ص1       الفهرس  81-90

سؤال الترجمة:

من نقطة التحويل إلى دائرة المثاقفة

عبد الرحمن  التمارة 

-توطئة:

إن كل تفكير في الترجمة هو تفكير إشكالي؛ لأن الترجمة فعل معرفي وفكري وثقافي ولساني مركب ومعقد. فضلا عن كونه فعلا مبنيا على استراتيجية محكمة، تتحكم فيها إواليات ومعايير، تساهم جميعها في تفعيل الترجمة وانتظام سيرورتها من لغة لأخرى. لهذا، فالتفكير في الترجمة هو تفكير في نسق معرفي وفكري تحكمت فيه أهداف تشييدية، تمتد لما هو مجتمعي وتقني وحضاري وإيديولوجي وإبداعي، على اعتبار أن "أي تعريف لمفهوم (الترجمة) لابد وأن يتسع ليشمل جدلياته الحية وآفاقه المتعددة، كفعل إبداعي، ونشاط لغوي، وضرورة حضارية، وموقف إيديولوجي"([1]).

يبدو جليا أن الترجمة ليست نشاطا معرفيا ثانويا يرتكز على معيار لساني، حيث يغدو فعل الترجمة مجرد استجابة لهذا المعيار، وذلك عبر تحويل وتعديل ملائم للنسق اللغوي لنص الانطلاق (أي النص الأصلي)، كي يصبح ملائما للنسق اللساني والتركيبي لنص الوصول (أي النص المترجم)، بل الترجمة فعل معرفي أساس في التجربة الفكرية والثقافية للأمم؛ لأنها تدفع إلى التفكير في عدة ثنائيات وأبعاد:

       -ثنائية اللغة والفكر حيث ينبثق البعد التقني، وذلك نظرا لما تتطلبه مهارة تحويل نص من لغة إلى لغة مع الحفاظ على أسسه البنائية ومحمولاته الفكرية.

  - ثنائية اللغة والثقافة حيث يطفو البعد الإبداعي أولا، لأن النص المترجم جاء في سياق التعبير الفني عن ذات ممتلكة لخصائصها الثقافية المميزة، كما يعلو-بالموازاة- البعد الإيديولوجي ثانيا، على اعتبار أن النص المترجم يجسد رؤية خاصة تجاه العالم؛ نظرا لكونه نصا يحمل موقفا إيديولوجيا، ويعبر عن ثقافة معينة.

  - ثنائية لغة الذات ولغة الآخر وهنا يبرز البعد التواصلي، حيث تغدو الترجمة قناة تواصلية تقلص المسافة بين الشعوب من خلال الاطلاع على منجزاتها وخبراتها؛ ولعل الثورة في مجال الاتصال، ووسائط الاتصال الجماهيري تدعم هذا البعد.

من خلال كل ما سبق، تواجهنا مجموعة من الأسئلة: ما هي الترجمة عامة والترجمة الأدبية خاصة؟ وإذا كانت الترجمة لا تتم بشكل عشوائي فما هي الإواليات المتحكمة فيها؟ وهل يمكن اعتبار الترجمة ظاهرة كونية وفعلا معرفيا موغلا في القدم، بحكم الحاجة الدائمة للآخر؟ وهل تعد الترجمة بوابة للتفاعل الثقافي مع الآخر، مما يفسح المجال للتساؤل عن علاقة الترجمة بالمثاقفة؟ وهل كل ترجمة بريئة ونابعة من منطلقات وأهداف ثقافية، أم أن الأمر لا يخلو من إيديولوجيا، مما يولد التفكير في أصناف الترجمة؟ وهل فعل الترجمة ميسر لكل من يتقن اللغتين المترجم منها وإليها، أم أنه فعل يقتضي الإحاطة بعدة سياقات، مما يجعل الترجمة لا تخلو من صعوبات وإشكالات؟

1-بين الترجمة والترجمة الأدبية:

إن المنطلقات الإبستيمولوجية المتحكمة في تعريف الترجمة جعلت التعاريف تتباين وتتنوع، بحكم اختلاف المنطلقات وتعددها. وهو اختلاف نابع من النظر إلى الغاية من الترجمة، وليس من فعل الترجمة ذاته باعتباره اشتغالا على اللغة. هكذا تصير الترجمة نقلا لنص من ثقافة إلى ثقافة أخرى عبر الاشتغال على تحويل لغته، وبعبارة أخرى الترجمة هي انتقال "نص" من سياق إلى سياق آخر مختلف عنه، أي من "لغة الانطلاق" إلى"لغة الوصول". وتاليا فالترجمة- من هذا المنطلق- هي([2]) :

- "أن يستبدل بمحتويات نص في لغة ما يقابلها من محتويات نص في لغة أخرى".

-"الترجمة تركز على"عمل تحويل" نص/رسالة من لغة الانطلاق (اللغة المنبع) إلى لغة الوصو ل(اللغة المستهدفة)".

من هنا، أمكننا القول إن"الترجمة الأدبية"(*)-سواء أكانت ترجمة إبداعية أم نقدية-هي نقل نص أدبي من سياق ثقافي إلى سياق آخر يختلف عنه، وذلك عبر تحويل لغته الأصلية إلى "لغة الوصول". وهذا من شأنه أن يجعل من "الترجمة الأدبية" "ظاهرة مهمة من الظواهر المميزة للحركة الثقافية والإسهام في تنميتها" ([3]). مما يعني أن "الترجمة الأدبية "تتجاوز أفقها الفني الجمالي والفكري الدلالي نحو الآفاق الثقافية الكبرى، لتغدو عنصرا مساهما في التنمية الفكرية، وأداة مغذية لتطور الفن والإبداع  والنقد في السيرورة التنموية.

تساهم "الترجمة الأدبية" إذًا في نقض تصور"استحالة الترجمة" ونسف مبدأ العزلة الثقافية؛ لأن المترجم يتجاوز نقل اللغة إلى نقل الثقافة، حيث إن "ترجمة نص ما معناه الانتقال به من كون ثقافي إلى كون آخر، وليس فقط من لغة إلى أخرى"([4]). فتكرس"الترجمة الأدبية"، بذلك، البعد الحواري بين الثقافات، وتصبح فعلا معرفيا يتجاوز الانشغال الضيق باللغة. لهذا فترجمة النص الأدبي عملية تساهم في مد الجسور بين الثقافات، لتغدو الترجمة رديفة للتواصل الأدبي، تتحرر فيه من الطابع السكوني، وتتحول إلى حوار "تجريه الشعوب عبر الكلمة الفاعلة والتي من وسائلها الأساسية... الشعر والأدب والمسرح([5]).

