ترجمة
العربي اسليماني
مـقـدمــة : أشار التقرير العالمي حول
التنمية البشرية لسنة 2002، إلى أن دخل 5% من الأشخاص الأكثر غنى في العالم، يزيد
ب114 مرة عن دخل الأشخاص الأكثر فقرا .وتنضاف إلى هذه القطيعة الاقتصادية
التقليدية بين الشمال والجنوب ، قطيعة في مجال الإعلام والنقل .
لقد بدأ عالم شمولي، على غرار القرية
الكونية لماك لوهن ( Mc Luhan ,1969 )في التشكل تدريجا، لكنه لصالح الشمال . فبحسب
باسكال رونو، ½ من سكان الأرض لم يستعمل الهاتف أبدا . كما أن 72% من مستعملي
الأنترنيت يوجدون في OCD التي
لا تمثل سوى 14% من سكان العالم .
وفي إطار الحديث عن الفجوة الر قمية،
أشار فليب كيو إلى أن الويب يقصي مليارين من الناس الذين لا يملكون الكهرباء .
الشيء الذي يجعلنا نتساءل عما إذا كان الدخول في مجتمع الإعلام يستوجب إعادة تعريف
العلافات الدولية وأنماط العيش في بعض البلدان . إن قيام مجتمع الإعلام بعني
تكون عالم شمولي يضاعف آثار السلوكات الأحادية والأنانية، ويزيد في توتر العلاقات
الفردية والجماعية؛ فأمام عجز البلدان الفقيرة وعدم استجابة البلدان الغنية، تكتسي
احتجاجات الجنوب مظاهر عنف خطير. لقد أدت أحداث الحادي عشر من سبتمبر إلى لفت
الانتباه إلى الفجوة الاقتصادية والرقمية بين الشمال والجنوب. وفي السياق نفسه،
يقول الجنرال مايير Myers،
رئيس القيادة العليا للقوات الأمريكية بسان فرنسيسكو، وهو بتحدث عن 11 سبتمبر :
<< إن الإرهاب هو أول حرب عالمية لعصر الإعلام >>
إن شمولية الإعلام والثقافة تؤدي إلى
تأحيد ( uniformisation )تدريجي للقيم وأساليب العيش
. إن ظاهرة المثاقفة واللا تثاقف تخدم مصالح الولايات المتحدة الأمريكية التي تفرض
نمط عيشها بواسطة منتوجات صناعتها، وتفتح الطريق إذن، لهيمنتها المطلقة . وبتزايد
وتيرة التأحيد الثقافي واللساني يتزايد حجم وطبيعة الرهانات الاقتصادية والسياسية
والاجتماعية والتربوية التي تواجهها بلدان الشمال بصفة خاصة .
لنفحص أولا وضعية وأسباب
المثقافة أو التثاقف؛ ولنبدأ تحديدا بوصف الدارة القصيرة ( court circuit ) التي أفرزها قيام مجتمع الإعلام . وسنلاحظ آثار العولمة والشمولية
على الثقافات الإفريقية.
1)-تثاقف
تدريجي (
acculturation progressive )
1- 1 الدارة
القصيرة ( court circuit )
لقد أثار فيليب كيو ( Philippe Quéau ) في تدخله خلال مؤتمر لوكارنو ( Locarno ) أبريل سنة1997، التحولات الكبرى التي شهدتها
مجتمعاتنا نتيجة لظاهرة الإعلام الكاسحة؛ وقدم بصفة خاصة ظاهرة الدارة
القصيرة التي يعرفها كعملية ربط مباشر بين مناطق من الكرة الأرضية،ظلت منعزلة بسبب
المسافات الجغرافية الكبيرة التي تفصل بينها.وتتمثل هذه الظاهرة في ما يلي:
1-1-1: الشمو لمحلية (glocalisation )، وتعني اختزال العلاقة الجغرافية بين المحلي والعالمي. وذلك بفعل
عولمة الأسواق والرساميل والمعلومات . كما تعني عولمة التلوث وأيضا تهديد
الثقافات أو نزعها؛
2-1-1 إزالة الوسائط: (désintermédiation
)، وتعني الاستغناء عن
مختلف الوسائط المتداولة، والتي أصبحت غير مفيدة بفعل التكنولوجيات الجديدة لتوزيع
الخيرات والخدمات الثقافية والمعرفية. وقد نتج عن ذلك فقدان السلطة على فرض
التعريفات والرسوم على هذه التدفقات غير المادية المتمثلة في المعلومة؛
3-1-1 تراجع السياسة التنظيمية للدولة ( dérégulation ) : ويعكس ذلك تراجع دور الدولة التنظيمي للممارسات
الاقتصادية أمام قوانين السوق.
