السخرية كتوسط .
قراءة في كتاب الأستاذ
عبد السلام بنعبد العالي "لعقلانية
كساخرة"
مصطفى العارف
في كل كتابات الأستاذ
بنعبد العالي يلاحظ القارئ المحتك بنصوص هذا المفكر تركيزه على تهديم الثنائيات
المسلم بها. ويأتي كتابه الأخير "لعقلانية ساخرة" عن دار توبقال
للنشر 2004 تتويجا وتأكيدا لكتاباته السابقة مثل ثقافة الأذن وثقافة العين،
بين-بين، ميثولوجيا الواقع، والتي أتت كلها ككتابات شذرية، فالكتاب
الذي بين أيدينا هو عمل شذري، بلا مقدمات ولا خواتم، بدون تبويب ولا تقسيم ولا
تنظيم.
فالكتابة الشذرية تحاول
إيجاد موضوع من اللاموضوع، إنها كتابة لا تؤمن بموضوع واحد وموحد، لا تستند
الشذرات إلى فكر موحد، ولا تعطي شكلا وقالبا معينا للفكر، بل إنها تحاول تخليص
الفكر من كل القيود التي تكبله وتجعله واحديا،
الشذرات تعدد واختلاف، ومن الاختلاف وفي الاختلاف يتأسس الفكر. وكتاب
الأستاذ بنعبد العالي يمشي في هذا السياق إنه كتاب بلا موضوع وان كان
معنونا بعنوان " لعقلانية ساخرة"، يوحي العنوان للوهلة الأولى أن
الكتاب يتحدث من العقل الساخر، لكن ما أن تطل على متن الكتاب حتى تجد انه يسبح في
مواضيع ومجالات وسياقات لا علاقة لها بالعنوان. يخيل لك عند القراءة الأولى أن
المؤلف يركز على لعبة الخفاء وآليات العمل ويستبعد كل ما بإمكانه ان يصنف الأمور
إلى صواب-خطأ، خير- شر، حق-ضلال.... فالعقل الساخر لا يميز بين الصواب والخطأ أو
الخير والشر و إنما يحاول أن يبين كل مرة أن الثنائيات المعهودة في مجال المنطق
والأخلاق ليست بالتمايز والصرامة المزعومة، وان بينها دائما قيما تتوسطها. هو إذن
عقل المفارقات، إنه يضع نفسه خارج الخطأ والصواب (ص 7)إنه يسخر من صرامة التقسيمات
والتبويبات وجدية التنظيمات، ذلك أنه يلعب على الإيماء والتلميحات أكثر من الإبانة
والوضوح إنه اكثر ميولا نحو الغموض والتلبيس. فهو يحتال بشتى الطرق كي يوقع العقول
الجدية في ارتباك، وينزع عنها وقارها، ويفقدها ثقتحا بنفسها ويخرجها عن
صوابها" (ص8). ولا يستند العقل الساخر إلى أية سلطة في عمله هذا، لكنه لا
ينصب من نفسه سلطة كذلك (ص8)، انه يؤمن بان السلطة إنتاج وليست فوقية، السلطة
استراتيجية يمكن أن تستغل من طرف أي كان، لذلك فهو يحاول تجنبها والنيل منها
لمقابلتها بما يضادها.
والأكيد أن الأستاذ
بنعبد العالي يبقى وفيا لنزعته الشكية والوقوف موقف حياد من كل الأمور الدائرة
حولنا والتأكيد على السخرية والتهكم كمنطلقات أساسية للوقوف عند آليات العمل
وإنتاج المعاني والدلالات، لازلت أذكر تدخل الأستاذ بنعبد العالي في ندوة ربيع
الفلسفة والتي نظمت بفاس منذ اكثر من عامين، والذي ركز فيه على مفهوم التهكم كفعل لخلخلة المفاهيم والقراءات
الواحدية والنيل من الفكر الدوغمائي الذي يدعي القدرة على التمييز بين ما هو صحيح
وما هو خطأ ،ما هو حق وما هو ضلال، وكانت نبرته تؤكد على مفهوم التهكم كطريقة لفضح
ما يثوي وراء المعاني وما يختبئ وراء الدلالات. فهذه الاخيرة نتاج جهد وعراك
"وعنف"، وانها بنات الليالي المعتمة وليست وليدة الصباحات الوضاءة.
ومشيا على هذا النهج يقرأ الأستاذ بنعبد العالي نظرية "صدام
الحضارات" ويحاول اكتشاف قوتها ليس في شكلها ولا في محتواها وإنما في
كونها جاءت في وقت كان العالم فيه في أمس الحاجة إلى أوهام جديدة (ص19)، فهي لا
تستهدف الوقوف عند حركة التاريخ وإنما رصد آفاقه والمساهمة في خلق
ممكناته(ص20)،انها تدخل ضمن آليات جديدة أخذ العالم المعاصر يخضع لها، لا هي
بالاليات المنطقية ولا بالآليات الايديولوجية مع ما يفترض فيها من تشويه وقلب،
وإنما هي آلية تجعل الأشياء حقيقة بمجرد التأكد على أنها كذلك.