إن "الترجمة الأدبية"، بهذا المعنى، تنطوي على عدة أبعاد من أهمها:

-البعد التواصلي: أي أنها تصير أداة لخلق تواصل بين مبدع وأديب، وبين قراء خارج السياق الأدبي والثقافي الذي تبلور فيه النص المترجم.

-بعد التطور الجمالي: ونقصد به إمكانة ارتقاء النص الأدبي المترجم إلى خلق صدى حسن في الأساس الثقافي والأدبي المترجم له؛ مما يعني أنه نص أدبي يخلق إحساسا بضرورة تطوير جنس/نص أدبي ما، وذلك بناء على ما قدمه من "فتوحات" فنية جمالية لم تكن مألوفة في آداب الثقافة المترجم لها.

-بعد التنويع المفاهيمي: وذلك من خلال إغناء "لغة الوصول" بمفاهيم ومصطلحات، خاصة إذا كانت بعض المصطلحات لا معادل لها في"لغة الوصول"،  أولها طبيعتها الخاصة في"لغة الانطلاق"؛ وهذا ما يطرح إشكالية في تداول المصطلحات.

تبين هذه الأبعاد أن"الترجمة الأدبية" محكومة ببرهانات متنوعة، كما أنها نشاط معرفي لا يخلو من صعوبات، فما هي بعض العراقيل التي تواجه مترجم النصوص الأدبية؟

تجدر الإشارة بداية إلى أن المترجم يجمع بين وظيفتين معرفيتين ومنهجيتين: الأولى هي القراءة، والثانية هي الكتابة. من هنا، فالمرور من القراءة نحو الكتابة لا يخلو من إشكالات. فما هي بعض هذه الإشكالات؟

ربما يكون من الأفيد التذكير بالعبارة المتداولة بين المنشغلين بالترجمة عموما والترجمة الأدبية خصوصا: "الترجمة خيانة". فهذه العبارة الموجزة توحي بأن الترجمة الأدبية –والترجمة عامة- تتجاوز النظرة التبسيطية التي تحيلها مجرد قناة لغوية لنقل النصوص الأدبية من لغة إلى لغة أخرى، لتصبح فعلا منتجا وعملية إبداعية؛ لأن المترجم يضطر لإجراء تحويلات في سمات النص ومكوناته، أثناء صياغته من جديد في وضعية ثقافية ولسانية مختلفة في مميزاتها الزمنية والثقافية للنص المترجم.

ولضرورة منهجية يمكن تصنيف قضايا "الترجمة الأدبية" -إجرائيا- إلى قضايا أفقية، وأخرى عمودية:

*- الأفقية: يمكن نعتها بالقضايا الإبستيمولوجية ومنها:

قضايا لغوية: ممثلة في معرفة الفروق النوعية بين أنواع اللغات الموظفة في النصوص الأدبية: شعرية، تقريرية، واصفة...، فضلا عن معرفة دقيقة بكل المستويات اللغوية المشكلة للنص الأدبي: المعجم، التركيب، الصوت، الصرفإلخ. ومن ثم فكل جهل بهذه المكونات اللغوية من شأنه أن ينتج "نصا أدبيا" مختلا في مبناه ومعناه.

قضايا تصنيفية: حيث بإمكان الجهل بالإطار النوعي للنص المترجم أن يفضي إلى ترجمة سيئة، أو أن المترجم قد يترجم نصا أدبيا على أساس أنه ينتمي أجناسيا إلى صنف أدبي ما، في حين هو ينتمي عمليا إلى صنف آخر.

قضايا تعبيرية: ويتعلق الأمر في هذا السياق بالتعبير عن مضامين العمل الأدبي بطريقة غامضة، وذلك ما يجعل النص الأدبي المترجم يفقد خصائصه الجمالية وأبعاده الفكرية.

قضايا بنائية: ونقصد بها الصعوبات التي يواجهها المترجم وهو يرغب في ترجمة نص أدبي، إذ إنه قد تواجهه إشكالية المعرفة الدقيقة للتقاليد البنائية والعناصر المؤسسة للجنس الأدبي الذي ينتمي إليه النص؛ فمثلا من أراد أن يترجم رواية فقد تواجهه مشكلات الضعف المعرفي ببعض العناصر المؤسسة لجنس الرواية مثل: طرق استخدام اللغة، بناء الأحداث وطبيعتها، مفهوم الشخصية، المكان والزمن، الرؤية السردية، الحبكة إلخ.

*- العمودية: ويمكن وصفها بالقضايا السياقية.

ويتعلق الأمر بضعف الإلمام بمختلف  السياقات المصاحبة للنص الأدبي المترجم. فالمترجم الذي يجهل السياق الثقافي للنص الأدبي المترجم قد يواجه صعوبات الترجمة؛ أو بالأحرى قد يسيء إلى النص المترجم. ناهيك عن قضايا مقترنة بالسياق الأدبي الذي نشأ فيه هذا النص؛ لأن غياب معرفة دقيقة بتقاليد النوع الأدبي في ثقافته المنتجة، من شأنه أن يخلق صعوبات ترجمته بناء على التقاليد الأدبية في الثقافة المستقبلة. وهذا ما يؤدي إلى إنتاج نص مترجم أصبحت "تقاليده"/ أسسه البنائية محكومة بمبدإ المفارقة مع النص الأدبي الأصلي، وليس على مبدإ المطابقة؛ لأن الجهل بالسياق "البنائي" للنص الأدبي في الثقافة الأصلية هو المسؤول عن ذلك، رغم أن "النص الأدبي" عموما يحاول التحرر من شرنقة "الذاتية" و"المحلية".