ولفهم انعكاسات هذه الدارات القصيرة على
الثقافات المحلية التي بدأت تتأثر <<بالآلة الثقافية >>
الأنغلوسكسونية، ينبغي الحديث عن تجليات العولمة في البلدان الأقل تقدما، و التي
أصبحت مجرد مستهلك لمنتوجات هذه الصناعة الثقافية IC التي يسميها جاك براط J.Barrat ب Accessoire du commerce pour une idéologie libérale
mondialiste et nivelante)
2- 1 العولمات وآثارها: يرى فليب
كيو أن العديد من العولمات يؤدي إلى الشمولمحلية ومنها:
1-2-1:عولمة الإنتاج: تطبيق معايير ISO بالمغرب
وانعكاساته الثقافية نموذجا.
إن الدراسة التي قام بها نور
الدين العوفي وميشيل هولارد (Nouredine El AOUFI et Michel HOLLARD) حول أثر معايير
المقاولة على تنظيم الصناعة المغربية، تبين أن الأثر الثقافي للمعايير
الصناعية حقيقة مؤكدة ميدانيا؛ فقد خلص الباحثان إلى أن تطبيق معايير 9000 ISO القائمة على
إجراءات كتابية، والهادفة إلى جعل طريقة اشتغال الجودة داخل المقاولة، يؤرخ لنهاية
الثقافة الشفوية عن طريق صورنة ومنهجة المهارات الشكلية وغير الشكلية، الصورية
وغير الصورية؛
2-2-1 عولمة المعلومة ومضامين البرامج:
لقد سجل جاك براط في كتابة <<الجغرافية الاقتصادية لوسائل الاعلام>>،
الندرة التي تميز استعمال الصحافيين الأفارقة لخدمات الوكالة الافريقانية للإعلام،
ولجوءهم الكثير إلى وكالة فرنسا للصحافة أو رويتر.( REUTER ) .هذا اللجوء الذي يعطيهم جزءا من المسؤولية على مستوى التثاقف
الحالي لإفريقيا؛
3-2-1 عولمة الثقافات، يتجلى أثر
الصناعات الثقافية وأجهزة الاتصال الجديدة في الاختفاء التدريجي لوسائل الإعلام
التقليدية، إذ يلاحظ باراط ، في كتابه المذكور، أنه منذ بداية التسعينيات، بدأت
وسائل الإعلام الجديدة ، كالراديو والتلفزة، تسيطر على حساب الوسائل التقليدية؛ حيث
إن عدد الراديوهات عند البيتي ( Beti )
بالكامرون مثلا، كان أكبر من عدد الطام طام tam tam المفيتmvet ( وسائل اتصال تقليدية ) . ويرجع ذلك في رأي باراط، إلى قدرة
الوسائل الجديدة على نشر المعلومات والأخبار في الوقت الفعلي ( temps réel )، كما هو الشأن بالنسبة إلى نتائج مباريات كرة القدم . إن وسائل
الإعلام الجديدة تمنح المعلومة شكلا ودلالة مثيرين لا يتركان أي مجال
للوسائل التقليدية .
