ص1

 

المدرسة : أزمة تحويل أم" قياس" ؟

 
عمر بيشو

 

قد يكون من "حسن حظ" الثقافة العربية الإسلامية أن يلتفت إليها ولو ضمنيا في سياق تداولي بيداغوجي خاص، يرتبط أساسا بإشكالية إخفاق المدرسة في عالمنا المعاصر، والتي تشكو من فقدان المعنى ومن فصام يهدد كيانها وبالتالي هويتها.، الشيء الذي زاد من اهتمام راصدي هذا الشأن المدرسي، حيث تكاد التشخيصات والكشوفات الراهنة المرتبطة بأزمة المدرسة وآليات تأسيسها واشتغالها تتجه نحو قضية أساسية مفادها أن المدرسة تعوزها آلية التحويل/ Transfert؛ أي تحويل المعارف وإنزالها إلى الواقع دون أن تبقى حبيسة الجدران الإسمنتية المدرسية، وإلا تفاقمت الهوة بين المدرسة والمجتمع، حيث يعرف هذا الأخير تدفقا معرفيا هائلا (إنتاج معرفي للعقود الثلاثة الأخيرة مثلا، يفوق ما أنتجته البشرية من قبل)؛ وعليه،برز هذا التحدي وهو أنه لا يمكن للمدرسة أن تواكب هذه الحركة الحثيثة للمعرفة، وهذا التكاثر المعرفي القياسي، دون تجديد آليات تواصلها وإلا تجاوزها التاريخ.

   قد يتساءل القارئ لأول وهلة، عن سبب ورود عبارة "الثقافة العربية الإسلامية" ضمن راهن  هموم المدرسة ورهاناتها المعاصرة وأي شأن لها بقضية التحويل وإشكالياته البيداغوجية الخاصة، ألا يكفي ما تعرض له "العقل البياني العربي بشقيه معا، من نقد لأسسه الإبستيمولوجية، حيث أبان عن كونه وراء سر جمود وركود الزمن الثقافي العربي، وذلك في إفراط اعتماده  " قياس الغائب على الشاهد، كمنهاج في إنتاج المعرفة " و أن طبيعة العقل العربي تقوم أساسا على " آلية ذهنية قياسية فقهية " عرفت إبداعها زمنا ما، إلى درجة ميزت حضارتها كـ " حضارة فقه "، ثم " التهمت نفسها" مؤسسة بذلك ركودا زمنيا ثقافيا لم يعرف نهضته مرة أخرى بعد،الخ


[1]؛ وحتى لا يساء فهم عمل النقد وطبيعته الوظيفية التي تساهم بشكل أو بآخر في إجلاء الغموض والنقط الحالكة الممكنة،التي تحتاج إلى مزيد من تسليط الضوء الكاشف عليها، حتى تأخذ مسارها الطبيعي والتوافقي في نسيج الثقافة أو الحقل المعرفي المراد نقده، وحتى لا يساء أيضا- فهم المشروع النقدي الضخم للأستاذ الجابري، فيكفي أن نقده لآليات تكوين العقل العربي، أثرت بشكل أو بآخر، الثقافة الكونية؛أي تسليط الضوء على العقل الإنساني قبل العربي- طبعا من منظور معرفي  Cognitif وإن كانت مقاصد البحث تختلف، فلا يمنع من وجود نقط التقاء ضمنية، وتمفصلات جديرة بأن تذكر، من شأنها أن تطرح أسئلة راهنية، جديدة ومهمة. 

      بعبارة أخرى،إن ما أبرزه التحليل الإبيستيمولوجي للعقل العربي الإسلامي في علاقته بالإبداع، ليس نقضا لأسس التفكير فيه أصلا ؛ وإنما للكشف عن مكامن الخلل الثاوي وراء تفعيل مقتضيات آلياته الذهنية إزاء علاقته بالمعرفة؛  فأن يتم نقد " القياس " إبيستيمولوجيا مثلا، لا يعني بالضرورة التقليل من شان هذه الآلية العقلية المشتركة لدى الناس جميعا؛ وإنما في تجاوزها لحدودها الأصلية، وكذا وظيفتها الطبيعية في تفعيل شيء ما " معرفيا ". وهذا الذي انتبه له العقل الأصولي الفقهي، في ضرورة تحديد شروطه، خاصة في تقريرهم للقاعدة المشهورة " لا قياس مع وجود الفارق ".

  طبعا،" الفارقية " المشار إليها فقهيا هنا، تشير بالأساس إلى فعل القياس، كفعل عقلي قابل للامتداد والاستعراض/Transversalité؛ من حيث قدرته الفائقة على التوصيل بين الأشياء، بين " الأصل " و " الفرع " بغض النظر عن طبيعة ذلك الوصل، وقيمته الشرعية أو العلمية.