ويشكل الجهل بالسياق الاجتماعي والثقافي العام المحيط بالنص الأدبي المترجم، إحدى القضايا التي تواجه "الترجمة الأدبية"، خاصة وأن "الترجمة، كأي فعل ثقافي، تستدعي الإنسان كله، تستدعي الفعاليات الثقافية كلها"([6]). وفعل الاستدعاء في هذا السياق فرضه تحقيق مجموعة من الأهداف والغايات. من هنا نتساءل عن بعض الرهانات التي تتوخى "الترجمة الأدبية" تحقيقها؟

بالرغم من الصعوبات التي تواجه فعل الترجمة، فإن هذا الأخير استطاع أن يكتسي هوية معرفية عميقة في سيرورة الفعل الثقافي عموما؛ خاصة وأن "جان روني لادميرال" يذهب إلى أن الترجمة هي أقدم مهنة في التاريخ([7]). فخلف هذا التصور يكمن الإقرار برهانات متنوعة تهدف تحقيقها هذه "المهنة" الموغلة في القدم. وبحكم توجيه كفة الحديث صوب تخصيص الحديث عن "الترجمة الأدبية"، أمكننا الحديث بشكل خاص عن رهانات هذه الترجمة فقط.

إن الاقتراب من مسار"الترجمة الأدبية" هو اقتراب من حركة تنحو صوب العمق والكثافة -وإن كانت حركة الترجمة الأدبية في العالم العربي لا تسير في هذا الخط-، مما جعلها تلعب دورا هاما في تطوير الأدب بمختلف مكوناته وأجناسه (نقد، رواية، قصة، شعر، مسرح)، حيث تحولت الترجمة إلى "محرض ثقافي وجسر وصل وعامل تجديد للأدب ولتطوير أجناس أدبية جديدة"([8]).

إذًا، تنخرط الترجمة في تحقيق رهانات متعددة، ويمكن الاقتراب منها -بناء على المقولة السابقة- كما يلي:

-خلق لقاءات الاتفاق والتوافق حول قضايا وأفكار مختلفة ومتنوعة في مرجعيتين ثقافيتين، باعتبارها "محرضا ثقافيا" يرتفع إلى روح الإنصات المتبادل بين ثقافتين.

-تنمية جسور التواصل بين بيئتين ثقافيتين مختلفتين: الأولى هي ثقافة الانطلاق التي تبلور فيها "النص الأدبي المترجم"، والثانية مرتبطة بالثقافة التي وصل إليها النص المترجم.

-تفعيل الخطاب الأدبي ودفعه صوب التجدد والتطور-خاصة آداب الثقافة المترجم لها، مما يساهم في إثراء النصوص الأدبية (نقد، شعر، رواية) من حيث مكوناتها الجمالية الفنية خاصة.

إن هذه الرهانات تقترن بكل ممارسة ترجمية عامة وأدبية خاصة، لكن يبقى الرهان الفني أهم عنصر ينبغي تحقيقه أثناء الترجمة الأدبية؛ لأنه يتوجب عليها "على عكس أصناف الترجمة الأخرى وباستثناء الترجمة المرتبطة بالإشهار أحيانا، أولا وقبل كل شيء إبلاغ إبداع أصيل تتحكم فيه مقاييس جمالية وليس فقط مقاييس وظيفية أو لسانية خالصة"([9]).

يكرس هذا التصور الرهان الإبداعي الذي تتطلبه "الترجمة الإبداعية"، عامة والأدبية خاصة، كما يفتح المجال "للترجمة الأدبية"، كي تنخرط في تحقيق رهان التفاعل الثقافي بين بيئات ثقافية مختلفة؛ ويبدو التفاعل هنا محكوما بجدلية التكامل والتواصل المتوازي بين النصوص الأدبية، مادامت "النصوص تتكامل فيما بينها وتفسر بعضها البعض، حتى عندما يتعلق الأمر بالانتقال من لسان إلى آخر"([10]). مما يعني أن "الترجمة الأدبية" لا تنتج المفارقة والاختلاق بين نصوص "الانطلاق" والنصوص الموجودة في لغة "الوصول"، وإنما تدعم المطابقة والتوافق.

لهذا تبدو الكثير من النصوص الأدبية المترجمة -نقدا وإبداعا- نماذج تطابق الكثير من مواصفات الواقع المترجم له، هكذا فـ "بخيل"موليير، و"دون كيشوت" سرفانتس، و"هاملت "شكسبير، أنماط إبداعية استطاعت الترجمة "أن تخلقها وتكرسها إلى أن أصبحت نماذج بشرية عامة يعرفها الناس في كل مكان"([11]). كما أن كتابات "ياوس" و"إيزر"و"بارت" و"دريدا" و"كريستيفا" و"غولدمان" و"لوكاتش" و"فرويد"... تمكنت الترجمة من جعل الكثير من نصوص الثقافة المترجم لها، قادرة على الاستجابة للآفاق المنهجية التي اقترحها النقاد الغربيون، بل تجاوز الأمر ذلك إلى اعتناق مبادئها النظرية وأجهزتها المفاهيمية بشكل وثوقي أو"عقدي" من قبل عدة متفاعلين مع نصوص هؤلاء.

2-إواليات الترجمة:

تعكس رهانات الترجمة وجود أسباب تدفع للقيام بهذا الفعل، حيث تنجلي إواليات أساسية تخلص الترجمة من العشوائية، وتضعها في سياق استراتيجية ثقافية دقيقة. ونظرا لتنوع الإواليات وتعددها سنركز على ما يلي([12]):

- الإواليات الذاتية: وتتضح من خلال رغبة "الذات" في معرفة "الآخر" وتعميق علاقته به، مع إشراك الفرقاء الثقافيين في هذه الرغبة والفضول المعرفيين. وقد تحكمت هذه الإوالية في مترجمين جامعيين وباحثين أكاديميين. وتعد هذه الإوالية قناة أساسية لتعميق الانفتاح على فكر "الآخر"، مما يعكس رحابة فكر "الأنا" المشدودة إلى التخلص من التقوقع لكن دونما السقوط في التغريب.

