ص1     الفهرس  51-60 

الشعرية اللسانية والشعرية الأسلوبية

محمد القاسمي

تمهيد:

عرفت البلاغة في صورتها الغربية، خلال القرن التاسع عشر، تراجعا ملموسا. ولعل أسباب ذلك كثيرة، لا يسمح المقام باستعراضها، أهمها انحصار كل الجهود في وضع المصطلحات والتقسيمات والتصنيفات، المملة أحيانا، وتحول الخطاب البلاغي إلى قوالب جاهزة ومحنطة، وأصبحت الصور البلاغية تستعمل أدوات لوصف الإبداع الأدبي وليس لإنتاجه.

ومنذ الخمسينات من هذا القرن عرف الدرس البلاغي قفزة نوعية وكمية بفضل بعض المناهج الحديثة كالبنيوية والأسلوبية والشعرية والسميولوجيا[1]. وقد كان رولان بارت من النقاد الأوائل الذين فطنوا إلى ضرورة بعث البلاغة من جديد ودراستها في ضوء مفاهيم حديثة ومناهج جديدة. وهكذا نجده يخصص كل محاضراته منذ 1964 في المدرسة التطبيقية للدراسات العليا: E.P.H.E  لتحليل بلاغة أرسطو مهيبا بالمشاركين في ندوة "سوسيولوجية الأدب" بضرورة إعطاء أهمية كبيرة للتحليل البلاغي[2]. وفي فترة متقاربة استند جيرار جونيت في تحديد "فضاء اللغة" على مجموعة من البلاغيين القدماء من أمثال (دومارسيه) و(لامي) و(فونطانيي) وغيرهم[3]. وفي نفس السياق، أي ربط القديم بالجديد ومحاولة البحث عن أصول التجديد في البلاغة، نستحضر الإنجازات القيمة لكل من جان مولينو ومولينيه وتودوروف ونيكولا ريفي وغيرهم.

إن البلاغة القديمة عند هؤلاء ما زالت سارية المفعول، كما أن جل مفاهيمها تعمل باستمرار، رغم أنها تلقب بأسماء جديدة وأن النظام البلاغي القديم قد أصبح أكثر مرونة لأنه تكيف مع معطيات الدرس الأدبي الحديث، بل أكثر من ذلك إن بنية الخطاب البلاغي مرتبطة بمحاولة البحث في نظرية الأدب بصفة عامة. وفي هذا الصدد ظهرت بعض المحاولات الجادة داخل الفضاء البلاغي تندرج ضمن ما يعرف بالشعرية البنيوية أو الشعرية اللسانية. ويمكن أن نؤصل لهذه المحاولات بالعودة إلى أعمال جان كوهن[4]، وتودوروف وفاركا وجماعة مو البلجيكية وشارل برونو وموريس بلانشو وغيرهم.

1 – الشعرية اللسانية:

تنطلق الشعرية اللسانية في تأسيس موضوعها من مسلمات أساسية أهمها:

أ – إن البلاغة القديمة لم تعد قادرة على تحديد مواطن الجمال في النصوص الإبداعية لأنها اقتصرت على التصنيف والتبويب، وتعاملت مع الأشكال التعبيرية المختلفة كالوزن والقافية والاستعارة والتقديم والتأخير والحذف بوصفها أنماطا معزولة، وظواهر مستقلة وانزياحات فردية، حيث لم تكلف نفسها عناء البحث عن البنية المشتركة بين القافية باعتبارها مقوما صوتيا والتقديم والتأخير باعتباره مقوما تركيبيا والاستعارة بوصفها مقوما دلاليا. وبطبيعة الحال فإن الشعرية اللسانية تسعى إلى تجاوز استقلالية الانزياحات بعضها عن بعض لتقيم مكانها جدلية الانزياحات كل حسب وظيفته ومستواه اللساني، إنها باختصار تقيم ما يسميه كوهن بشكل الأشكال[5]، من خلال البحث عن الأساس المشترك بين الأشكال المختلفة تفضي في النهاية إلى نظرية متكاملة تتضمن مجمل العمليات التي ينبني عليها الشعر.