  لقد انحصر نقد الخطاب الديني حتى بالنسبة للمنظور العقلاني ذاته، في محاولته إبراز دور العقل العربي في تفعيله للمعرفة بشكل خالص ومحض، سواء من خلال تعطيل العقل في القفز على تاريخانية الفعل الإنساني، أو في استكشاف العقل في تدبير المعرفة ( تفعيل آلية التأويل، والقياس في مجالات أخرى، غير تلك  المتفاعلة مباشرة بالنص الديني، كما هو ممثل خاصة في كتابات  حامد أبو زيد، حسن حنفي، وغيرهما...). حيث يبقى هذا التجديد للفكر العربي الإسلامي عموما اتجاه قضاياه، مرتبطا بأطروحة غير كافية لإبراز درجة مواكبتها للمعرفة الراهنة من جهة، وإن كانت تستمد آليات تحليلها للتراث من أسس الفكر العالمي المعاصر، إلا أنها تبقى – في نظري- دون المطمح المأمول، مادامت لا تستطيع الانفلات من شرك تلك  الثنائيات القديمة / الجديدة : العقل والنقل، المدنس والمقدس، الشريعة والحقيقة، إلخ ؛  ومن جهة أخرى، لأنها لم تحاول في تحليلها ربط ما هو راهني حقا، أعني البعد التشاركي في تدبير "الحداثة الدينية"  و"الفعل الأيكولوجي "الذي يقتضيه فعل التناظم كآلية لتطوير هذا الأخير.

  فإبراز "التأويل" مثلا، كآلية ذهنية عقلية، مشتركة للبشرية جمعاء، في قدرته على تبيان الوجه الحداثي للفعل العقلي عموما ؛ يتم على اعتبار ذلك الإهدار الذي مورس عليه من قبل أنماط فعلية عقلية أخرى، كالتفسير والاجتهاد، والقياس،  والفقه؛ لينتقل الصراع بالتالي بين التأويل والنص في علاقتهما بالمعرفة، وليتسع بالتالي السجال إلى مالا نهاية.

   بعبارة أخرى، تقوم المقاربة المعرفية cognitive في تجديد الخطاب الديني، على تحويل النظر عن هذا السجال، وجعله من درجة راهنية ثانية، في مقابل فسح المجال لما هو دينامي و" إيجابي " أكثر، ولما هو مشترك في العقل الإنساني / البشري : تفسيرا، وتأويلا، وفقها، واجتهادا.إلخ ؛ من خلال جعل كل هذه الأشياء تتحول لخدمة علاقة الخطاب الديني براهن الشأن العالمي، والذي يعرف تحولات كبيرة على مستوى "الإصلاح الكوني"...  كما نرى كذلك، غياب هذه المقاربة في قراءة الخطاب " التنويري " للدين بخصوص القياس على وجه التحديد وذلك مثلا، في معرض نقد الباحث حسن حنفي نقد الخطاب الديني للباحث حامد أبو زيد، باعتبارهما باحثان مجددان، حيث " يعتبر القياس مجرد توليد نصوص مع أنه تعدية الحكم من الأصل إلى الفرع لتشابه بينهما في العلة. فاختزاله إلى توليد النصوص إجحاف بالتعليل وهو صلب القياس ومادة المنهج التجريبي"[2].

    إن السؤال الذي ينبغي طرحه بداهة، هو لماذا توقف التنظير في الاجتهاد البياني الديني (أصول الفقه أساسا)، أو آليات تنظير الخطاب الديني بصفة عامة؟ وهذا يحيلنا أصلا إلى قضية المفهوم، أي " التجديد " حيث  يمكن القول معه أنه  بقدر ما تقل نظريات " التجديد " بقدر ما تقل جهود التنظير في موضوع هذا الأخير.

  إن القياس والتأويل، في نقد الخطاب الديني (محمد أركون، حامد أبو زيد،  حسن حنفي ,...) تتم قراءة تهميشهما من زاوية نقدية أحادية الجانب، تريد رد الاعتبار إليهما كآليات عقلية أصيلة في الإنسان من خلال تأصيلها عند العربي؛ وهذا شيء يحسب لهذا النقد في حدود ما، غير أن الذي لم تستطع الخروج منه – في نظري – هو اشتغال نقدها في دائرة مرتبطة بردة فعل أنماط الخطاب الديني الأخرى ؛ وهذا في النهاية، لا يمكن أن يبعث جديدا للخطاب الديني، لأنه نتيجة استجابة ظرفية طارئة على العقل العربي الإسلامي، وليس باعتباره استراتيجيا يقدم طروحات للحاضر و المستقبل بكل تعقيداته ولا يقينياته، قادرة على توجيه الخطاب الديني نحو راهن الشأن العالمي.