- الإواليات الثقافية: إن الترجمة هنا تتجاوز ما هو ذاتي شخصي إلى ما هو مجتمعي، فترتقي إلى مستوى الإجابة عن الأسئلة المطروحة على المشهد الثقافي والحضاري والمعرفي لمجتمع ما، حيث الحاجة إلى "ثقافة" الآخر؛ خاصة إذا كانت ثقافة "الأنا" تعاني من مأزق تاريخي، مما يطرح اعتماد فعل الترجمة للمواكبة الثقافية قصد التحديث والتغيير. وهذه الإواليات الثقافية/الحضارية تبدو أهميتها كبيرة، لكنها مشروطة بالتكتل الجماعي في"بيت حكمة" كي تصبح مشروعا بناء، لهذا "فالترجمة لكي تحقق فعاليتها ينبغي أن تتحول إلى مشروع مجتمعي يدخل ضمن الأولويات الاستراتيجية لحاجاته. وبالتالي ينبغي أن  تنتظم الترجمة في مؤسسات علمية مختصة تبحث في إواليات الترجمة وأهدافها وملاءمتها لحاجيات المجتمع، وألا تظل مجرد مجهودات فردية منعزلة لا تربط بينها أية رؤية حضارية نسقية"([13]).

 

3- أصناف الترجمة:

من زاوية تصنيفية كبرى، وفي علاقة بالمرجعية "الأدبية، يمكن التمييز بين "الترجمة الأدبية" و"الترجمة التقنية" (غير الأدبية)([14])، ولأن اهتمامنا بفعل الترجمة منصب على "الترجمة الأدبية، بشقيها: الإبداعي والنقدي، أمكننا الحديث عن عدة أصناف من"الترجمة الأدبية بالنظر إليها من زوايا مختلفة:

*- من زاوية نصية:

مادام حديثنا منصبا على"الترجمة الأدبية (إبداع-نقد) المباشرة المرتبطة بنقل المؤلفات لا الأفكار([15])، فإن النصوص المترجمة تؤسس لاختلاف نوعي في الترجمة:

*- الترجمة الحرفية: وتعتبر أضعف الترجمات؛ لأنها تتحول من فعل ثقافي إلى نشاط تقني و"نسخ" لغوي يعتمد المنطلق القاموسي "للغة الوصول" فيتم إنتاج النص المترجم.

*- الترجمة الدلالية: وهي الترجمة الشائعة، على اعتبار أن النسق اللساني والتركيبي للغة الوصول قد يختلف عن لغة الانطلاق –مثلا اللغة العربية والفرنسية-، لذلك وجب التفكير في هذا النوع من الترجمة؛ "لأن بعض السمات اللسانية والتركيبية للنص الأصلي تكون عرضة للتحول والتعديل لتلائم النسق اللغوي للمتلقي الجديد في نص الوصول"([16]).

لهذا، تستطيع "الترجمة الأدبية" أن تتمرد على النسق الدلالي والأسلوبي؛ خاصة وأن النص الأدبي (نقدي أو إبداعي) ينظر إليه في شموليته، ولهذا يقول (جان ديبوا وآخرون) في معجمهم المختص: "ترجم، يعني عرض بلغة أخرى (لغة مستهدفة) ما تم عرضه في اللغة "المنطلق"، مع الحفاظ على المقابلات الدلالية والأسلوبية"([17]).

*- من زاوية غائية:

تتجاوز الترجمة الأدبية،  في هذا السياق، مستوى التفاعل بين النص والمترجم، إلى مستوى مساءلة الأفق الغائي للترجمة. وبعبارة تساؤلية موجزة: ما الهدف من وراء الترجمة؟ إن الاعتبارات المتحكمة في الترجمة تجعل الأهداف مختلفة –كما سبقت الإشارة إلى ذلك- وفعل الترجمة موزعا كما يلي([18]):

 

- الترجمة الجمالية:

على مستوى الوعي الإستيطيقي تقدم "الترجمة الأدبية" نفسها كمشروع فني جمالي؛ لأن الغاية من الترجمة هي إغناء النماذج الأدبية في "لغة الوصول" بوعي جمالي أفرزته النصوص المترجمة في بيئتها الثقافية الأصلية. ولعل الوعي الجمالي هو ما عجل بترجمة الكثير من النصوص الأدبية (الإبداعية خاصة) إلى اللغة العربية؛ خاصة أقوى النماذج وأكثرها تعبيرا عن رؤية جمالية حديثة. ويمكن الاستشهاد على هذا النوع بترجمات النماذج الأدبية التالية : "شارع السردين المعلب"  لشتا ينبك، "زوربا" لكازانتزاكي، "المسخ" لكافكا، "دون كيشوت" لسرفانتس،"الوليمة المتنقلة" لهمنغواي،"الأبله" لدوستويفسكي،"الحرب والسلم" لتولستوي،"البخيل" لموليير،"هاملت" لشكسبير الخ.

- الترجمة المعرفية:

يكتسي هذا النوع بعدا حواريا مع ثقافة الآخر، ويقدم نفسه- كمشروع إبستيمولوجي ومنهجي، عبره يتم خلق قناة حوارية مع النماذج المعرفية الأخرى والاستفادة من معطياتها الفكرية والمفاهيمية والمنهجية. ولهذا، كثيرا ما تتحكم في هذه الترجمة المقاربة التبسيطية؛ لأنها تتجه نحو أفق معرفي محدد غايته ترجمة مؤلفات تعريفية بمذاهب أدبية ومدارس نقدية.

ويمكن هنا إدراج كل ما يتعلق بأمهات الكتب في التنظير والنقد الأدبي، مثل الترجمات التي تصدت لأعمال : باختين، ياوس، ريكور، غريماس، سوسير، رولان بارت، إيزر، كريستيقا، جينيت، إيكو، سولرس، دريدا، روزنتال، كوهن، رينيه ويلك، أوستين  وارين، باشلار إلخ.

