ابن إسحاق التي نقل عنها، واتهمه بالكذب وبأنه انتحل الكثير من الأشعار وأورد أخبارا وضعها من مخيلته وضعا.

أما في المغرب، فعند وضع الكثير من المؤلفات في إطارها التاريخي، نجد أن تدوين التاريخ في هذه المنطقة قد تم أيضا تحت نفوذ السلطان السياسي وبتوجيه وتشجيع من الملوك والأمراء. فابن حوقل النصيبين (ت367هـ/977م) صاحب كتاب صورة الأرض على سبيل المثال، كان جاسوسا للدولة الفاطمية وكتب تقريرا حول بلاد الأندلس أظهر فيه أهمية خيراتها الزراعية والمعدنية بصورة ملفتة للنظر لحث الفاطميين على غزوها. والشريف الإدريسي صاحب كتاب نزهة المشتاق في اختراق الأفاق والمتوفى سنة 545هـ، ألف كتابه نزولا عند رغبة الملك النورماندي روجر الثاني صاحب صقلية. وعند فحص مضامين بعض مصادرنا الوسيطية، نجد أن الخطاب التاريخي قد وظف أساسا لخدمة سياسة الدولة القائمة وتوجهاتها الإيديولوجية. فصاحب الأنيس المطرب الذي أرخ للمغرب ولمدينة فاس بصفة خاصة، من بداية الدولة الإدريسية الحسنية إلى سنة 726هـ، أهدى كتابه إلى السلطان أبي سعيد عثمان المريني(710-731هـ). ويتبين من مقدمة هذا الكتاب، أن ابن أبي زرع قد وضع مؤلفه لتمجيد الدولة المرينية، ولإرضاء السلطان المذكور، ونزولا عند رغبته. وهذا ما يستفاد من سياق نفس المقدمة، وبصفة خاصة من الفقرة التي نص فيها على ذلك صراحة بقوله: "فاستخرت الله تعالى في تأليفه، واستعنته في تقييده، فسهل الله تعالى ما أردته من ذلك، ويسره بفضله وبركات مولانا أمير المومنين الظاهرة الباهرة". وبعد ابن أبي زرع ألف علي الجزنائي كتابه تحت عنوان جني زهرة الآس في بناء مدينة فاس، وأهداه إلى الوزير عمر الياباني المريني. وقد وضع هذا الكتاب بتكليف من هذا الوزير وبإيعاز منه. وهذا ما يتجلى بوضوح أيضا من مقدمة نفس الكتاب حيث نص على ذلك بقوله: "وبعد، فإنه لما كان من شيم سيدنا الوزير السعيد… تعرف تواريخ الدول، وأخبار الصدور الأول، أردت أن أطالع وزارته السنية بكتاب مختصر يشتمل على ذكر من أسس مدينة فاس كلأها الله تعالى، من الأدارسة الحسنيين وبناء جامعي القرويين والأندلس، يكون تذكرة لمن تقدم له في ذلك سلوك، وتبصرة لمن أقيم في خدمة الوزراء والملوك". وعن ابن زرع وعلي الجونائي وغيرهما من مؤرخي العهد المريني، نقلت المصادر المتأخرة التي أرخت فيما بعد لفاس والأدارسة.

وبسبب ارتباط التأليف التاريخي بالسلطان السياسي، كان من الطبيعي أن تخدم المؤلفات الجديدة إيديولوجية الدولة القائمة، وتعبر عن توجهاتها السياسية والمذهبية، وأن يسخر مؤرخو البلاط المريني التاريخ للدفاع عن منظومة فكرية وسياسية قائمة. فالمرينيون كما هو معلوم، بسبب تبنيهم للمذهب المالكي السني وإقراره مذهبا رسميا للدولة، في إطار تصاعد تيار المد الصوفي القائم على تقديس آل البيت وتزايد نفوذ رجاله في هذه الفترة بالذات، وجدوا أنفسهم مضطرين إلى البحث عن دعم سياسي ومذهبي لتثبيت ركائز نظام حكمهم الذي لم يقم كما هو معروف، على أساس دعوة دينية خاصة. فلجأوا إلى تكريم آل البيت، واحتضانهم، وخصوهم بامتيازات هامة. وفي هذا الإطار، حظي الشرفاء الأدارسة برعاية كبيرة من طرف ملوك بني مرين، وأصبحوا منذ هذا التاريخ، يحتلون مكانة خاصة وسط المجتمع على الصعيد الرسمي والشعبي.