  المطلوب إذن، من هذا النقد الموازي للخطاب الديني المعطل لآليات العقل، في بعدها الاشتغالي الأيضي métabolique الأصيل ؛ أن يتم باستمرار، لأنه يساهم في كشف أنماط دلالاته، حقيقة ووهما. وهذا في النهاية، يمثل زادا وافرا بالنسبة لعلوم المعرفة/Sc.de la cognition، لفهم أكثر وأوسع للظاهرة الدينية في علاقتها بالدماغ ؛ وذلك في إطار نمط اشتغال تلك العلوم تناظميّا.

  هكذا يمكن القول إن قراءة هذه القراءات النقدية للخطاب الديني، تتم في إطار قلب المعهود المعرفي المرتبط بالعلاقة الجديدة  بالعقل / الذكاء، حيث التعامل معها من زاويتين أساسيتين :

-زاوية وظيفية قائمة على التناظم بدل التشتت والجزأرة، الذي ساهم في بلورته باراديغم المعارف؛

-زاوية غائية تجعل المعارف في خدمة الذكاء وليس العكس ؛ بمعنى، إمكانية الحديث عن مبادرة التنمية البشرية؛ وهذا له ارتباط بقضايا التحويل وتعبئة الموارد المعرفية في تدبير القدرات والكفايات البشرية المشتركة. 

يمكّننا إذن، هذا التحليل "المعرفي" من خفض التوتر اتجاه قضايانا الفكرية، خاصة تلك المرتبطة بالعقل التأسيسي والتكويني كاسم فاعل أو مفعول ؛ وهي قضايا لا زالت " تهدر" زمن اشتغال الفكر في الثقافة العربية الإسلامية ؛ خاصة فيما يتعلق بإشكاليات القياس والتأويل في علاقتهما بالإبداع. 

ما يهمنا من هذا التذكير النقدي للعقل العربي، هو بالذات قضية "القياس" وتوظيفه "العقلي" كآلية ذهنية في إنتاج المعرفة؛ هل هو خاص بالعقل الإبداعي العربي؟ أم أنه طبيعة ذهنية مرتبطة بالعقل الإنساني عموما، تجلت في بعض ممارساته الذهنية والتي جسّدها الإنسان العربي زمنا ما؟؛ بعبارة أخرى،عوض استمرار طرح سؤال إخفاق القياس في توليد الدلالة وتفجير المعنى، ينبغي قلبه في صيغة أخرى، وهي لماذا استمر القياس/التشبيه/المماثلة في تفعيل المعرفة البيانية رغم تعرضه لشتى ألوان النقد؟؛ بلفظ أدق، لماذا لا تتم إعادة قراءة سؤال الإبداع البياني العربي ضمن راهن التطورات الجديدة التي تعرفها كشوفات علوم "المعرفة"، بصدد سؤال التعلم وراهن تجديد الخطاب البيداغوجي الذي يحاول استعارة آليات تجدده باستدعاء آليات معرفية cognitive تكاد تكون متقاربة نسبيا في اشتغالها الوظيفي، و تحركها في أرضية تبدو جد متشابهة تتعلق  -نهاية- بالتأسيس للمعنى؟.   إن القياس الفقهي باعتباره يقوم على المماثلة العقلية إزاء وضعيتين (أصل/فرع) تجمع بينهما بنية مشتركة، متشابهة تتطلب تفعيل مجموعة من " الموارد المعرفية"(معارف، معلومات، قدرات، مهارات...)، فهو بذلك ينتمي بشكل أو بآخر- إلى "مسألة التعبئة" التي ترتبط بدورها بعمق المفهمة الراهنة للكفايات، سواء في حقل الشغل أو المدرسة؛ وذلك بما أنها تحيل حسب بيرينو على التساؤل حول " السيولة، درجة التعميم أو منالية المعارف المرمزة في الذاكرة البعيدة المدى، مواجهة ونماذج من المهام والمشاكل"؛ بمعنى، يضيف هذا الأخير، لا يعني فقط مجرد" الاستعمال" أو "التطبيق" بقدر ما هو ميل إلى درجة التكييف والفارقية والإدماج والتنسيق...أي باختصار، توجيه مجموع عمليات ذهنية معقدة حيث في مواجهتها بوضعيات ما، تحوّل بدل العمل على نقلها[3]؛ وعليه، يمكن القول إن القياس الفقهي ينتمي بدوره إلى :

أ   -  النشاط الذكائي، باعتبار علاقته بالقدرة على التحويل؛

ب -مسألة التعبئة، باعتبار الأخذ بحسبانها كل الانشغالات المعرفية[4].