- الترجمة الإيديولوجية:

تنم هذه الترجمة عن ضعف الإنتاج المحلي "للإيديولوجيا الذاتية"، لهذا تغذي الترجمة إلى اللغة العربية "الإيديولوجيا التي يراد لها أن تنهض بديلا عن الإيديولوجيا التي عجزت الأنتلجانتسيا عن إنتاجها أو حتى عن تعريبها"([19]). فالأنتلجانتسيا العربية- الفئة المثقفة- تبدو عاجزة عن إنتاج وعي مجتمعي قادر على مساءلة الوضع القائم، لذلك تبنت رؤية هروبية، فاستندت إلى الترجمة الإيديولوجية باعتبارها بديلا لوظيفتها التنويرية" والإنتاجية؛ ولعل هذا ما جعل كفة الترجمة تبدو راجحة لصالح تيار أدبي أو منهج نقدي في المسار الثقافي للأمة العربية. هكذا، في مرحلة الخمسينات مثلا، "غزت المؤلفات الوجودية المترجمة الحقل الفكري العربي وتحكمت به بقوة حتى باتت تصوغ له إشكالياته وتعين له لغة تعبيره"([20]). ويمكن أن نستشهد في هذا الصدد بترجمة كتاب "ما الأدب"؟ لسارتر باعتباره أحد أعلام الوجودية.

كما أن الإيديولوجية الماركسية وجدت طريقها إلى العربية عن طريق ترجمة مؤلفات أدبية (إبداعية ونقدية) تعلن انتماءها بشكل مباشر لهذه الإيديولوجية، أو تتخذها أرضية إبستمولوجية لتشييد أسسها النظرية ومنطلقاتها المنهجية؛ ويمكن الإحالة هنا على إنتاجات: ماركس، لينين،  تروتسكي، بليخانوف، لوكاتش، غرامشي، غارودي، غوركي (رواية الأم مثلا) إلخ. ويبدو المسوغ لهذا النوع هو "أن الترجمة تتضمن، بالفعل، الآثار الدالة على موقف الذات المترجمة من غيرية النص المترجم"([21]).

4-الترجمة والمثاقفة:

لا شك أن التعبير: "العالم قرية صغيرة"، أصبح من الأدبيات التي أنتجتها عولمة الإعلام، وبهذا التعبير نتمكن من ملامسة مستويات الاندماج والانفتاح التي أصبحت تسم كل المجتمعات، بما فيها الانفتاح الثقافي. ولأن الثقافة" بمعناها الإثنوغرافي الواسع هي ذلك الكل المركب الذي يشمل المعرفة، والعقائد، والفن، والأخلاق، والقانون، والعرف وكل القدرات والعادات الأخرى التي يكتسبها الإنسان من حيث هو عضو في مجتمع"([22])، فإن الكثير من مكونات هذه "الثقافة" يتعذر انخراطه في نسق تفاعلي بين ثقافتين مختلفتين، بحكم اختلاف "لغة الانطلاق" التي ينتج من خلالها "الفن" و"العادات"؛ مما يتطلب "وسيطا" يساهم في خلق جسور التفاعل والتقارب بين الثقافات، بناء على حتمية المثاقفة.

ولعل خير و"سيط" لتدعيم آلية التقارب الثقافي هو المترجم، فتغدو الترجمة أداة فعالة لتجسير الهوة بين الثقافات، وعنصرا معرفيا هاما يساهم في تنمية الفكر والمعرفة. إن هذا من شأنه أن يفجر الأسئلة التالية: ما علاقة الترجمة بالمثاقفة؟ وما هي الصورة التي تبدو بها المثاقفة من خلال فعل الترجمة؟ وما الإشكالات التي تطرحها الترجمة في ظل المثاقفة، خاصة ما تعلق بسؤال الهوية والاختلاف الثقافي؟...

يتطلب الحديث عن الترجمة في عصر العولمة -عصر المثاقفة بامتياز- التخلص من"وهم الأصل" والإيمان بأن الترجمة "مجال لتحقيق الهوية المنفتحة على الآخر، ولكن من منطلق الخصوصية الغنية القائمة على التثاقف المتوازن"([23]). ناهيك عن معالجة علاقة الترجمة بالمثاقفة من زاوية معرفية متوازنة وهادفة تميل إلى "تلمس رهانات السلطة وموازين القوى بين اللغات والثقافة، وإلى الوقوف على موجهات ثقافية عامة تتحكم في رسم العلاقة بين كل من الترجمة والثقافة([24]).

من شأن التفكير في هذه الاعتبارات أن يفضي إلى استنتاجات متعددة بشأن علاقة الترجمة بالمثاقفة:

- إن الترجمة ترتبط بالمثاقفة من زاوية تواصلية؛ حيث تتخذ الترجمة شكل أداة للتواصل الثقافي، سواء بين ثقافتين متزامنتين أم غير متزامنتين.

- ترتبط المثقافة بالترجمة من زاوية معرفية؛ فتغدو الترجمة فعلا معرفيا يساهم في إغناء الثقافات بناء على جدلية الأخذ والعطاء.

- ترتبط الترجمة بالمثاقفة من زاوية إيديولوجية؛ لأن الترجمة تتحول إلى فعل يدعم "الغزو الثقافي"، حيث يبدو واضحا الخضوع لحتمية الثقافة المدعمة بسلطة القوة الاقتصادية والعسكرية والتكنولوجية.

- ترتبط المثاقفة بالترجمة من زاوية رمزية، خاصة ما تعلق بإشكالية "الهوية"، حيث ترقى الترجمة إلى تدعيم التفاعل الثقافي عبر التعريف بالخصوصيات المميزة لثقافة ما، بل جعلها -أي الترجمة- أداة قادرة على استيعاب نصوص ثقافية في نسيجها الثقافي الرمزي وتحويلها إلى فعل ثقافي خاص بها.

من هنا، تبدو العلاقة بين المثاقفة والترجمة متجهة صوب تشييد رؤية معرفية غايتها تقويض كل تصور سلبي يجعل المثاقفة فعلا ينبني على الإلغاء والتفاضل. هكذا تبرز العلاقة بينها من منطلق "أن الترجمة وسيلة لوعي الفارق بين التثاقف والإلغاء الثقافي، في حين يعني التثاقف الإنصات المتبادل بين الثقافات والاعتراف باختلافها"([25]). لهذا فكل ترجمة، مثلا، لنص أدبي،  هي تدعيم "للمثاقفة الأدبية"، على اعتبار أن "النص المترجم" قادر على تحقيق الاعتراف الثقافي –عكس الإلغاء الثقافي- بالآخر، وبواقعه، ونمط تفكيره، وبيئته...، ما دامت الغاية من "المثاقفة الأدبية" هي"فهم الإنسان وفهم علاقته بالكون الذي يعيش فيه، وما تتضمنه هذه العلاقة الكبيرة من علاقات كثيرة أخرى، أهمها علاقته ببيئته الطبيعية والاجتماعية... لأن الأدب مدخل إلى فهم الإنسان في مجالات حياته كلها"([26]). وبالتالي "فالمثاقفة الأدبية" -عبر آلية الترجمة-   تكرس التفاعل القيمي الإنساني، وتضيق هوة الاختلافات بين الشعوب.