2- عدم التكافؤ بين
الشمال والجنوب على مستوى الإعلام
1-2 نظرية الاستغلال
النيو-امبريالية : في سنة 1913، دافعت روزا لوكسومبورغ ( Rosa Luxembourg ) في << تراكم رأس المال >>، عن الأطروحة التي تقول بأن
الرأسمالية لا يمكنها أن تعيش إلا باستغلال شعوب غير رأسمالية .وقد استعمل بعض
الأمريكيين والفرنسيين والعرب - ومنهم سمير أمين وارغيري إمانويل ( Arghiri Emmanuel ) - مفهوم التطور اللامتكافئ . وفي هذا السياق أشار بيير جولي ( Pierre Jolée ) في مؤلفه << نهب العالم الثالث >>، إلى أن
وضعية التبادل بين الشمال والجنوب، ما فتئت تتدهور، وأن الطبيعة اللامتكافئة
للعلاقات تكرس رفاهية الشمال وتقدمه على حساب الجنوب المتخلف .كما
أشار أرمان ماطلارد ( Armand Mattelard ) سنة 1976 في كتابه : << الشركات المتعددة الجنسية وأنظمة
التصال >>، إلى أن الشركات المتعددة الجنسية والتي توجد في خدمة الولايات
المتحدة الأمريكية، تشكل دعامات الاستغلال الرأسمالي العالمي . كما أن الأمبريالية
الثقافية التي تتجلى كذلك في الاستثمارات الكبرى في وسائل الإعلام والأنشطة
الثقافية تمكن من نشر نماذج الاستهلاك الرأسمالي، وبالتالي تكرس هذا الاستغلال .
وقد تمخضت هذه الوضعية اللامتكافئة عن تصاعد تيارات المعارضة والاحتجاج في بلدان
الجنوب ما بين 1970 – 1985، حيث دعا المؤتمر العام لليونيسكو سنة 1976، إلى
نظام عالمي جديد في توزيع الثروة الإعلامية . ووجه ثلاثة اتهامات إلى بلدان
الشمال:
- أولا : إن بلدان الشمال تهمل الجنوب،
إذ إن معظم وسائل الإعلام في الشمال لا تخصص لما يقع في بلدان الجنوب من
أحداث إلا حيزا صغيرا إن لم نقل منعدما؛ مثلا، لم يحظ خبر حصول سورينام على
استقلالها في نونبر 1975، إلا بقيمة رمزية في وسائل الإعلام الغربية، إذ أن الحدث
لم يشغل إلا 3% من الأخبار المخصصة للخارج في الجرائد الرئيسية للقارة الأمريكية
الجنوبية؛
- ثانيا : إن المعلومة مزورة أو ملفقة؛
وبالتالي فإن الخبر – في حالة نقله النادرة – لا يكون صحيحا ومن مصادر موثوقة .كما
ترى بلدان الجنوب أن الصورة التي تقدمها وكالات الأنباء الدولية ـ التي هي غربية
جميعها - عن الجنوب، صورة تخدم مصالحها . وقد رأينا حالة استقلال سورينام .
- ثالثا : إن بلدان الشمال تمارس
امبريالية ثقافية وتستعمر العقول نتيجة حرية انتقال و رواج المعلومة بين الشمال
والجنوب، ونتيجة غزو الجنوب من قبل وسائل الإعلام و أفلام البلدان الغنية التي
تلعب دورا مركزيا في تأمين وتهدئة وضعية الهيمنة الممهدة للاستعمار .
وفي هذا السياق، بدأت بلدان
الجنوب تطالب بنظام عالمي جديد للإعلام والتواصل (NOMIC)، و أنشئت في سنة 1977، لجنة برئاسة ماك بريد ( Mac Bride )، المؤسس الأول للجنة العفو الدولية ( Amnnisty International ) . وفي سنة 1980، أصدرت قرارا تمفصل حول خمس تيمات رئيسة هي :
· تواصل ومجتمع؛
· التواصل في الوقت الراهن؛
· اختلال التوازن، التشويه، والدمقرطة؛
· الإطار المؤسساتي والمهني؛
· التواصل في المستقبل .