 وفي هذا السياق التاريخي، كان من الطبيعي أيضا أن يخضع التأليف التاريخي للمنظومة الفكرية السائدة، وأن يصاغ تاريخ الأدارسة صياغة جديدة موجهة بصورة تخدم الاتجاه الإيديولوجي والسياسي العام الذي كانت تسير فيه الدولة. فعند تجميع الإشارات التاريخية الواردة في المصادر المرينية والمصادر ما قبل المرينية، ومقارنتها فيما بينها، نلاحظ تضاربا كبيرا فيما يتعلق بحقيقة الدعوة الإدريسية، فقد انتقل الأدارسة مثلا من قرامطة متطرفة كما يستفاد من كلام المقدسي (القرن الرابع للهجرة/10م)، إلى شيعة زيدية على لسان البري (القرن الخامس الهجري الهجري/11م)، ومن فاطميين على لسان الإسطخري (فارسي، توفي سنة 340هـ/951)، إلى مالكيين وسنيين وآل البيت في الأسطوغرافية المرينية وما بعدها. فعندما تحدث ابن أبي زرع عن تأسيس إدريس ابن إدريس لمدينة فاس، ذكر أن هذا الأخير لما شرع في بنائها، رفع يده إلى السماء وقال، اللهم اجعلها دار علم وفقه يتلا (كذا) بها كتابك، وتقام بها حدودك، واجعل أهلها متمسكين بالسنة والجماعة ما أبقيتها". ثم أورد بعد ذلك حديثا منسوبا إلى الرسول عليه السلام، لا شك أنه موضوع، يقول "ستكون مدينة تسمى (كذا) فاس، أهلها أقوم أهل المغرب قبلة، وأكثرهم صلاة، أهلها على السنة والجماعة ومنهاج الحق، لا يزالون متمسكين به لا يضرهم من خالفهم، يدفع الله عنهم ما يكرهون إلى يوم القيامة".

 وفي نفس الاتجاه أظهر علي الجزنائي تشيعا واضحا نحو الشرفاء الأدارسة، ورفع في هذا الصدد، إدريس الأول والثاني إلى مرتبة الأولياء، وأكد على غرار ابن أبي زرع، على سنية مذهبهم الديني، كما أكد على قدسيتهم، وفضائلهم على بلاد المغرب وإسلام أهلها قاطبة على أيديهم. وبالإضافة إلى هذا، نلاحظ أيضا عند مقارنة عدد من النصوص التاريخية، أن لهجة المصادر قد تغيرت كثيرا عبر تعاقب الحقب عند تأريخها للأدارسة في الفترة ما قبل المرينية وما بعد المرينية. فأبو عبيد البكري على سبيل المثال، يكتفي عند حديثه عن إدريس الأول بذكر اسمه مجردا من أي تقديس أو تفخيم (إدريس بن عبد الله)، في حين نجد صاحب الأنيس المطرب يصفه في كل مرة بالإمام إدريس بن عبد الله. وبعد ابن أبي زرع ارتفع إلى مرتبة ولي الله وابن رسول الله على لسان أبي الحسن علي الجزنائي صاحب جني زهرة الآس. وفي القرن الحادي عشر الهجري/17م، أضاف الحلبي عبارة أخرى فوصفه بالدر السني  تارة والدر النفيس تارة أخرى. وفي مرحلة متأخرة جدا، انتقل إدريس الأول إلى درجة القطب الأشهر مولانا إدريس الأكبر الحجازي المغربي الزرهوني، كما ورد على لسان صاحب سلوة الأنفاس. فكيف يمكن تفسير هذا التدرج والتضارب في لهجة المصادر.