ب – كانت الشعرية التقليدية تتناول الفرق بين الشعر والنثر من وجهة نظر ضيقة، حيث كانت تنظر إلى الشعر "على أنه النثر مضافا إليه الوزن والقافية وعندما يتجرد من الوزن والقافية ويتحول إلى نثر يعود إلى ما يستطيع القارئ أن يفهمه"[6]. ومن هنا فإن الفرق بين الشعر والنثر فرق كمي فقط، فالبلاغة القديمة كانت تتصور أن القول الشعري لا يكتمل إلا بإضافة ما تسميه بالمحسنات الجمالية، وهذه المحسنات لا تتوفر، طبقا لقواعد البلاغة، إلا في النصوص الإبداعية. وقد ظل هذا التصور سائدا لمدة طويلة خاصة في العصور التي ازدهرت فيها البلاغة التقليدية.

الواقع أن مثل هذا التصور يفضي إلى إقامة نظرية عاجزة عن إدراك القيمة الجمالية للنص الإبداعي وتحديد بنيته الفنية[7]. وهذا ما دعا الشعرية اللسانية إلى إعادة طرح القضية من جديد مقررة أن الفرق بين الشعر والنثر يتم من خلال الشكل وليس المادة، أي من خلال المعطيات اللغوية الداخلية وليس المضامين التي تعبر عنها تلك المعطيات. ومن هنا فإن مجرد زينة وحلية للخطاب الشعري بل إنها خصائص جوهرية وسمات أساسية في الخطاب الشعري، فهذه الصور البلاغية كما يقول كوهن "ليست مجرد زخرف زائد، بل إنها لتكون جوهر الفن الشعري نفسه فهي التي تفك إسار الحمولة الشعرية التي يخفيها العالم، تلك الحمولة التي يحتفظ بها النثر أسيرة لديه"[8]. إن الشاعر، وفق هذا التصور، يفكر بطريقة شعرية منذ البداية أي أنه لا يرتب أفكاره نثرا ثم يحولها إلى شهر[9] بإضافة محسنات لغوية بديهية لأن "طريقة التعبير الشعري تحمل أفكار الشعر الخاصة بحيث تصبح الفكرة نفسها فكرة شعرية ويصبح تجريدها من صياغتها الشعرية تدميرا لها بوصفها شعرا"[10].

ـ إن البلاغة القديمة فقدت وظيفتها الأساسية في تأويل النصوص الأدبية لتصبح مجموعة من القواعد المعيارية، وفي المقابل فإن الشعرية الحديثة لم تعد تهتم بابتكار أدوات الإنتاج الأدبي بل تهتم بإنتاج أدوات للوصف والتحليل[11].

ومعلوم أن الشعرية اللسانية تحركت داخل إطارات نظرية ومنهجية مختلفة، وسنقتصر هنا على تيار قوي احتضن اللغة الفنية باعتبارها انحرافا أو انزياحا عن المعيار وهو ما يعرف بنظرية الانزياح، لتماسكه المنهجي وقابليته للتعميم على نصوص إبداعية أخرى ومنها نصوص تراثنا الشعري.

مفهوم الانزياح:

قبل تعريف مفهوم الانزياح أو ما يسميه بعض المتخصصية بالعدول أن المجاوزة نشير إلى أن جون كوهن قد شيد صرحه النظري والمنهجي في تحليل "بنية اللغة الشعرية" على مجموعة من الثنائيات، رغبة منه في إضفاء طابع العلمية والموضوعية على عمله من جهة، وتجاوز الانطباعية والتأثرية التي سقطت فيها البلاغة القديمة من جهة أخرى. ولعل أهم ثنائية اعتمدها كوهن في تحليل الخطاب الشعري ثنائية: (معيار/انزياح) أو ما يعرف اختصارا بنظرية الانزياح[12].