وعموما، أكد التقرير سيطرة الشمال على
الجنوب ومسؤولية البلدان الغربية، بصفة خاصة الولايات المتحدة على هذه
الوضعية .لكن الانفراج بين الشرق والغرب، ثم التحولات التي أعقبت كل ذلك
ساهمت إلى حد كبير في انهيار فكرة (NOMIC) و ظهور ثلاث أطروحات :
أ ) الأطروحة المعتدلة التي عبر
عنها ليبولد سيدار سنغور، الرئيس السنغالي الراحل ، وتقول بأن وسائل الإعلام يمكن
أن تساهم في تنمية الجنوب دون المس بسيادة بلدان الجنوب؛
ب) الأطروحة الاشتراكية التي تدعو إلى
ضرورة تحرير الإعلام من
الاستعمار
(
décolonisation de l’information ) عن طريق تأميم شامل لوكالات الأخبار ومقاولات الإعلام ؛
ج) الأطروحة الليبرالية التي تعارض
التأميم وتدعو إلى الخصخصة وفي الوقت نفسه ترفض هيمنة الشمال في مجال الإعلام .
ويفسر جاك باراك اختلال التوازن بين
الشمال والجنوب بالتوزيع غير العادل للبنيات التحتية الضرورية للإنتاج ،
وبالتالي تفوق الشمال في مجال إنتاج المعلومة والخيرات الثقافية ( الحقوق)، ومن
ذلك :
- النشر: نشرت إفريقيا السوداء سنة
1986،حوالي 10000 عنوان، مقابل 250000 في أوربا . وتقابل هذه الأرقام بالنسبة
لإفريقيا السوداء، نسبة 1,2% من المنشورات العالمية . إن فحص عدد العناوين التي
تظهر بالنسبة لكل مواطن يبين الهوة العميقة بين البلدان المتقدمة والبلدان
المتخلفة . إن إفريقيا لا تتوفر إلا على 23 عنوانا لكل مليون نسمة، بينما تتوفر
أوربا على 578 عنوانا لكل مليون نسمة؛
- الصحافة اليومية والمؤقتة: وتتأثر
بعدة عوامل منها التقاليد الثانوية والتخلف؛
- السينما: تمثل السينما، وسيطا و وسيلة
إعلام للترفيه في بلدان الجنوب. وتعتبر القارة الآسيوية منتجة للسينما
ومستهلكة لها. أما إفريقيا السوداء، فإنها مميزة بالجودة رغم قلة الإنتاج.
الراديو والتلفزة : الشمال أكثر إنتاجا
والجنوب أكثر استهلاكا .
2-2 التكنولوجيات الجديدة للإعلام
والتواصل NTIC في خدمة التنمية .
بحسب برنامج الأمم المتحدة للتنمية : PNUD، وانطلاقا من
التقرير العالمي حول التنمية البشرية، نجد أن (ت ج إ ت NTIC )، يمكن أن يكون
لها أثر إيجابي على التنمية لأنها تسمح بتجاوز عوائق العزلة الاجتماعية
والاقتصادية والجغرافية، كما تسمح بزيادة القدرة على الحصول على المعلومة
والتربية، و تسمح للأفراد الفقراء بالمشاركة في اتخاذ القرارات التي تهم
حياتهم. وقد قدم التقرير أمثلة الحملة العالمية عن طريق البريد الإلكتروني، التي
ساهمت في قلب نظام الرئيس Estrada في الفيليبين؛ كما تحدث عن الشبكات الصحية التي نجحت في
غامبيا والنيبال، ناهيك عن التعلم عن بعد الذي شهدته تركيا، وخلق مناصب
الشغل في كوسطا ريكا وأفريقيا الجنوبية والهند . وقد لاحظ التقرير أن NTIC تشكل
أملا حقيقيا من أجل الديمقراطية ونشر المعرفة بالنسبة للأفراد الفقراء . أيضا أشار
التقرير الأممي إلى ثلاثة عوامل تعكس مستوى تقدم NTIC في العالم وهي :
عامل عدد الأفراد الذين يترددون على الانترنيت؛ و عامل عدد المواقع وييب؛ ثم عامل
تكلفة الربط أو الوصل .