  ما نقصده إذن، بهذا التقارب المفهمي المعرفي بصدد إشكاليات تجديد كل من الخطاب الديني والخطاب البيداغوجي، هو ذلك التماس الوظيفي الذي يجمع بين القياس والتحويل بحمولته الدلالية الراهنة، والتي تمثل مهارة تكيفية ضرورية وملحة سواء بالنسبة لسيرورة التعلم أو التكنولوجيا والعولمة التي تحملها الألفية الثالثة؛ وذلك في ارتباطها أساسا بإشكالية الكفايات وتعبئة المعارف.

   هذا التحول في جدل البحث البيداغوجي الراهن حول قضية التحويل وإشكالياته، كانت وراءه أسباب وعلل مختلفة، أبرزها تجاوز التحويل كموضوع تجربة في السيكولوجيا؛ بمعنى، تجاوز توسيع دائرة البحث في الشروط السيكولوجية لنقل المعارف، دون التساؤل بشكل كاف ودقيق حول طبيعة المعارف المراد نقلها. أي أنه أصبح ذا أهمية عامة للمدرسة، هذه الأخيرة التي بوسعها تخريج أشخاصا فاعلين، قادرين على خلق نقط التقاء وتواشج بين مهام الكفايات المكتسبة داخل الفصل وتلك المرتبطة بالمشاكل الحقيقية و الملموسة في الواقع؛ حيث  تحويل المعارف يقتضي إعادة استعمالها في سياقات أخرى؛ فحساب السلالم في الرياضيات مثلا، ينبغي أن يتيح للمتعلم تقويم مساره على خريطة طرقية، كما أن اكتسابه لمفهوم التعدية، ينبغي كذلك أن يطال مجال النحو، في مجاراته لاسم المفعول في اللغة الفرنسية مثلا،... باختصار، السؤال المطروح بإلحاح هو: كيف يستخدم المتعلم ما تعلمه[5]؟

بعبارة أخرى، هل ستضطلع المدرسة بتحويل المعارف مرة أخرى، كالمعتاد رغم تلك التحولات الراديكالية المنصبة حول العلاقة بالمعرفة؟..هكذا، نجد تعددا في الخطاب البيداغوجي المعاصر، بين متفائل يرى إمكانية مشروطة لتواصل المدرسة دورها الريادي ( Develay.M, Rochex.J.Y) وبين متشائم إلى حد

ما، يرى أن الحديث عن المدرسة يشبه "وضع بعض الورود في المقبرة" Astolfi. J-P)) أو أنها أنهت أحسن ما عندها (Beillerot .J)... ما لم تجدد علاقة المدرسة بالمعرفة في إطار إصلاح الفكر عموما، بخلق نوع من التوتر اتجاه هذه الأخيرة، يقضي في النهاية بأن تكون أكثر جاذبية وتشوقية[6]. وبين معاني ومدلولات المعرفة، يتشتت سعي الأنظمة التعليمية؛ فمن الأنظمة التي ما تزا ل علاقتها بالمعرفة شبه مقدسة ؛ وآية ذلك، الاستمرار في العمل بمنهاج المواد المنفصلة وبالتالي، خضوعها للوبيات المواد؛ ومنها ما تعتبر تلك العلاقة أداة انعتاقية وتحررية للشخص (Kerlan. A) بحيث أن علاقتنا بالمعرفة  اليوم، تفترض أن تكون علاقة وظيفية، تجعل تمثلنا للمعرفة باعتبارها حاملة للمعنى، ذات بعد دينامي، قابل للتجدد والتطوير حسب طبيعة محتوى هذه المعرفة والوضعية المشابهة؛ وهذا يعني، بادئ ذي بدء،عدم اتخاذ المعارف ظهريّا، فيمن يرى أن التدريس بالكفايات من شأنه أن يزحزح مكانة المعارف ويهدد كيانها[7]. 