والواقع أن مفهوم الانزياح قد استعمل أول مرة في الدراسات الأسلوبية خاصة عند ريفاتير وبالي وسبيتزر، ولكن كوهن أعطى المفهوم بعدا آخر وطوره حتى ارتبط باسمه. فما المقصود بالانزياح عند كوهن؟

إن مفهوم الانزياح عند كوهن لا يختلف عن التعريف الذي يعطيه شارل برونو للواقعة الأسلوبية، فالأسلوب عنده "هو كل ما هو ليس شائعا ولا عاديا ولا مطابقا للمعيار العام"[13]. ومن هنا يمكن القول إن الأسلوب انزياح، وحينئذ لا نحدد ما يوجد فيه، ولكن نحدد ما لا يوجد فيه، أي أن الأسلوب هو ما ليس شائعا ولا مألوفا ولا مصوغا في قوالب مستهلكة. إن الرسالة لا تعد شعرية إلا إذا انزاحت عن سنن اللغة أو بتعبير بارت إن الأسلوب يحدد بالقياس إلى درجة الصفر في الكتابة، ذلك أن كوهن لا يؤسس تعريفه للشعر على أساس معايير كمية "فالشعر نقيض النثر"[14].

إن فكرة الانزياح بهذا المعنى تبحث عن المبدأ الثابت في اللغة الفنية، كما تبحث عن القواسم المشتركة في لغة جميع الشعراء بصرف النظر عن اختلاف لغاتهم وبيئاتهم ونمط كتاباتهم، فالانزياح غير فردي وغير مختص بمرحلة أدبية دون أخرى. ويؤكد كوهن أن شعرية النص الفني تمر بمرحلتين أساسيتين:

1 – مرحلة طرح الانزياح، وفيها يتم مخالفة القواعد النثرية وتكسير بنيتها التركيبية والدلالية والصوتية.

2 – مرحلة نفي الانزياح، وفيها يتم إعادة بناء الجملة من جديد كي تستعيد انسجامها وملاءمتها، فالشعرية "عملية ذات وجهين متعايشين متزامنين: الانزياح ونفيه تكسير البنية وإعادة البناء من جديد. ولكي تحقق القصيدة شعريتها ينبغي أن تكون دلالتها مفقودة أولا ثم يتم العثور عليها، وذلك في وعي القارئ"[15]. وفي ضوء هذا التصور حلل كوهن مجموعة من الصور البلاغية باعتبارها انزياحا عن سنن اللغة، وهي صور أسلوبية تنتمي إلى مستويات لسانية مختلفة صوتية ودلالية[16] وتركيبية[17]. ونجد نفس التصور عند كبدي فاركا Kibedi Varga، مع اختلاف بسيط في طبيعة الأنواع الانزياحية فهو يرى أن كل صورة بلاغية وحدة لسانية تتضمن انزياحا، وأن الصور البلاغية عبارة عن نظام من الانزياحات اللسانية، وهنا يميز بين ثلاثة أنواع من الانزياحات: انزياحات تركيبية أي علاقة العلامة بالعلامة وانزياحات تداولية أي علاقة العلامة بالباث والمتلقي وانزياحات دلالية أي علاقة العلامة بالواقع[18].

وهناك سؤال يفرض نفسه وهو: هل يكفي وجود الانزياح لكي تحقق الشعر؟ يجيب كوهن أنه لا يكفي خرق سنن اللغة لخلق قصيدة شعرية، فالأسلوب خطأ ولكن ليس كل خطأ أسلوبا، ومن هنا فإن "الورود المتواتر للانزياح في القصيدة لا يؤكد بأنه يمثل الشرط الضروري والكافي للواقعة الشعرية"[19].

إن هذا الموقف الذي عبر عنه كوهن سمح له بإقصاء سلسلة من الانزياحات التي تشوش على العملية الشعرية والوظيفة الشعرية وفي مقدمتها الانزياحات السريالية حيث يصعب الانتقال من المعنى التقريري إلى المعنى الإيحائي المقصود. وفي هذا الصدد ينص كوهن أن الانزياح الشعري يتم تحديده من خلال تحول في الدلالة، أي الانتقال من المعنى التقريري العقلي إلى المعنى الإيحائي الانفعالي وأنه لا يتم ظهور المعنى الثاني إلا باختفاء الأول، ويظهر ذلك جليا في مختلف مظاهر الانزياح كالنظم والتحديد والإسناد والتقديم والتأخير وغيرها من الصور الأسلوبية، "فالانزياح عند كوهن ليس الغاية النهائية في حد ذاته، بل إنه مجرد وسيلة"[20].