لهذا، فمتأمل تاريخ الترجمة بإمكانه أن يقف على المظاهر المتنوعة للتفاعل الثقافي بين المجتمعات الإنسانية بناء على فعل الترجمة. فمثلا يعد تأسيس "بيت الحكمة"832م من لدن "المأمون" إعلانا عن مشروع فكري وحضاري خلق جسورا قوية للتواصل والتفاعل الثقافي عبر الترجمة؛ حيث تم الانفتاح على الثقافة اليونانية والفارسية والسريانية إلخ. وتنوع الانشغال بثقافة الآخرين والاقتباس منها؛ سواء كانت ثقافة متعلقة بالعلوم المعرفية والحقة (فلك، رياضيات، طب، فزياء..)، أو بالعلوم الإنسانية (آداب، دين، فلسفة، تاريخ، فن..). مما يؤكد أن علاقة الترجمة بالمثاقفة هي علاقة جدلية، خاصة حينما يتعلق الأمر "بنصوص" يتعذر مرورها من ثقافة إلى أخرى؛ لأنها تتطلب "تحويلا" لغويا من "الثقافة المنتجة" إلى "الثقافة المستقبلة". 

تبقى الترجمة، إذاً، قناة هامة لتنشيط التواصل الثقافي/المثاقفة بين الشعوب والأمم؛ لأنه من خلالها يتعرف الناس في هذا البلد إلى عادات الناس في ذلك البلد، إلى أعرافهم، وتقاليدهم، وأفكارهم، وآدابهم، وسلوكهم، وتاريخهم، بل حتى تضاريسهم، وجغرافيتهم ([27]). من هنا تبدو أهمية الترجمة قوية في التعريف بالآخر، مثل "الترجمة الأدبية"، التي تمكن من معرفة الكثير عن مجتمع "نص الانطلاق". فترجمة أعمال دوستويفسكي قد تعرف بالشعب الروسي، وترجمة أعمال ديكنز تعرف بالانجليز، وترجمة أعمال نجيب محفوظ من شأنها أن تقدم صورة عن مصر عامة، والقاهرة خاصة، مثلما هو الشأن مع أعمال محمد شكري التي تعرف الآخر على المجتمع المغربي عامة، والطنجاوي خاصة.

من هنا، إذا سمح لنا (هنتينغتون) أن نتصرف في تعبيره/ فكرته القائلة "بصدام الحضارات"، لقلنا إن الترجمة تغذي "حوار الحضارات"، الذي قد يولد "صداما" فكريا ولودا ومنتجا. لكن كيف يتم هذا الحوار الثقافي أو الحضاري؟ أي كيف تساهم الترجمة في المثاقفة؟

من المعلوم أن انخراط الترجمة في تفعيل الحوار الثقافي/ المثقافة ليس وليد التاريخ المعاصر، بل هو فعل واكب سيرورات الأمم والحضارات منذ عصور قديمة؛ وإن كان يتخذ مفاهيم مخالفة من قبيل: الأخذ، التأثر، المحاكاة...، ويعد مفهوم "المقابسة" الذي نحته أبو حيان التوحيدي أبلغ تعبير عن التفاعل الثقافي. غير أن التحولات الحضارية الكبرى في الوقت الراهن فرضت فعل المثاقفة أكثر من أي وقت مضى، كما فُرض فعل الترجمة كنشاط معرفي مواكب. لتغدو بذلك الترجمة أداة مغذية للدينامية الحوارية بين شعوب العالم، فتحولت، في ظل سياقات العولمة، إلى "تعبير مكثف عن المجتمع في تحولاته الإنسانية الشاملة، على المستويات كافة"([28]).

من هذا المنطلق، تتحول الترجمة إلى وسيط ثقافي بين ثقافتين مختلفتين، هدفه تطوير وإغناء المرجعية الثقافية "للغة الوصول"، دونما فقدان "لأصالة" الذات المترجم لها. لهذا، تساهم الترجمة في تفعيل المثاقفة من زاوية المتابعة الثقافية والتواصل/الحوار الفكري؛ لأن الترجمة "هي الأداة التي يمكننا بها مواكبة الحركة الفكرية والثقافية في العالم"([29]). مما يجعلها-أي الترجمة- قناة أساسية في تبلور فعل المثاقفة، الذي يعد في الأصل "عملية التغيير أو التطور الثقافي الذي يطرأ حين تدخل جماعات من الناس أو شعوب بأكملها تنتمي إلى ثقافتين مختلفتين في اتصال وتفاعل يترتب عليهما حدوث تغيرات في الأنماط الثقافية الأصيلة السائدة في الجماعات كلها أو بعضها"([30]).

تنبني إذاً، المثاقفة على عناصر محورية: الاتصال، والتفاعل، والتغيير في الأنماط الثقافية، والمواكبة الثقافية، وتجسير الهوة بين ثقافتين مختلفتينإلخ. والمتأمل في هذه العناصر البانية للمثاقفة بإمكانه أن يجدها هي المتحكمة أيضا في فعل الترجمة. لهذا، فالترجمة تساهم في تنمية المثاقفة عبر عدة قنوات تقنية وإبستمولوجية يمكننا تحديد بعضها كما يلي:

- قناة التواصل:

إذا كان التواصل من المرتكزات الأساسية لفعل المثاقفة، فإن الترجمة تعزز هذا المرتكز وتدعمه؛ حيث ترتقي إلى مستوى مد الجسور التواصلية بين ثقافات مختلفة، لأن الترجمة "تحكمها متطلبات المعنى، وشرائط التبليغ وتواضعات التواصل"([31]).

- قناة التفاعل:

يتجاوز فعل التفاعل، هنا، البعد التواصلي بمفهومه الانفعالي، إلى مستواه الفعلي؛ أي يرتقي التواصل الثقافي إلى درجة الاغتناء المتبادل، وبتعبير آخر يغدو التفاعل الثقافي عبر الترجمة أداة لخلق علاقة التأثير والتأثر بين ثقافة لسان الانطلاق، وثقافة لسان الوصول.