لقد احتل الأدارسة والشرفاء بصفة عامة، منذ عهد بني مرين كما أسلفنا، مكانة هامة وسط المجتمع المغربي، وأصبحوا منذ ذلك الحين، يشكلون فئة اجتماعية على حدة تستمد مشروعيتها الدينية، والسياسية، والاجتماعية من نسبها الشريف وأحقيتها في تولي الإمامة وأخذ نصيبها من بيت مال المسلمين (ذوو القربى). وقد ازداد نفوذ هذه الفئة مع تصاعد المد الصوفي القائم أساسا على تقديس آل البيت والتبرك بهم. وفي هذا الإطار، كان من الطبيعي أن يحيط كل الذين ترجموا الأدارسة ابتداء من عهد بني مرين، وهم في أغلبهم من الشرفاء أو من العوام الفاسيين المتشيعين لهم، بهالات ودلالات خاصة، لأن استحضار الماضي في الحاضر مفيد ويمكن توظيفه لتحقيق مآرب شتى.

محدودية قيمة المصادر التقليدية العربية: المغرب نموذجا.

لقد انصب اهتمام حولياتنا التاريخية منذ مؤلف روض القرطاس (ق.8هـ/14م) إلى الاستقصا (ق.13هـ/19م)، على التأريخ للأسر التي تعاقبت على الحكم، والتتبع لسير الملوك ورصد أخبار غزواتهم، وحركاتهم، وتدوين مخلفاتهم، ومآثرهم، وقلما تحدثت عن أحوال الناس الاقتصادية، والاجتماعية، والسياسية، ولا سيما علاقة الدولة برعاياها. فقد ظلت هذه التآليف وفية لمنهج قدماء المسلمين، ومتأثرة إلى حد كبير بظروف نشأة الكتابة التاريخية عند العرب والمسلمين الأوائل الذين صنفوا كتبهم عند تأريخهم للدعوة الإسلامية، كما أسلفنا، إلى نوعين: نوع اهتم بحياة النبي ونشاطه في المرحلة المدينية وكان يعرف بكتب المغازين، والنوع الثاني أرخ لحياة الرسول في المرحلتين المكية والمدينية معا وكان يصنف ضمن كتب السير (جمع سيرة). ولما كان سلطان المغرب يعتبر خليفة للرسول وإماما للمسلمين، وتتجسد فيه استمرارية الخلافة الإسلامية، فقد ظل مؤرخونا التقليديون، على مر العصور، حريصين على الاقتداء بمنهج قدماء المصنفين الذين أرخوا للفترة النبوية، وساروا على منوالهم عند تأريخهم لسيرة، وأعمال أمراء وسلاطين مختلف الأسر التي تعاقبت على حكم المغرب منذ العهود الإسلامية الأولى، فجاءت كتاباتهم التاريخية شبيهة بما ورد في كتب المغازي والسير، واحتلت فيها أخبار الملوك والأسر، حصة الأسد، ولم يلتفت إلى تاريخ الناس ومشاكلهم إلا في سياق الحديث عن الانتفاضات القبلية، وفورة الحرفيين، ووصف الأوبئة والكوارث الطبيعية التي كانت تجتاح البلاد بين الفينة والأخرى. وعند تجميع الأخبار والمعلومات التاريخية الواردة في هذه المصادر حول حدث ما، أو فترة معينة، وفحص محتوياتها، نجد تشابها كبيرا فيها بينها، إن لم نقل تطابقا تاما بين نصوصها. فإذا قارنا مثلا بين ما ورد من أخبار حول حركات السلطان مولاي إسماعيل إلى الأطلس المتوسط، أو حول معركة ضيان، أو حول انتفاضة العبيد، وغيرها، في الاستقصا، أو الروضة السليمانية، أو في الجيش العرمرم، أو في الحلل البهية أو غيرها من المصادر، نقف على نفس الروايات التاريخية تقريبا.

 وفي كثير من الأحيان، نجد أن المؤرخ اللاحق ينقل حرفيا ما أورده السابق أو يحيل عليه كلية، ويكتفي في هذا السياق بالقول، قال صاحب البستان، أو قال صاحب الجيش، أو قال صاحب الاستقصا…إلخ. فالباحث الذي يريد التحقق من صحة الأحداث ومقابلة مختلف الشهادات فيما بينها، عسى أن ينفذ إلى حقائق الأمور ويقتنع بها، يصطدم بتشابه الروايات التاريخية وتكرار نصوصها في جل الحوليات، ويحصد بالتالي حصيلة هزيلة من المعلومات التاريخية كان يكفيه الاطلاع على مصدر واحد منها ليفي بغرضه، ويوفر على نفسه عناء جمع نصوص كثيرة متشابهة وتردد نفس الكلام.