ورغم أهمية أطروحة الانزياح التي دافع عنها جون كوهن في معالجة الظاهرة الأدبية، فإنها لم تسلم من عدة اعتراضات وانتقادات تراوحت بين الليونة والعنف. ولن نهتم باستعراض كل الاعتراضات والانتقادات التي وجهت إلى الشعرية اللسانية باعتبارها انزياحا عن المعيار، لأن المقام لا يسمح بذلك، بل سنقتصر على استعراض أبرزها.

إن أهم الانتقادات التي وجهت إلى الشعرية اللسانية باعتبارها انزياحا عن قانون اللغة قد جاءت من البنيوية نفسها، ونستحضر في هذا المجال انتقادات جرار جينيت من خلال مقاله: "اللغة الشعرية وشعرية اللغة"[21]. ينبغي التسجيل منذ البداية أن جنيت لا يقلل من أهمية نظرية الانزياح عند كوهن، سواء من حيث المنهج الذي توسل به الباحث أو من حيث الاستنتاجات التي توصل إليها، ومع ذلك فإنه يناقشه في بعض المواقف والآراء المتعلقة بالأسلوبية والبلاغة القديمة وتحولات الشعر الحديث. ونكتفي هنا بإيراد اعتراضين اثنين:

1 – غياب الاهتمام بالانزياحات المعجمية في تحديد بنية اللغة الشعرية، ومعلوم أن "بيير غيرو" أثبت وجود معجم شعري انطلاقا من دراسته لمتن شعري، وقارن معطيات هذا المعجم الشعري بتلك التي حصرها "فإن ديربيك Van Derbeke في اللغة العادية، وتكشف هذه المقارنة عن وجود انزياح معجمي واضح جدا[22].

2 – إذا كان كوهن يؤكد أن غياب دلالة المطابقة شرط ضروري لظهور دلالة الإيحاء فإن جونيت يعترض على هذا الموقف ويرى أن الحضور المزدوج لدلالة المطابقة ودلالة الإيحاء هو الذي يحافظ على الالتباس الشعري في الصورة الحديثة أو الصورة الكلاسيكية[23].

ونفس الموقف نجده أيضا عند جماعة مو البلجيكية في عملها المشترك "بلاغة عامة Rhétorique générale"، فالواقعة الأسلوبية في نظر هذه الجماعة تستدعي استحضار ثنائية المعيار والانزياح في آن واحد، فالاستعارة مثلا لا تشكل واقعة أسلوبية إلا بالاستحضار المتزامن للمعنى الحقيقي والمعنى المجازي، فالعلاقة بين الانزياح والمعيار هي التي تولد الفعل الأسلوبي وليس الانزياح وحده[24]. وانسجاما مع هذا التصور تميز جماعة مو بين نوعين من القراءة: قراءة عالمة تستحضر الاستعمال العادي والاستعمال الانزياحي في إنتاج الواقعة الأسلوبية في آن واحد وقراءة فجة وغير عالمة لا تستحضر إلا الدلالة الإيحائية وتلغي دلالة المطابقة. ورغم هذه الانتقادات، فإن جنيت لا يرفض محتوى هذه النظرية، بل إنه يشيد بها في أكثر من موضع[25] مضمونا ومنهجا.

ويبدو أن أبرز الانتقادات التي وجهت إلى نظرية الانزياح نجدها عند "أوليفييه روبول olivier Reboul في مقاله "الانزياح واللغة l’écart et le language"، فقد حاول طرح القضية بشكل يسمح بالكشف عن زيفها، مركزا اهتمامه على جانب هام في الانزياح، يتعلق بعلاقة الانزياح بالصورة. وهنا يطرح التساؤل الآتي: إذا كانت أطروحة الانزياح تحلل الصور البلاغية فهل بإمكانها تحليل الخطاب البلاغي عامة أم أنها تحلل الأسلوب فقط؟[26].