- قناة الحوار المجتمعي:

ونقصد به ارتقاء الترجمة إلى مستوى تنمية الحوار الثقافي بين "الأنا" و"الآخر"، مهما كانت الوضعية الحضارية للطرفين معا؛ لكن ذلك يبقى مرتهنا بتخلي المترجم عن النزعة الاستعلائية، إذا كان ينتمي إلى حضارة قوية، وذلك ما يؤهل الترجمة للمساهمة في الحوار المجتمعي، بل قد "تجسر الهوة القائمة بين الشعوب الأرفع حضارة والشعوب الأدنى حضارة"([32]). وفعل التجسير هذا، هو ما تحاول  المثاقفة إنتاجه، حتى لا تتم إعادة إنتاج "غزو ثقافي" بدعوى الحوار الحضاري والثقافي في واقع العولمة الذي أصبحت فيه "المثاقفة ضرورة حيوية لمختلف الشعوب والحضارات"([33]).

- قناة الهوية والاختلاف:

تكتسي الترجمة، هنا، بعدا رمزيا؛ لأنها تتجاوز التفاعل المتبادل إلى الحرص على عدم فقدان "الأصالة" و"الهوية"، ناهيك عن تطوير "الذات" بناء على معطيات "الآخر"، بالرغم من "الاختلافات" البينة بينهما. وهنا تتوازى الترجمة مع المثاقفة التي "تعد رافدا مهما تسعى كل أمة من خلاله إلى معرفة  الآخر واستثمار ما لديه من قيم ومعطيات إنسانية وحضارية، وإلى تنمية كيانها الثقافي بشكل خلاق وغير مضر بمقومات الهوية القومية وثوابتها"([34]).

- قناة التنمية الأخلاقية:

إن المقصود بهذه القناة هو النظر إلى الترجمة باعتبارها عنصرا معرفيا ينشط التفاعل الثقافي مع "الآخر"، لكن دونما رغبة في "التمركز على الذات"، بتعبير أنطوان بيرمان، حيث "يعمد المترجم إلى رد كل شيء إلى ثقافته ومعاييره وقيمه، معتبرا أن كل ما يقع خارجها، أي كل ما هو أجنبي، هو عنصر سلبي لا يصلح، في أحسن الأحوال، إلا لأن يدمج ويكيف لإغناء الثقافة المتلقية"([35]). لذلك يجب على الترجمة أن تجنح إلى تدعيم التواصل الأخلاقي مع "الآخر" مع ثقافته؛ مما يساهم في تجاوز التعصب والعصبية، ونزعة التمركز والعداوة، ناهيك عن تكريس الانفتاح على الآخر واحترام ثقافته، ولما لا إخراجها من عزلتها. إن هذا يتماشى مع مفهوم المثاقفة التي ينظر إليها باعتبارها "وسيلة فعالة لتنمية روح الثقة والتسامح بين الأفراد والجماعات، فهي تزيل كثيرا من الأوهام والأمراض والمخاوف، وتساعد على خلق تواصل وتفاهم بين الشعوب، وعلى تفعيل القواسم المشتركة بينها، مما يؤدي إلى إزالة بؤر التوتر والعداوة التي غالبا ما يغذيها التقوقع والانعزال، والجهل بالآخر والأحكام المسبقة والسلبية عنه"([36]).

نفهم من هذا أن الترجمة تساهم في تنمية المثاقفة وتغذيتها، ناهيك عن خلق حوار ثقافي مثمر. كما نفهم، كذلك، أنها -أي الترجمة- أصبحت ضرورة ملحة في ظل عولمة الإعلام و"حوار الحضارات"، وبإمكانها تنمية روح الإخاء والتعاون الإنساني/المجتمعي، وتكريس فلسفة حقوق الإنسان في بعدها الشمولي. وذلك انطلاقا من احترام ثقافة "الآخر"، وتجاوز الأحكام المسبقة المليئة بنزعة الاحتقار والتعالي؛ احتقار ثقافة "الآخر"، والتباهي "بالأنا". ولعل هذا ما جعل الكثير من المثقفين العرب يعيشون بأفكار "أحلام التعويض"، حينما يتذكرون بحنين جارف "بيت الحكمة"، وما أنتجه من فكر عبر الترجمة. مما ساهم في تفاعل ثقافي قوي بين عدة أمم، منها الأمة العربية التي كانت تتربع على عرش التفوق،  وجعل علومها المعرفية والإنسانية بين يدي مترجمين غربيين يرغبون في تحقيق نهضة غربية/أوروبية.

لهذا، فجعل الترجمة أداة حقيقية لتنمية فعل المثاقفة في العالم العربي رهين بتحمل مثقفي ومفكري هذه الأمة مسؤوليتهم في جعل الترجمة فعلا منتجا، بل فعلا قادرا على "إنقاذ الفكر العربي مما يحيط به من أخطار وخصوصا خطرين: خطر الحنين الماضوي والاستلقاء في أكناف الآباء والأجداد، وخطر الاستلاب والضياع فيما هب ودب من نتف الثقافات المستوردة دون وعي أو هضم، ودون غربلة وانتقاء"([37]).

يتضح جليا أن الترجمة بكل أسئلتها المتشعبة فعل معرفي هادف ونشاط علمي عميق يدعم التواصل الثقافي بين الشعوب؛ لأنها "كانت ولا زالت جزءا لا يتجزأ من العملية التواصلية بين الثقافات الحية، فهي تعكس إلى حد بعيد، النشاط العلمي والأدبي، وتكشف عن إرهاصات التطور الفكري ومدى قدرة الثقافة على استيعاب الراهن ورفع تحديات المستقبل"([38]). فضلا عن تعميق المعرفة "بالأنا"، سواء بلغته أم ثقافته أم نمط حياته الفكرية والمعيشية. خاصة في هذا العصر الذي أصبح فيه فعل الترجمة أكثر ضرورة بحكم التطور في وسائل الاتصال الجماهيري، مما يتطلب بالضرورة حدا أدنى من المعرفة بلغة "الآخر" وثقافته وخصوصياته المجتمعية العامة. من هنا تبدو الترجمة بمثابة "استراتيجية لتوليد الفوارق وإقحام الآخر في الذات، إنها ما يفتح الثقافة، ما يفتح اللغة على الخارج، ما يفتح النصوص على آفاق لم تكن لتتوقعها ولا تتوخاها"([39]).