لقد تنبأ هانتنغتون
بصدام للحضارات، وها هي اليوم الدول العظمى تجعل من نقسها عدوا لعدو وهمي أنشأته
بعد ان تأكد لها سقوط كل أعدائها، فبدأت بخلق عدو أعطته من الأسماء "الإرهاب"
وللتسمية هنا دور لا يستهان به، فالتسمية نظام تسلط وامتلاك، وأصبح كل من هب ودب
يتحدث عن فعل الإرهاب ولو من باب المزحة، فسيان أن تملأ ظرفا بجمرة خبيثة أو دقيق
أبيض، فهما في الحالتين معا يكتسيان الدرجة نفسها من الخبت ويخلفان النتائج ذاتها،
فللوهم هنا مفعول الحقيقة وللمزحة مفعول الجد(ص26). لم يعد الشر اليوم آتيا من
خارج وإنما أصبح ذائعا شائعا مبتوتا في كل مكان قادر في أية لحظة أن ينزل من
السماء، فلم تعد العمليات الإرهابية محتاجة إلى تخطيط وتدبير وإنما أصبحت تنطلق
وحدها وغدت تتولد عن أسباب وهمية، يكفي لشخص أن يأخذ في الجري داخل مطار لدواع قد
تكون فسيولوجية، حتى يغلق المطار وتعلق حالة الطوارئ وتتعطل رحلات ويختل نظام
الزمان والمكان وموازين الاقتصاد(ص 25).
يتحدث بنعبد العالي عن
الأزمة من منطلق إيجابي-وليس هناك توسط- فالأزمة ليست هي الندرة، وهي ليست أبدا
انعدام الإنتاج ولعل العكس هو الصحيح. اغلب ما عرف من فترات التاريخ بأنه فترات
أزمة وتشكيك وارتياب، كان عهد ازدهار فكري وغزارة إنتاج. نكون أمام أزمة إبداع أو
أزمة كتابة عندما تظهر نصوص "متمردة" يتعذر علينا تصنيفها ضمن جنس أدبي
بعينه(ص 47). لكن النص المتمرد هو الذي لا يكتفي بأن يلوك المكرور،انه يرفض تقليدا
لم يعد الا اجترار (ص 47). ان النص المتمرد هو الذي ينفصل عما يجري به الامر عادة،
إنه نص يعطي أهمية للهامش على المركز. فالهامش هنا مرتبط بمركز مشدود إليه
منجر نحوه، إنه ليس خارج داخل وإنما هو الحركة التي تبين ان كل داخل ينطوي على
خارجه (ص 58). إنه القوى المتنافرة والتوترات والتناقضات التي تجعل كل داخل
"يخرج"عن ذاته و "يرحل" عنها (ص 58). تحاول الكتابة المتشظية
تجسيد هذا النوع من الاهتمام بالهامش،انها تحيلنا إلى الكائن كحقل متنوع مفتوح لا
يرتد الى شفافية المفهوم، ويرفض كل تعميم وكلية. ان الشظايا تكرس نسيانا فعالا
لماضيها. زمانها ليس الزمان الهيغيلي الذي يركب لحظاته ويضمها في مفهوم موحد إنه
ليس الزمن الكلياني، وإنما زمان الانفصال والتعدد الذي يقضي على الوصل الذي يرمي
الخطاب إلى بلوغ المعنى النهائي واستخلاص "النتيجة" بعد المدخل و
"النمو والتحليل". وهكذا فبدل "بحر البرهان" تقيم الشظايا
"جزر معان" .وهي تفسح المجال لظهور ذات تفتت نفسها عبر الكتابة،
وتنسج خيوط أفكارها عبر زمنها المفصول. إنها تسعى لأن تلخص كثافة الحياة في نص غير
كثيف، وتقحم اللانهائي في فضاء محدود والتناقض في الاستدلال المنطقي(ص 54).
لكن أليست الكتابة
المتشظية هي نوع من نهج تساؤلي لا يهدف إلى إيجاد الأجوبة وانما فقط لخلق الخلل
والأزمة ؟ ومن جهة أخرى إن كان العقل الساخر يهدف إلى الإيقاع بالعقول الجدية
وينزع عنها وقارها وصرامتها ويحاسبها على استنادها إلى سند معين أو سلطة معينة
لصياغة الأجوبة، أفلا يستند العقل الساخر على سخريته ويستغلها كسلطة للنيل من
خصومه؟ ألا يتموقع هذا العقل بدوره في موقع سلب- إيجاب عندما يتحدث عن
مميزات السخرية ؟.
صحيح أننا يمكننا أن
نلحظ ولو لمرة واحدة نسبية هذه الثنائيات في واقعنا المعاش يوميا، لكننا لن نستطيع
أبدا أن نرد هذه الثنائيات إلى البعد الميتافيزيقي فقط. وان استندنا إلى القيم
التي تتوسط هذه الثنائيات ألا نستند الى
مرجعية تؤسس وتنتج لمعان ودلالات وأشكال معينة للتفكير والفكر تكون بمثابة الحقيقة-الصورة
لما استندنا عليه وانطلقنا منه. إن تتبعنا خطوات هذه الأسئلة فإننا لن تنبنى
عقلانية ساخرة وإنما سنحاول خلخلة الثنائيات الميتافيزيقية الصارمة وتبيان القيم
التي تتوسطها وفي نفس الوقت سنبقى على هذه الثنائيات لأنها ستعيننا في تقييم
موضوعي للأفكار التي نتلقاها.