    إن ما أتاح لنا عقد هذه المقارنة التي تربط بين ما يجب أن تقوم به المدرسة راهنا، وقضية القياس تراثيا، هو الدعوة إلى إعادة النظر في طبيعة العلاقة بالمعرفة، في إطار " إصلاح المعرفة"، حيث المعرفة المنوط تحقيقها في عالم المدرسة راهنا،  ينبغي أن تكون " قابلة للتحويل والتكيف " أو " معرفة حية تثوي كفاية ما"[8]، "معرفة تتحول إلى كفاية"[9] أي "معرفة تسمح للكفاية أن تتحقق في الفعل"[10]، بمعنى ما - في نهاية المطاف – معرفة قليلة العدد، عديدة التفعيل والاستثمار؛ أي " معرفة مقاصدية" بعبارة بيانية نستعيرها من حقلها البياني المقاصدي، معرفة تتضمن "أمورا كلية وعبارات مطلقة تتناول أعدادا لا تنحصر"[11]؛ هذه المعرفة من المنظور المقاصدي  العقلاني، منهجا وغاية، حيث "الوقائع بين أشخاص الأناسي غير متناهية، والنصوص والأفعال والإقرارات متناهية، ومحال أن يقابل ما لا يتناهى بما يتناهى"[12] (ابن رشد،ابن خلدون،الشهرستاني،الخ.) مادامت -بعبارة أخرى، كما حددها الشاطبي بقوله-"الوقائع في الوجود لا تنحصر، فلا يصح دخولها تحت الأدلة المنحصرة، ولذلك احتيج إلى فتح باب الاجتهاد من القياس وغيره(...) فإذا لا بد من الاجتهاد في كل زمان، لأن الوقائع المفروضة لا تختص بزمان دون زمان"[13]. هذا التصور للعلاقة بالمعرفة، كان مرده الاعتقاد الراسخ في ضرورة الاجتهاد ونبذ التقليد الذي يشل روح المعرفة المنشئة للعمل، تلك التي تتفاعل مكوناتها ( لغة وتشريعا وتاريخا..) وفق أسس بيولوجية من أجل تجديد الخطاب وتحديث المجتمع.

   ويعبر عن هذا التوجه ما ذهب إليه ابن رشد في ربطه بين الدراسات العقلية المجردة والدراسات الفقهية، حيث المسائل العقلية تعتمد على البديهيات الضرورية التي لا تختلف العقول في إدراكها؛ وذلك في سياق تقريره صحة بعض وجوه القياس التي انفرد به المذهب المالكي عن باقي المذاهب الفقهية الأخرى[14]. وهنا يمكن تسجيل ذلك الغنى الدلالي المرتبط بتفعيل القياس في بعده الدماغي البشري والذي يعكس وجها ما من اشتغال الجهاز المعرفي لدى الإنسان؛ وهو المعبر عنه نقديا من طرف نفاة القياس باعتباره " زيادة على النصوص الكاملة بعمل الإنسان، لا بشرع الديان"[15]؛ وهو ما يمكن أن يستفيد منه البحث المعرفي بشكل كبير، سواء من جهة مثبتيه (جمهور الفقهاء) من حيث إفادته غلبة الظن فيما يستنبط به من أحكام؛ (أي باعتباره مصدرا عقليا تبعيا يلحق به أمر لا نص فيه ولا إجماع بآخر منصوص على حكمه أو مجمع عليه)؛ أو من جهة منتقديه(سواء من داخل التراث نفسه، أو من خلال قراءات جديدة تأويلية أو ابستيمولوجية) بوصف هذا الأخير صورة للفعل البشري.

يمكن القول إذن، إن البحث عن المعنى، أو بالأحرى، التفكير في إشكالية المعنى - بغض النظر عن قيمة الآلية المستعملة لذلك - هو الذي كان من وراء توظيف آلية القياس أصلا، بوصفها آلية منطقية عقلية تم من خلالها منح معنى للنصوص المراد تفعيلها وإحياؤها مجددا وفق مساءلات الواقع. وبالتالي، لإقلاع هذا التحدي تمت صياغة قواعد أصولية فقهية بإمكانها أن تتمفصل مع أسئلة ذات اهتمام حقيقي ومعلوم؛ وهذا يكاد يتكرر مع كل أزمة للمعنى التي تصيب حقلا معرفيا ما؛ ففي التعلم المدرسي مثلا، نجد أن التفكير في هذه الأخيرة – على الأقل في فرنسا مثلا – بدأ في بداية الثمانينات، حيث شهدت المواد الدراسية فقدان ترابطها باعتبار تلقيها كتجمع للمواد كما أن كل مادة دراسية تعتبر كتتالي فصولي  بالإضافة إلى طبيعة التمارين المتداولة في الثانوي مثلا، والتي لا تهدف إلا لصنع "النجاح" والارتقاء في المستويات الموالية، الشيء الذي يتكون عنه شعور لدى المتعلمين في أن ما يتعلمونه لا يتيح إمكانية مواجهة العقبات الحقيقية لديهم. ولرفع هذا التحدي أيضا سنجد نفس اتخاذ المسلك وذلك في جعل برامج التعليم تتمفصل هي الأخرى مع أسئلة الواقع الحقيقية حتى يتم منح المدرسة تحكما حقيقيا.[16]