3- عدم التكافؤ بين
جنوب وجنوب
يؤكد جاك باراط أن الاختلالات الموجودة
بين بلدان الجنوب ذاتها، لا تقل أهمية عن تلك الموجودة بين بلدان الشمال وبلدان
الجنوب . كما أن انهيار الاتحاد السوفياتي أدى إلى اختفاء أفهوم << العالم
الثالث >>، حيث أصبح من المناسب حاليا أن نميز، ضمن بلدان الجنوب، بين أربع
مجموعات مرتبة بحسب مستوى تقدم وسائل الإعلام فيها ومستوى اقتصادها :
1-3 بلدان حديثة التصنيع : تضم هذه
المجموعة البلدان المتخلفة الأكثر حداثة واستغرابا ( تأثرا بالغرب )، والتي نمت
فيها وسائل الإعلام دون التفريط في تقاليدها الثقافية المرتبطة بالصحافة المكتوبة
. ويوجد بعض هذه البلدان في آسيا وبعضها في افريقيا البيضاء؛
2-3 بلدان أقل تقدما : هي البلدان
المتخلفة الأكثر فقرا والأقل حداثة وتحديثا،حيث يقترن ضعف وسائل الإعلام بالتقهقر
الاقتصادي . وهذه حالة معظم بلدان افريقيا،حيث سيادة الشفوي على الصحافة المكتوبة
التي جاء بها الاستعمار؛
3-3 بلدان في طريق النمو : هي دول
متخلفة،لكنها في وضعية وسطى، حيث الفرق بين النمو الاقتصادي ونمو وسائل الإعلام
فرق شاسع؛
4-3 البلدان ذات التوجه الاشتراكي :
بلدان متخلفة ما زالت متشبثة، قليلا أو كثيرا، بالاشتراكية، حيث إن وسائل إعلام
الدولة تعبر عن اقتصادها ونظامه السياسي، ومنها الصين وفيتنام و كوريا
الشمالية و وكوبا و أنغولا وموزمبيق .
4- مجتمع جديد ورهانات
جديدة
1-4 ثورة رباعية : لقد أثار
فليب كيو في كتابة الهوية الثقافية والأخلاقية للكون، الثورة الرباعية التي يحدثها
الدخول في مجتمع الإعلام :
أولا : ثورة ثقافية: إن قيام
مجتمع الإعلام الذي تشكل الانترنيت ركيزته الأساسية، ليس مجرد ثورة تقنية، إنه
انقلاب كبير كذلك؛ فوسيلة الإعلام الجديدة يمكن مقارنتها بمطبعة عالمية كونية
شخصية ، وحاضرة في كل مكان بأثمان مناسبة، ويمكن أن تقارنها بظهور الأبجدية، فهي
تقودنا إلى طريقة جديدة في الانوجاد وفي أن نكون، وتغير نظرتنا إلى العالم .