ويقدم روبول في هذا الصدد اعتراضين اثنين:

أولا: إن كل الصور البلاغية لا تشكل انزياحات، ذلك أننا نجد أساليب بدون صور بلاغية، وصورا بلاغية بدون أسلوب. ونفس الفكرة عبر عنها جورج مونان بقوله بأن هذه "النظرية التي تبرر بلا شك إحدى الخصائص في كل الأسلوب ليست –رغم ذلك- العصا السحرية التي تمكننا من كشف أسلوب من الأساليب وقياس قيمته الجمالية قياسا ثابتا"[27].

ثانيا: إن الصور البلاغية لا تكتسب معناها إلا بعد حضورها في الخطاب[28]، فإذا كانت المتوالية اللفظية الآتية: "هذا المنجل الذهبي في حقل النجوم" تمثل استعارة جيدة عند جون كوهن لأنها تقوم على المنافرة بين المسند والمسند إليه، فإن هذا النوع من التحليل في نظر ربول ناقص لأنه يقوم بفصل الصورة عن السياق الخاص والعام للقصيدة، ولفهم الصورة الأسلوبية السابقة –الاستعارة- فإن الأمر يقتضي في تصور روبول تأطيرها من خلال قراءة القصيدة كاملة.

ومما يؤخذ على نظرية الانزياح أيضا –حسب إينافانوكوس- إهمالها السياق والعلاقات المتغيرة من نص إلى آخر، فالصور الأسلوبية في اللغة الأدبية" ينبغي أن تقيم في سياق العمل الذي ولدت فيه. والعناصر الجاذبة للانتباه تكون كذلك بالنسبة للقاعدة التي يأخذ كل نص في فرضها نظرا لصعوبة إفراد مفهوم لقاعدة يكون صالحا لكل النص"[29].

ولعل أهم من دافع عن هذه الفكرة وطورها الناقد الأسلوبي ميشال ريفاتير. وهو موضوع الحديث الفقرة الموالية.

2 – الشعرية الأسلوبية:

تنطلق الشعرية الأسلوبية في تأسيس مشروعها، من مبدأ أساسي وهو أن الوصف اللساني غير كاف لتحديد خصوصية كل نص إبداعي، لأنه يبحث عن القواعد الجمالية العامة التي تنتظم النصوص الفنية، وهذا ما جعل ريفاتير يكرس جل أعماله لتحديد الخصائص الفنية الفردية في كل نص أدبي، وفي هذا السياق، يلح على ضرورة إيجاد "معايير خاصة تميز بين الوقائع العادية التي يشتمل عليها النص، والوقائع الأسلوبية المنافرة، أي تلك التي تؤثر في المتلقي"[30].

ويلاحظ أن مصادر التحليل الأسلوببي في مباشرة الظاهرة الأدبية عند ريفاتير تعود إلى اجتهادات الشكلانيين خاصة تصورات ياكبسون وإلى الشعرية البنيوية خاصة مفهوم الانزياح عند كوهن. إن التحليل الشكلاني –حسب ريفاتير- هو الكفيل وحده بملامسة الظاهرة الأدبية في النص لأنه يهتم بما هو خصوصي في النص الأدبي لا بغيره. ويرتكز على النص نفسه، وعلى العلاقات الداخلية المتبادلة ببين الكلمات، وعلى الشكل أكثر من المضمون، وعلى الأثر الأدبي من حيث هو انطلاقة لسلسلة من الأحداث، لا من حيث هو نقطة وصول لهذه السلسلة، أو من حيث هو حصيلة لها[31]. ويتفق ريفاتير مع ياكبسون في كثير من المبادئ خاصة إمكانية تحليل اللغة الأدبية بدقة وموضوعية من خلال التركيز على لغة الرسالة ذاتها، إلا أن ريفاتير يفضل استعمال الوظيفة الأسلوبية بدل الوظيفة الشعرية عند ياكبسون، لأن الوظيفة الشعرية توهم باقتصارها على مجال الشعر. ورغم هذا الاختلاف البسيط بينهما فإن ريفاتير يجعل من الوظيفة الأسلوبية الوظيفة الوحيدة الموجهة للرسالة الأدبية، في حين تتجه الوظائف الأخرى إلى عناصر خارجية لها علاقة إما بالمؤلف أو المتلقي أو المرجع "المحتوى" وغيرها، كما تنهض بدور ثانوي في تشكيل بنية النص الإبداعي.