   بعبارة أخرى،إن ما  يجمع نظريا – في رأيي-بين القياس والتحويل (الكفاية ضمنيا)،في بعديهما البيداغوجي و القصدي/الوظيفي، هو قضية المعنى، التي تتحدد كمشكل في درجة المشابهة أو المماثلة بين مهام وإن كانت مضامينهما تختلفان من عصر لآخر، تبعا لدرجة المعرفة المهيمنة فيه ؛ فقد عرف مفهوم التحويل – هو الآخر – تنقيحا وتهذيبا بشكل متقدم، فالذي نطلق عليه " تحويل المعارف " - حسب ماندلسون[17]-لا يمكن أن يكون في نهاية الأمر إلا كحكم قيمة حول الملاءمة والمناسبة، حول درجة التعميم أو منالية انفتاح المعارف وقابليتها لذلك، التي هي مرمّزة من قبل الذاكرة البعيدة المدى. وعليه، ومن هذا المنظور المعرفي الجديد لا يمثل التحويل نهاية التعلم، لأنه حاضر وحالّ في تاريخ وصيرورة هذا الأخير؛ فلكي نتعلم ونتكوّن ينبغي أن نحوّل باستمرار[18]، الشيء الذي يضمن دينامية استمرار قضية المعنى.

 بلفظ آخر-حسب ماندلسون-تتحدد إشكالية تحويل المعارف بالنسبة للسيكولوجيين والديداكتيكيين في مناسبة وملاءمة المعارف المدرّسة والوضعيات الجديدة في أفق تفعيلها بشكل جيد؛ أي بمدى المطابقة والمماثلة بين شكل ومحتوى هذه المعارف من جهة، وبين مختلف الميادين حيث إمكانية تطبيقها من جديد[19]. 

هكذا يمكن القول وبشكل منطقي، إن محاولة إيجاد هذا" المعنى " هو الذي سمح بوجود هذه الآلية الذهنية دون النظر إلى هذه الأخيرة من منظور البحث الدلالي النصي ( منح الشرعية أو عدمها من خلال النصوص الدينية ). فلكي نحيّن نصا دينيا، فإن ذلك يتم باستدعاء " نفس" سيرورات التحويل وتعبئة المعارف التي تميز فعل الكفاية أصلا. أي، يمكن القول – على الأكثر-أنهما يمتاحان من نفس الجهاز المعرفي لدى الكائن البشري بصفة عامة. والسؤال الذي يمكن أن  يطرحه- معرفيا- فعل القياس من جديد، هو : لماذا لم يستطع القياس الفقهي تجاوز حقله البياني الذي نشأ وترعرع فيه؟ وهنا نتحدث عن أزمة تحويل كأزمة تأويلية  عكست عدم كفاية الأطروحة الفقهية أو باراديغم الأصول في رصد ظواهره المعرفية. وهذا يبدو أمرا طبيعيا، في غياب راهن كشوفات العلوم المعرفية ، حيث دراسة الفعل البشري سيرورة ونتاجا، عقلا و فكرا ووجدانا، بمقاربة تناظمية[20]

     هذه المقاربة الجديدة هي المغيبة أصلا -وللأسف-من جديد الإصلاح البيداغوجي الجامعي؛ رغم إشارة الميثاق الوطني للتربية والتكوين(المعتمد بالمغرب كمرجعية لإصلاح التربية والتكوين -1999) السريعة والمبهمة إلى ذلك؛ حيث - في رأيي - لم يتجاوز بعد، إطاره الشكلي في تدبير المناهج بالنسبة لتدريس " العلوم الدينية " أو مسلك الدراسات الإسلامية، سواء في كليات الآداب والعلوم الإنسانية أو كلية الشريعة أو أصول الدين.  وهو ما نراه بعيدا كذلك،عن التجديد " الحقيقي"؛ أي ذلك التجديد المواكب فعلا لتطورات المعرفة راهنا، والذي بإمكانه تجاوز الجمود والركود الذي أصاب علاقة المعرفة بالدين، شكلا ومضمونا ؛ بدءا من غياب  تفعيل البعد التناظمي في إصلاح الفكر...إلى تفعيل المقاربة بالكفايات على مستوى البيداغوجي، مرورا بتفعيل درس الكفاية مقاصديا، في جعل العلوم الدينية و الدراسات الإسلامية عموما، في خدمة التنمية البشرية و الشرط الإنساني والقيم الكونية المشتركة والتي تحاول المعاهد العلمية العالمية ( CNRS) بفرنسا، و (CERUM)  بكندا مثلا، أن تؤسس له حاضرا ومستقبلا.

  يمكّننا مدخل " المعرفة" إذن، من قراءة آليات الخطاب الديني، قراءة علمية جديدة ومتجددة بل ومتحررة من ثنائية "العقلاني واللاعقلاني"؛ أي قراءة استراتيجية،  تنفتح على ما هو متجدد في طاقة الفكر البشري، وذلك لما له من نصيب معرفي علمي لمجمل آليات خطاب هذا الأخير- أي كل ما يتعلق بتدبير حقل هذا الخطاب من حيث  آليات منهاج إنتاجه للمعرفة على الخصوص ( القياس، التأويل، التفسير، الاستحسان...) -  وهو ما نراه مجالا  لازال طريا بعد، نظرا لحداثة عهده المفهمي في حقل المعرفة راهنا، كما لا يزال في بداية كشوفاته الثورية في جل حقول المعرفة. وهو ما تشير إليه بعض الدراسات المعاصرة،  في أن هناك مواضيع واعدة بالنسبة للحدود بين العلوم المعرفية والعلوم الإنسانية والاجتماعية، بإمكانها مثلا دراسة الاعتقادات الدينية بمقاربة معرفية[21].