ويمكن أن تؤدي هذا الثورة إلى انبثاق
ذكاء يفيد كثيرا في حل المشاكل الأكثر تعقيدا وشمولية؛
ثانيا وثالثا :ثورة اجتماعية
واقتصادية: لم يعد الاقتصاد يكتسي النزعة المادية فقط، بل أصبحت التنمية تكتسي
كذلك أبعادا أخلاقية واجتماعية ضرورية؛ كما أصبحت المؤسسات والمقاولات متعددة
الجنسية، و أصبحت الفجوة عميقة بين <<الزمن الفعلي >> للمالية
والمضاربة الذي ينقل ملايين الأورو ( euro) يوميا والزمن الطويل لهجرة الأشخاص المطرودين بفعل الجوع أو
الحرب . وفي هذا الزخم والتدفق السريع يصير بطء الإنسان في الحركة والتنقل عيبا
كبيرا و مؤشرا إلى غياب التأهيل؛
رابعا ثورة سياسية: إن إلغاء
السياسة التنظيمية بالنسبة للاتصالات، والتقهقر المرتبط داخليا بالمجال القبطاني ( cyberespace )، أديا إلى تراجع سيادة الدولة.
وأمام هذه الصدمة يتساءل فليب
كيو: إلى أي فطنة وتعقل نحتاج اليوم؟
إننا في حاجة إلى تبني أخلاقيات كونية
من أجل تنظيم الاقتصاد الذي هو معولم . وهذه الأخلاقيات تعطي الدولة مصداقية
الاستمرارية والنفوذ؛ كما يمكن أن تشكل أسا لتشييد حضارة عالمية .
2-4 الغموض La confusion
: إن هذه الثورة الرباعية تزج بنا في مجتمع جديد ومجهول، وتؤدي بالتالي إلى غموض
في مخططات القراءة والتأويل . ويمس هذا الغموض أولا اللغة، حيث نخلط بين
الصور والحقائق، وبين الاستعارات والنماذج، وبين الكلمات والمفاهيم. كما تمس
مختلف العمليات العقلية،حيث يتداخل التفكير السليم الواضح والتفكير الظلامي،
ويتداخل الكذب والحق.
كما يتعلق الأمر بغموض القيم بالمعنى
الاقتصادي والمعنى الفلسفي على السواء، فانهيار الأوراق
(les bulles )، المالية والعقارية، و واقع أسواق المضاربة لا يمكنان أبدا من
معرفة قيمة الين اليابانيYen، أو معرفة ثمن المتر المربع في غنزا ( Ginza )؛ الشيء الذي ينتج عنه غموض والتباس في الغايات والوسائل،
وسيطرة قانون السوق على مفهوم الإنسان، ثم تزايد ظاهرة المضاربة والغلاء.
إنه أخيرا، غموض في مستويات الحقيقة والواقع. فالمحاكاة والحقيقة الافتراضية
والحقيقة المبالغ فيها، كل ذلك أصبح أكثر حقيقية من الحقيقة و واقعية من الواقع.
1-3-4 التناقض بين المكان و
اللامكان،المحل والعالمي.
إن
المجال القبطاني مجال بدون حدود وذو طبيعة تتجاوز الحدود الوطنية؛ فهو يخترق
الأقاليم والبلدان .
2-3-4ا لتناقض بين القانون واللا قانون:
تطبق القوانين الوطنية على نفس المجالات التقديرية بقدر ما تطبق مع مجالات تتعارض
معها. وقد أثار فليب كيو التعارض بين الدفاع عن كوبيرايتCopyright
وتشجيع نظام كوبيلفت Copyleft،انطلاقا من فكرة البحث والاختراع.
3-3-4 التناقض بين المصالح الخاصة
والمصالح العامة بين الغاية والوسائل :أمام الممارسات التي تقوم بها بعض المصالح
الخاصة لفائدة تعويض إجارة ممتلكاتها الثقافية، نتساءل عن المكانة المخصصة للمصلحة
العامة ؟ إن محاولات وضع براءة للجينوم البشري breveter
le génome humain،
جوهر quintessence التراث المشترك للبشرية، تبين الثقل المتزايد للمجال الخاص على
حساب المجال العمومي ؛ فما هي إذن، المكانة التي ستخصص لكل منهما داخل
المجال القبطاني؟ إنه من الضروري أن نعمل على تطوير مجال عمومي غني على الشبكات،
مجال يسمح بالحصول على المعرفة والتعبير عن التعددية الثقافية والمنطق التشاركي .