إن أهم ما يميز أسلوبية ريفاتير، هو استنادها على مفهوم الانزياح، غير أن نظرية المؤلف في تحديد إجراءات الأسلوبية في النص، لا تخلو من تصرف في المفهوم، فقد حاول تجاوز أهم الانتقادات التي وجهت لهذه النظرية، وأهمها صعوبة تحديد القاعدة أو المعيار الخارجي الذي يتم الانزياح عنه، لذلك اقترح ريفاتير تعويض "القاعدة الخارجية" بـ"قاعدة داخلية" تكون مرتبطة ببنية النص الفني، فكل إجراء أسلوبي يتم تحديده من خلال علاقته السياقية بإجراءات أسلوبية عادية داخل بنية النص الفني نفسه، فالسياق وحده هو الكفيل بتحديد الوحدات اللغوي التي تقوم بدور وظيفي وإبلاغي في نظام من العلاقات من جهة والوحدات التي تنهض بدور الإجراء الأسلوبي في النظام نفسه من جهة ثانية. ومع ذلك فإن أي إجراء أسلوبي لا يحتفظ دائما بمركز "الأمامية" أو "الخلفية" بل يخضع بمختلف التأثيرات التي يمارسها السياق. وبطبيعة الحال فإن هذا السياق يختلف من نص إلى آخر، فليس هناك سياق واحد، بل سياقات متعددة. وهذا ما يفسر كيف أن كل تجاوز للقاعدة لا يشكل إجراء أسلوبيا، وأن كل تأثير أسلوبي ليس بالضرورة انزياحا عن المعيار، فالصورة الأسلوبية يمكن أن يحقق انزياحا في موضع، وكلاما عاديا في موضع آخر. وفي ضوء هذا التصور يرى ريفاتير أن الأسلوب لا يتشكل من الصور والمجازات والتقنيات البلاغية فحسب بل إن البنية الأسلوبية في نص معين تكمن في سلسلة من العناصر المتوقعة التي تدخل في علاقة تعارض مع العناصر غير المتوقعة، فكل أسلوب يشتمل على سياق ونقيضه[32].

ويرى ريفاتير أن الإجراءات الأسلوبية مرتبطة ارتباطا وثيقا بإدراك القارئ لها، ذلك أن قيمة كل إجراء أسلوبي تتحدد من خلال المفاجأة التي تحدثها في المتلقي، فكلما كانت غير متوقعة كان أثرها في نفس المتلقي عميقا، فالأسلوب –حسب ريفاتير- لا يتم تحديده إلا بإبراز بعض عناصر السلسلة الكلامية وحمل القارئ على الانتباه إليها بحيث إذا غفل عنها شوه النص، وإذا حللها وجد لها دلالات تمييزية خاصة، مما يسمح بتقرير أن الكلام يعبر والأسلوب يبرز[33].