  والسؤال الذي يبقى مطروحا إزاء إشكاليات هذه العلاقة هو كيف يمكن للمدرسة راهنا، ان تستفيد من "العلاقة بالمعرفة" مقاصديا؟  بعبارة أخرى، كيف يمكن العمل على جعل القياس الفقهي ينخرط بقوة في هموم راهن التحويل- أو " راهنية تفعيل التعلم، من حيث التمكن من التمرن على الحركة المزدوجة التي يقتضيها فعلا اللاتسييق وكذا تسييق المعارف"[22]- وبالتالي، الانخراط في هموم المشاركة الكونية في تأسيس " مبادئ المعرفة الملائمة"؟.

 يبقى – بلا شك- السؤال العريض والمطلوب، كما يحيلنا إلى البحث عن تمفصلات المعنى بالقياس بوصفها تعكس في النهاية إمكانية منح حياة مستمرة للنصوص من خلال تحويلها من واقع لآخر تجمع بينهما وضعيات مشابهة؛ وهو ما يمكن أن تمنحه للمقاربة بالكفايات من خلال إمكانية منحها فرصة تفعيل ما يلي:

الحاجة إلى المعنى أو التوسيع في معنى الدلالة من خلال قضية التعليل؛

قضية المناسبة كأساس للتعدية، وكأساس لتفعيل مدخل الأخلاق Ethique؛

العلاقة البراغماتية الصارمة بالمعرفة كأداة للتحكم؛ الاشتغال المعرفي المشترك،في استدعاء استعارات متقاربة ومتشابكة، خاصة قضية " تحقيق المناط" في علاقته بالتكليف كوجيه معرفي Facette cognitive يمكن تسليط الضوء من خلاله على قضية" تعبئة الموارد المعرفية" وبالتالي قضية التحويل باعتباره " مفصلة بين التأويل والتعبئة"؛[23]

-    حدود البعد التناظمي/L'interdisciplinarité بالنسبة للثقافة العربية في  تدبير أزمة المعرفة راهنا[24]؛ وذلك مثلا، في إمكانية الاستفادة من " نتيجة ذلك الزواج العلمي بين " البرهان/القياس المنطقي البرهاني" و"البيان/السبر والتقسيم أو الجانب التحليلي الاستقرائي من القياس الفقهي" في عقول العلماء والفلاسفة العرب المبدعين(ابن الهيثم، ابن النفيس، ابن بصال، ابن خلدون، وغيرهم؛ ممن وظفوا مفاهيم العقل البياني الأصولي الفقهي في أبحاثهم-كما أشار إلى ذلك الأستاذ الجابري [25]

  وإذا ما شئنا بالتالي، تأويل علاقة المعنى بالقياس المقاصدي، ذي البعد الغائي، في تدبير الشأن البيداغوجي المعاصر، فيمكن القول إن اعتبار هذا القياس كفعل عقلي معرفي "يصلح" أن يكون آلية لفهم ميكانزمات منهاج إنتاج المعرفة وتحويلها راهنا، شريطة ممارسة بعض التعديلات العرضية ذات الارتباط بسياقه التداولي البياني الخاص، أي إجراء عملية تحويل مفاهيمي و مفهمي –بما للفظتين من معنى-على مستوى مكونات آلياته العقلية،و ذلك على الشكل التالي:

  - الأصل (المصدر الذي يبين الحكم الذي يقاس عليه الفرع)/  المعارف المدرسّة (Savoirs disciplinaires

  - الفرع (الواقعة التي يراد معرفة حكمها بالقياس على الأصل) /  الوضعية المشابهة (Famille de situation

  - العلة (الأساس الذي قام عليه القياس) /  الأمر الجامع بين المعرفة المدرّسة والوضعية المشابهة (Raison de transfert

الحكم(الأساس الذي اعتبرت فيه المشابهة التي أوجبت القياس)/  تقييم فعل التحويل (Action de jugement

المناسبة(الاستدلال أو رعاية المقاصد)/ تحقيق المعرفة الملائمة (La pertinence

الحرج والمشقة (استفراغ الوسع في تحقيق أمر من الأمور)/اقتحام العقبات من خلال الوضعية-المشكل(Situation-Probleme)الخ.