إن قلب العلاقة الحالية بين الخاص والعمومي يجب أن يمر، كما طالب بذلك كانط،
بمرحلة ضرورية هي تغيير المواطنين Transformation
des citoyens وتحويلهم
إلى مشرعين للكوني Législateurs du l’universel . وهذا هو الشرط الكفيل بقيام أخلاق عالمية .
5 - دخول إفريقيا في
مجتمع الإعلام وجامعة الكوني
إن الدارة القصيرة (
الشمولمحلية- إلغاء الوساطة- إلغاء السياسة التنظيمية) تحدث كيطوهات ( ghettos)، وقبائل وعشائر مقصية و
مهمشة؛ حيث تتعمق الفجوة بين الأغنياء معلوماتيا أو أغنياء الإعلام، والفقراء
معلوماتيا أو فقراء الإعلام، ( les info-riches et les info-pauvres ) ونجد أنفسنا أمام منحنيين للتنمية متعارضين، فالأغنياء
إعلاميا أكثر استفادة من( NTIC)
ويمكن أن يحصلوا،عن طريق الشبكات،على المعرفة اللازمة لتطوير مقاولاتهم على عكس
الفقراء إعلاميا الذين لا تتوافر لديهم حتى كفاية الاستعمال .
وأمام هذا التناقض بين الشمال
والجنوب، بين البلدان الغنية والبلدان الفقيرة، يرى فليب كيو أنه لابد من إعادة
اكتشاف التعليم من أجل رفع هذه التحديات الجديدة، وذلك عن طريق إنشاء جامعة كونية
.
2-5 الجامعة الكوني ( université de
l’universel)
1-2-5 جامعة وسيطة ( université
catalytique ):
يجب أن تكون جامعة تحل المشاكل وتجعل كل شيء سهل المنال؛ يجب عليها أن تصبح عابرة
للتخصصات، وتمنح وسائل إقامة العلاقات والتفاعلات بين الباحثين والمختصين.
يجب عليها أولا، أن تمنحنا وسائل فهم
الأشكال الجديدة للتفكير وتأمل وتدبر العالم الافتراضي يجب أن تضبط التنقل
عبر محيطات المعرفة (les océans du savoir)، والتمكن من التعلم الذاتي والعمل التشاركي من خلال تنمية فكر
شمولي . ويتوقع فليب كيو أيضا، أن يمكن التفكير في شكل نظام ( أي التفكير
النسقي) من النظرة الشمولية لمختلف الروابط بين الأسباب والنتائج، بين
النماذج والواقع...>>
2-2-5
جامعة موصولة université connectée: إن جامعة الغد مطالبة بأن تكون عالمية، أي موصولة بالأنترنيت، و
بجميع قواعد المعطيات أو البيانات ( bases de données )، وبمراكز المعرفة في الكرة الأرضية، جامعة تتوفر على المعطيات
الخام، والنصوص والصور والصوت. كما يجب عليها أن تعلم طرق الحفاظ على الهويات
المحلية دون إغفال التوق إلى اليوطوبيا الشمولية. إنها مطالبة بالحفاظ على التنوع
الثقافي ضدا على محاولات العقلنة المفرطة والنمذجة المقعدة التي يسعى إليها اقتصاد
السوق .
3-2-5
جامعة تعاونية ( université coopérative ) : تسعى الجامعة الكونية إلى تطوير القدرة على
العمل في مجموعات وشبكات، ومع مختلف الشركاء، وإلى جعل بيئة التعلم فيها
بيئة مفتوحة وشمولية تخدم الجميع في كل مكان وزمان، وفي شتى مجالات المعرفة.