 



 

هوامش

[1] -د. محمد حافظ دياب، الترجمة وأسئلة النهضة العربية، مجلة الوحدة، ع 61/62، أكتوبر / نوفمبر، 1989، ص: 36.

[2] -يراجع على التوالي:

-ج.س.كاتفورد، نظرية لغوية في الترجمة، ترجمة: د. خليفة العزابي-د. محي الدين حميدي، معهد الإنماء العربي، بيروت، ط1، 1991، ص: 33.

-Jean Dubois et autres, Dictionnaires de linguistiques et des sciences du langages, éd Larouss, Paris, 1994, p: 486.

(*)إن (جان ديبوا وآخرون) في معجمهم المختص يصنفون الترجمة إلى أدبية (la traduction littéraire)و تقنية (la traduction technique)، لهذا فالترجمة الأدبية تستغرق كل ما له علاقة بالإبداع والنقد. انظر المرجع السابق، نفس الصفحة.

[3] -جان ألكسان، الترجمة الأدبية والتنمية الثقافية، مجلة الوحدة، ع 61/62، مذكور، ص: 97.

[4] -د. رشيد برهون، الترجمة ورهانات العولمة والمثاقفة، مجلة عالم الفكر، الكويت، ع1، المجلد 31، يونيو –سبتمبر 2002، ص: 173.

[5] د. مسعود ظاهر، الاتجاهات الأساسية لحركة الترجمة في لبنان والوطن العربي، مجلة الوحدة، مذكور، ص: 46.

[6]- جان ألكسان، الترجمة الأدبية والتنمية الثقافية، مرجع مذكور، ص: 98.

[7]- د. رشيد برهون،  الترجمة ورهانات العولمة والمثاقفة، مذكور، ص: 174.

[8] -عبد الكريم ناصيف، الترجمة: أهميتها ودورها في تطوير الأجناس الأدبية، مجلة الوحدة، ر، ص: 67.

[9]- جويل رضوان، قضايا خاصة ببعض أصناف الترجمة، ترجمة: عبد العلي اليزمي-جعفر عقيل، مجلة علامات، ع3، ربيع 1995، ص: 97.

[10]- نفسه، ص: 98.

[11]-الترجمة: أهميتها ودورها في تطوير الأجناس الأدبية، مذكور، ص: 61.

[12] استفدنا، في تصنيف إواليات الترجمة، من مقال. د. محمد بوعزة، استراتيجية الترجمة في "جمالية التلقي" لرشيد بنحدو، العلم الثقافي، السبت 6 نونبر 2004، ص: 4.

[13] -نفسه، ص: 4.

[14] -أنظر 486: Jean Dubois et autres, Dictionnaire de l'inguistique et des siences du langague,op,cit : p

[15] - انظر: جورج طرابيشي، الترجمة والإيديولوجيا المترجمة: مجلة الوحدة، مذكور، ص: 30.

[16] -د.محمد بوعزة، استراتيجية الترجمة، مذكور، ص:4.

[17] -Jean Dubois et autres, Dictionnaire de linguistique et des sciences du langages,op,cit, p : 487.

[18] -استفدنا من التصنيف الذي قدمه جورج طرابيشي، الترجمة والإيديولوجيا المترجمة، ، ص: 31.

[19] -نفسه ، ص: 34.

[20] - نفسه ، ص: 33.

[21] - د. رشيد برهون، الترجمة ورهانات العولمة والمثاقفة، مذكور، ص: 175.

[22] -تيسير شيخ الأرض، الترجمة بين الفعل والانفعال الثقافي، مجلة الوحدة، مذكور، ص: 11. وقد جاء في (المعجم الفلسفي المختصر) ترجمة: توفيق سلوم،  تعريف مشابه لتعريف (تايلور) مع التركيز على أشكال: الفلسفة، العلم، الأخلاق، الحق،  والفن، دار التقدم، موسكو، ص: 155.

[23] -د.رشيد برهون، الترجمة ورهانات العولمة والمثقافة، مذكور، ص: 171.

[24] -نفسه، ص: 175.

[25] -نفسه، ص: 172.

[26] -"تيسير شيخ الأرض، الترجمة بين الفعل والانفعال الثقافي. مذكور، ص: 13.

[27] -عبد الكريم ناصيف، الترجمة: أهميتها ودورها في تطوير الأجناس الأدبية، مذكور، ص:61.

[28] -د. مسعود ضاهر، الاتجاهات الأساسية لحركة الترجمة في لبنان والوطن العربي، مذكور، ص: 47.

[29] -عبد الكريم ناصف، الترجمة: أهميتها ودورها في تطور الأجناس الأدبية، مذكور، ص: 59.

[30] -مسعود عمشوش، المثاقفة: أبرز آليات حوار الحضارات، عن الموقع الإلكتروني : www.yemenitta.com/maqal 8.htm

[31] -عبد الرحيم حزل، أسئلة الترجمة، سلسلة شراع، ع 55، ماي 1999، ص: 19.

[32] عبد الكريم ناصيف، الترجمة: أهميتها ودورها في تطور الأجناس الأدبية، مذكور، ص: 58.

[33] -مسعود عمشوش، المثاقفة، أبرز آليات حوار الحضارات، مذكور.

[34] -نفسه.

[35] -د. رشيد برهون، الترجمة ورهانات العولمة والمثاقفة، مذكور، ص: 180.

[36] -مسعود عمشوش، المثاقفة أبرز آليات حوار الحضارات، مذكور.

[37] -هاشم صالح، دور الترجمة في تشكيل الفكر العربي المعاصر، مجلة الوحدة، مذكور، ص: 25.

[38] -الطيب بوتبقالت، ضمن، أسئلة الترجمة، مذكور، ص: 80-81.

[39] -عبد السلام بنعبد العالي، الترجمة و المثاقفة، مجلة الوحدة، مذكور، ص: 8.