وتتميز أسلوبية ريفاتير بمساهمة المتلقي في إنتاج الدلالة أو الدلالات الممكنة، بحيث لم يعد القارئ طرفا مستهلكا للنص الإبداعي بل عنصرا منتجا وحيويا في كل مراحل الخلق والإبداع. ولهذا السبب يقترح ريفاتير ألا ينطلق المحلل الأسلوبي من النص مباشرة وإنما ينطلق من الأحكام التي يبديها مجموع القراءة حوله لأن تلك الأحكام عبارة عن مثيرات أو استجابات نتجت عن منبهات كامنة في صلب النص "فالأسلوب بهذا المعنى توتر دائم بين لذات التلقي وخيبة الانتظار لدى المتلقي"[34]، وهذا التوتر الدائم هو جوهر العملية الأسلوبية، أو ما عبر عنه ريفاتير بعنصر المفاجأة، الذي يمكن أن نؤصل له بالعودة إلى ياكبسون الذي قرر بأن المفاجأة الأسلوبية هي "توليد اللامنتظر من خلال المنتظر"[35]. وقد استغل ريفاتير هذه الفكرة فقرر أن قيمة كل إجراء أسلوبي تتناسب مع حدة المفاجأة، فكلما كانت الخاصية الأسلوبية غير منتظرة كان وقعها في المتلقي عميقا، وكلما تكررت نفس الخاصية الأسلوبية في نص معين ضعفت قوتها التأثيرية، لأن التكرار يفقدها شحنتها التأثيرية تدريجيا[36].

ومن جهة أخرى يرى ريفاتير أن الإجراء الأسلوبي، الذي يقوم على عنصر المفاجأة، يلزم السياق دائما ولا علاقة له بفكرة الانزياح التي دافع عنها كوهن، وهذا السياق لا علاقة له بالمعنى الشائع للكلمة، وإنما تتحدد دلالته داخل بنية النص الفني. ومن هنا فإن المحلل الأسلوبي لا يركز على العناصر الموسومة في النص لأنها عناصر بارزة بل يولي نفس الاهتمام للعناصر غير الموسومة(*).

ويقسم ريفاتير السياق الأسلوبي إلى قسمين:

1 – السياق الأصغر Microcontexte: ويتحدد بالعلاقة بين الكلمات الموسومة والكلمات غير الموسومة، وليس لأي من الطرفين تأثير بدون الآخر، ويرمز إليه ريفاتير بالشكل التالي: السياق + التضاد Contraste، ويمثل له بقول الشاعر: "وهذا الغموض الواضح الذي يسقط النجوم"[37]، حيث إن الخاصية الأسلوبية تحققت بإسناد صفة الوضوح إلى الغموض، وهو إسناد عنصر غير موسوم "الوضوح" إلى السياق الذي يتشكل من كلمة واحدة وهي "الغموض".

2 – السياق الأكبر Macrocontexte: وفي مقابل السياق يحدد ريفاتير نوعا آخر من السياق الأكبر يتحقق من خلال إمكانيتين:

أ – السياق --< الإجراء الأسلوبي --< السياق.

ويتميز هذا النوع بالعودة إلى السياق الأول بعد الإجراء الأسلوبي الذي مهد له منذ البداية ويتحقق هذا النموذج من السياق الأكبر بإدخال عنصر موسوم –كلمة غريبة عن السلسلة الكلامية- في السياق.

ب – السياق --< الإجراء الأسلوبي باعتباره نقطةانطلاق لسياق جديد --< إجراء أسلوبي[38].

ويبدو من خلال التمييز بين هذين السياقين أن الفرق بين السياق الأصغر والسياق الأكبر هو أن الأول يتحقق في جملة واحدة، كالتشبيه والاستعارة مثلا، أما الثاني فيتحقق من خلال النص كله.

وأخيرا، إن تحديد الأسلوب بالتعارض بين العناصر المنتظرة والعناصر غير المنتظرة في النص الفني هو الذي يشكل نقطة الاختلاف بين الشعرية والأسلوبية، ففي الوقت الذي تبحث الشعرية عن البنيات المشتركة بين مختلف النصوص الإبداعية، تصر الأسلوبية على أن لكل نص أدبي خصائصه ومظاهره الجمالية التي تحدد أدبيته والتي ينبغي أن تعاين باستقلال عن النصوص الأخرى.

 



[1] - انظر شرح هذه المصطلحات في:

Dictionnaire encyclopédique des sciences du langage 

[2]  - Rolande Barth, Rhétorique de l’image, in Communication, n°4, 1964, p8.