هكذا يتعين على المدرسة-من منظور مقاصدي، لكي تتمتع بنوع من المعنى، يصل واقعها بمحيطها، صلة حية منتجة- أن تعيد النظر في علاقتها بالمعرفة وما يستلزمها من تحويل فعال يجعل المعارف ذات وظيفة قابلة للتحويل أو"القياس". وهذا-في نظري-قمين بأن يفتح باب الاجتهاد للعقل البياني العربي في شقه الديني أساسا، بوصله وراهن العصر الجديد للعلوم المعرفية كما أشرنا إليه من جانب،كما يفتح باب الاجتهاد للمدرسة من جانب آخر؛ في إمكانية منحها دورها الريادي، والذي يستدعي بدوره مدرسين/" فقهاء" فاعلين بالمعنى المقاصدي للعبارة، قادرين على إكساب المتعلمين آلية إنتاج المعرفة الحية، تلك المعرفة الملائمة،الباعثة للعمل، القادرة على تحدي مفاجآت "الوقائع والأحداث والأناسي" أو لا يقينيات " ما لا يتناهى ".



[1] -  راجع؛ محمد عابد الجابري، تكوين العقل العربي، خاصة الفصل السادس(القياس على "مثال سابق") ص:131-115

[2] - حسن حنفي، "علوم التأويل بين الخاصة والعامة. قراءة في بعض أعمال نصر حامد أبو زيد " مجلة القاهرة، أبريل،ماي،يونيو 1997ص:39

[3] -Perrenoud.Ph.,Transferer ou mobiliser ses connaissances? D'une métaphore à l'autre: implications sociologiques et pédagogiques. Faculté de psychologie et des sciences de l'éducation, Genève 1999.

 4-  انظر؛ عمر بيشو، " الكفاية والتحويل" مجلة علوم التربية، العدد 29 شتنبر 2005.

[5]- عمر بيشو، نفس المرجع.

[6] -  انظر:

Fournier.M.,"L'école peut - elle encore transmettre des savoirs?"in,   Sciences Humaines,n°120, Octobre 2001.

[7] - Perrenoud.Ph.,Construire des compétences,est-ce tourner le dos aux savoirs ?Faculté de psychologie et des sciences de l'éducation.  Université de Genève,1998

 [8] - Fourez.G., "Compétences,Contenus,Capacités" ,in,La revue Forum, Mai  1999,pp.27

[9] -  Fournier.J-Y.,"L'intelligence dans l'école"in,Sciences Humaines,n°116.

[10] - Le boterf.G.,De la compétence.Essai sur un attracteur étrange.Paris, Les éditions d'organisations, 1994.

[11] - أبو إسحاق الشاطبي، الموافقات في أصول الشريعة. دار الكتب العلمية لبنان، مجلد2  ص:66.

[12] -   صبحي الصالح، معالم الشريعة الإسلامية، دار العلم للملايين، بيروت 1982،ص: 70

[13] -   الشاطبي، نفس المرجع، ص: 75

[14] - ابن رشد، " المقدمات الممهدات" ج/ 1 ص:23، نقلا عن : أبو زهرة، أصول الفقه، دار الفكر العربي، د-ت ص:231.

[15] - أبو زهرة، نفسه، ص:226.

[16] - انظر، عمر بيشو، " في أسس المقاربة بالكفايات" مجلة علوم التربية، العدد 30 فبراير 2006.

[17] - Mendelshon.P., Le concept de transfert,in, Meirieu Ph,Develay M,Durand C et Mariani Y(dir) .Le concept de transfert en formation initiale et continue,Lyon, CRDP,1996.

[18] - Develay.M.,Donner du sens à l'école.ESF éditeur,1996.

[19] - Mendelshon.P.,ibid.

[20] - انظر بصدد هذا التوجه الجديد:

A.W.,"Le nouvel age des sciences cognitives"in,Sciences Humaines,n°167, Janvier,2006.

[21] -  Jacob,P." Evolution et spécificité des capacités cognitives humaines", colloque prospective du département SHS du CNRS. (septembre,2003).

[22] - Tardif.J,et Meirieu.Ph.,"Stratégie pour favoriser le transfert des connaissances",in,Vie pédagogique, n°98, Mars-Avril 1996, pp.4-7.

[23] -  Ey.H,Bernard.P,Brisset.Ch.(1978)."L'interprétation dans la psychanalyse",in, Manuel de psychiatrie.Masson ,Paris,5e édition. pp.1076-1080.

[24]-  انظر مثلا:   عمر بيشو، " موسم الهجرة إلى تناظم المعرفة:الدلالات والعوائق" مجلة الفيصل، االعدد352  ، نوفمبر 2005.

[25] - محمد عابد الجابري، نفسه، ص: 350.