وهكذا سيعوض مجتمع العمل (société de travail ) بمجتمع قائم على
الاندماج والمشاركة والإبداع الثقافي والاجتماعي، وعلى قيم السلم والتسامح والرأفة compassion واحترام الآخر، والانسجام مع الطبيعة وصيانتها من جميع أشكال التلوث . ويجب
على <<جامعة الكوني>> أن تتوفر على الأطر الثقافية
والمعنوية لتحقيق هذه الرغبة.
وفي مرحلة الأزمة الكبرى التي سنجتازها،
تبقى الأولوية هي المساهمة في إعادة خلق العلاقة واللحمة الاجتماعيتين
الناتجتين عن الحركة الثلاثية للغموض المشار إليه سابقا؛ وكذلك بالنظر إلى الدارة
القصيرة والفجوة بين الشمال والجنوب . إن مهمة الجامعة الكونية تتمثل في تحديد
وتشجيع وتنمية ثقافة كونية حقيقية، ثقافة تواجه الثقافات المقولبة والمهيمنة التي
يحاول السوق نشرها كونيا. إن رهان ثقافة الكوني هو مخاطبة الجميع، وفي كل
مكان و زمان، واعتبار المجال العمومي ( espace publique ) مجالا لا حدود له، مجالا مجانيا بطبيعته، ممكنا وسهل
الولوج، وبثمن يناسب كل الشرائح الاجتماعية.
ففي سنة 1997، لاحظ باسكال رونو ( Pascal Renaud ) في مجلة << الجامعة >>
أنه في إفريقيا مثلا، لا نجد إلا عددا
قليلا من الخزانات وقليلا من مراكز التوثيق. وتضاف إلى هذه الندرة في العدد ندرة
المحتوى. ولذلك فإن الانترنيت تقدم للجامعة وغيرها من المؤسسات قيمة إضافية من
خلال تمكينها من النفاذ إلى كبريات الخزانات العالمية التي تحتوي على جزء مهم من
الإنتاج العلمي العالمي؛ فهناك مراجع غنية ووافرة بالإنجليزية والفرنسية.
وعلى مستوى تعلم البحث الذاتي،
يمكن أن تصبح الانترنيت أداة أساسية للتكوين بالنسبة إلى الجنوب. إن قدرة
الاستقلال قدرة مؤكدة وهادفة إلى إنشاء مقاولة أو تسيير مجموعات، أو تنمية بعض
الأنشطة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية. ولتحقيق هذا كله، لم نعد في حاجة إلى
استثمارات كبرى، ولكننا في حاجة إلى تكوين تقني . إن الحواسيب الموصولة بالانترنيت
في الجامعة وسيلة ناجعة وفعالة لربط هذه المؤسسة التربوية والعلمية بالعديد من
مراكز التوثيق العالمية .
خـاتـمـة : يثير هذا النص إشكالية كانت
ومازالت تؤرق الباحثين ؛ إنها إشكالية العلاقات اللامتكافئة بين بلدان فقيرة أو
مازالت تتحسس طريقا للتنمية، وبلدان غنية يزيد تقدمها بطرق قد تكون مقبولة وقد
تكون غير مقبولة.
ويشمل عدم التكافؤ
هذا،جميع الميادين الاقتصادية والثقافية والتكنولوجية . ورغم أن بعض البلدان
النامية قطعت أشواطا هامة في طريق التنمية والحصول على التكنولوجيات الجديدة
للإعلام والتواصل، فإن الفجوة الرقمية Fossé numérique تظل عميقة بين الشمال والجنوب.( انـتـهـى).
ملاحظة
: لقد اعتمدنا، في ترجمة هذا النص، على موسوعة الترجمان المحترف، 4 أجزاء حيث :
مصطلحات خاصة بالاتصالات ومصطلحات المعلوميات، ناهيك عن بعض المعاجم
والقواميس والكتب