أما كتب التراجم، والمناقب، والأنساب، فقد انصرف اهتمام مؤلفيها بدورهم، إلى الترجمة لأعلام السياسة، والدين، والآداب، من سلاطين، وأمراء، وشرفاء، وصلحاء، وفقهاء، وعلماء، قضاة، أي أنها اقتصرت على التأريخ لفئة قليلة من الناس كانت تشكل خاصة المجتمع، وتتميز عن العامة فيه من حيث نسبها، وشرفها، ووضعيتها الاجتماعية والسياسية. فصاحب سلوة الأنفاس مثلا الذي تأسف لكون مغاربة عصره قد أهملوا علم التاريخ، قد خصص ثلاثة أجزاء لتاريخ مدينة فاس اقتصر فيها على الترجمة لمشاهير رجالها من صلحاء، وشرفاء، وفقهاء، وعلماء، وعرف بمناقبهم، وأنسابهم وأعملهم، وأشار إلى أماكن وجود أضرحتهم وتوزيعها داخل أسوار المدينة وخارجها، وعزف في هذا الصدد، عن التأريخ لعامة الناس، والحديث عن أدوارهم الاقتصادية، والاجتماعية، والسياسية التي كانوا يضطلعون بها في المجتمع. وعبد الرحمان ابن ويدان الذي أفرد خمسة أجزاء لتاريخ مكناس، سار على نفس النهج، واختار لكتابه عنوانا، يمل دلالة خاصة "إتحاف أعلام الناس". وصاحب الإعلام بمن حل مراكش وأغمات من الأعلام، ترجم لأعلام كثيرة من رجال السياسة والدين والآداب، وأحجم عن ذكر سواهم من عامة الناس. وعند الرجوع إلى المصادر الأخرى، نلاحظ، على غرار كتب الحوليات، تشابها كبيرا فيما بينها. ونجد أيضا أن المؤلفين اللاحقين ينقلون حرفيا ما ورد في كتب السابقين، ويكررون نفس الروايات والأساطير. فالمؤرخ الذي يسعى إلى الاقتراب والتعرف على تطور بنى البلاد الاقتصادية، والاجتماعية، والسياسية، يصاب بخيبة كبيرة إذ لا يعثر في هذه المصادر سوى على إشارات طبيعية، ومعطيات هزيلة لا تسعف في وضع اليد على واقع الناس، والكشف عن همومهم، وتتبع سيرورتهم التاريخية. وإلى جانب ذلك لم تتسم الأخبار والمعلومات الواردة في حولياتنا التاريخية، وكتب التراجم، والمناقب، والأنساب، بالموضوعية، والنزاهة، لأن جل المصنفين ومؤرخي الأسر والدول عندنا، كانوا من رجال المخزن وموظفيه، ومن أهل المدن، ونظرتهم إلى أحداث القبائل وتفاعلات المجتمع، كانت متأثرة إلى حد كبير بما كان قائما بين البادية والمدينة من تعارض على عدة مستويات، ومنطلقة من مركزهم الاجتماعي، وموقعهم السياسي، ومكانتهم في دوائر الدولة.

وعند فحص روايات كتب التراجم، والمناقب، والأنساب بصفة خاصة، نجد أن أصحابها قد بالغوا كثيرا في الإشادة بمناقب وكرامات الأعلام التي ترجموا لها. وأضفوا عليها دلالات خاصة. كما تعمدوا النفح في الأدوار الدينية، والثقافية، والسياسية التي كانوا يضطلعون بها وسط المجتمع الذي عاشوا فيه. ويستشف أيضا من أوصاف وأمداح أولئك المؤرخين، وتركيزهم على الترجمة لنخبة معينة وإهمالهم لسواها من أعلام البادية والمدينة على السواء، أن أعمالهم كانت تستهدف بعث أمجاد، وأدوار، ومناقب أسر معينة، كان لأحفادها امتداد في الحاضر، ويتمتعون بوضعية اجتماعية وسياسية متميزة في البلاد، كانوا يحرصون على المحافظة عليها، والمدافعة عنها عن طريق استحضار الماضي في الحاضر لتبرير مركزهم الاجتماعي، والسياسي وسط مجتمع منقسم إلى خاصة وعامة، وتلعب فيه الوراثة دورا أساسيا في تصنيف فئاته، وتوزيع الخيرات المادية فيما بينها.