[3]  - La rhétorique de l’espace du langage, Tel quel, n°11, 1964, p44.

[4] - بنية اللغة الشعرية الصادر سنة 1966، واللغة العليا الصادر سنة 1970 ومجموعة من المقالات المتميزة كنظرية الصورة ضمن مجلة Communication العدد 16.

[5] - بنية اللغة الشعرية، جان كوهن، ترجمة محمد العمري ومحمد الولي، المعرفة الأدبية، دار توبقال للنشر، الطبعة الأولى، 1986، ص47.

[6] - منهج في التحليل النصي للقصيدة تنظير وتطبيق، محمد حماسة عبد اللطيف، مجلة فصول، محور "الشعر العربي المعاصر"، ج1، الهيئة المصرية العامة للكتاب، المجلد 15، العدد الثاني، صيف 1996، ص110.

[7] - علم الأسلوب: مبادئه وإجراءاته، صلاح فضل، النادي الأدبي الثقافي بجدة، 1988، ص114.

[8] - بنية اللغة الشعرية، ص64.

[9] - هيمن هذا التصور على الشعرية العربية الكلاسيكية وخاصة في القرن الرابع، انظر عيار الشعر لابن طباطبا.

[10] - منهج في التحليل النصي للقصيدة تنظير وتطبيق، ص110.

[11]  - Théorie de la littérature : Rhétorique et stylistique, p141.

[12] - لم يلتزم كوهن باستعمال مصطلح واحد في أعماله فهو يستعمل الانزياح Ecart، الخرق Viol، الانحراف Déviation.

[13] - بنية اللغة الشعرية، ص15.

[14]  - J.M. Klinkenberg, Rhétorique, in Introduction aux études littéraires, p40.

[15] - بنية اللغة الشعرية، ص173.

[16] - نفسه، ص80، 116، 141.

[17] - اللغة العليا-النظرية الشعرية، جون كوهن، ترجمة أحمد درويش، المجلس العلمي للثقافة، 1975، ص24.

[18]  - Kibedi Varga, Théorie de la littérature, collectif présenté par Kibedi Varga, Picard, 1981, p158.

[19] - بنية اللغة الشعرية، ص191.

[20]  - Gérard Genette, Figure 2, édition du seuil, 1969, p133.

[21] - نفسه، ص123.

[22] - نفسه، ص132.

[23] - نفسه، ص134.

[24]  - Rhétorique générale, Groupe u, Paris, Larosse, 1970, p22.

[25]  - Figure 2, 123.

[26]  - Olivier Reboul, La rhétorique, Que sais-je? 3 édition, 1990, p101.

[27] - نقلا عن منهج في تحليل النصي للقصيدة، ص113. ونفس الرأي نجده عند إيفانوكوس في كتابه نظرية اللغة الأدبية، ص42.

[28]  - Olivier Reboul, la rhétorique, 101.

[29] - نظرية اللغة الأدبية، خوسيه ماريا بوثويلو إيفانوكوس، ترجمة حميد أبو زيد مكتبة غريب، 1992، ص36.

[30]  - Ouvrage collectif stylistique, Delcroix, in Introduction aux études littéraires (méthodes du texte), sous la direction de la Maurice Delacroix. Fernand Hallyn, édition Ducroit, 2 tirage, 1990, p91.

[31]  - Michel Rifaterre, La production du texte, Collection poétique, Seuil 1979, p89.

[32]  - Michel Rifaterre, Essais de stylistique structurale, présentation et traduction de Daniel Delas, Flammarion, 1971, p65-66.

[33] - نفسه، ص31.

[34]  - La stylistique, Pierre Guirand, Paris, PUF, 7édition, 1972, p9.

[35]  - Essais de stylistique structurale, p228.

[36] - نفسه، ص13.

(*) والمقصود بالعناصر الموسومة هي كل العناصر المستعملة بشكل غير عادي.

[37]  - Essais de stylistique structurale, p83.

[38]  - Essais de stylistique structurale, p84.