ص1        السابق

 

أوهام الليبرالية الجديدة

وهم الكوفيرنانس ...

محمد عابد الجابري

- سبق أن شاركنا بهذه المداخلة في ندوة بعنوان "الحكم والتنمية الاقتصادية والاجتماعية ومكافحة الفقر" عقدتها الإيسكوا (اللجنة الاقتصادية والاجتماعية لغرب آسيا التابعة للأمم المتحدة) بالقاهرة ما بين 11-13 نوفمبر  2001. تقول المداخلة:

ظهر في العقدين الأخيرين في الولايات المتحدة وبريطانيا مذهب اقتصادي إيديولوجي سمي بـ "الليبرالية الجديدة". ولعل أهم عنصر جديد في هذا المذهب هو دعواه الإيديولوجية التي تبشر بنموذج جديد للدولة، تمارَس السلطة فيه على أساس مبدأ "الكوفيرنانس" governance، على غرار شركات المساهمة في النظام الرأسمالي ذي التقاليد الأنجلوساكسونية، حيث يمارس حملة الأسهم نوعا من "الرقابة" والتوجيه، عند توزيع الأرباح، بهدف دفع المدراء إلى العمل على تحقيق أقصى قدر من الربح للمؤسسات التي يتولون تسييرها (لنقل الآن: إن هذا هو السبب الرئيسي في الأزمة المالية العالمية الراهنة).

وهذا النوع من "سلطة الرقابة التي يقوم بها حملة الأسهم لحث المدراء على تحقيق أقصى ما يمكن من الربح" هو مضمون "الكوفيرنانس". وقبل مناقشة مضمون هذا المصطلح نريد إثارة مسألة البحث عن مقابل له بالعربية لأن النجاح أو الإخفاق في وضع مقابل لمفهوم ما يراد نقله في صيغة مصطلح من لغة إلى أخرى ليس مسألة "لغوية" محض، بل هو مؤشر على تباين أعمق يقع على مستوى "ما وراء اللغة". لننظر إذن، بادئ ذي بدئ، في المشكلة التي تطرحها ترجمة هذا المصطلح إلى اللغة العربية.

هذا المصطلح إنجليزي، وهو مشتق من لفظ govern الذي يعني في آن واحد : "الحكم" بمعنى ممارسة السلطة (الحكومة government) من جهة، والرقابة والتوجيه control من جهة أخرى. وإذن فنموذج "الحكم" الذي تبشر به "الليبرالية الجديدة" من خلال هذا المفهوم يهدف إلى تقليص دور الدولة بحيث تكون مهمتها القيام بالتسيير تحت توجيه ومراقبة أولئك الذين يوازي وضعُهم إزاءها (البرلمان، ممثلو الشعب) وضعَ حملة الأسهم بالنسبة للمديرين في الشركات الكبرى.

 لقد وردت هذه الكلمة في الورقة التوجيهية لهذه الندوة مترجمة بلفظ "الحكم" ووضعت في سياق جعلت فيه في موضع المعطوف عليه مع كلمة "دولة" state، هكذا "الحكم والدولة"، مما يعني أنهما يدلان على معنيين مختلفين. إن القارئ العربي يجد نفسه هنا أمام عبارة لا غبار عليها من حيث الاستعمال اللغوي، فالكلمتان عربيتان أصيلتان، ولكن عطف الواحدة منهما على الأخرى بحرف الواو (الحكم والدولة)، يثير من الالتباس والغموض في ذهن القارئ ما يدفعه إلى التساؤل بينه وبين نفسه: "وما الفرق بين مدلول "الدولة" ومفهوم "الحكم" حتى يوضعان في مثل هذا الوضع"؟ إن حرف العطف إنما يستعمل عادة للربط بين المتباينات نوعا من التباين، أما المترادفات والمتواطئات والمتقاربات وما في معنى الجزء والكل مثل "الخبز" و"الطعام"، والعطاء والكرم، والساق والرِّجل الخ، فلا يدخل بينها حرف العطف إلا في العبارات التي تنتمي إلى الخطاب الأدبي الذي يستعمل المجاز والاستعارة والكناية وما أشبه ذلك.

هذا الإشكال يصبح غير ذي موضوع –ربما- إذا وضعنا إزاء اللفظين المذكورين ما يقابلهما في اللغات الأوربية، وخاصة الإنجليزية، أعني: Governance and the state. إن القارئ في هذه الحالة إما أن يكون  على صلة بالمجال التداولي الذي يستعمل فيه هذان اللفظان في هذه اللغة، وفي هذه الحالة فهو من "صاحب الدار" كما يقال، وإما أن لا تكون له علاقة بذلك المجال، وفي هذه الحالة يمكن أن يرجع إلى القواميس الإنجليزية المتخصصة، وسيجد من المعاني والشروح ما يزيل الغموض والالتباس.

علام يدل هذا؟

إنه يدل على أن المرجعية العربية بالنسبة للفظتين المذكورتين غير المرجعية الأوروبية. وليس هذا عيب في اللغة، فكثير من الكلمات المترجمة من العربية إلى اللغات الأجنبية لا يمكن استيعاب معناها إلا بالرجوع بها إلى الحقل الدلالي العربي. نحن هنا إذن أمام ظاهرة اختلاف المرجعية : "الحكم" و"الدولة" كلمتان تدلان في اللغة العربية على معنى، بينما يحيل مقابلهما في اللغات الأوروبية الحديثة إلى معنى آخر مختلف: أدق أو أوسع، أفقر أو أغنى الخ.

 لفظ "الدولة" في المرجعية العربية من "دال يدول دولة"، ويقال عن الشيء يكون مرة في هذا ومرة في ذاك، فهو يفيد معني التناوب والانتقال من يد إلى أخرى، ومنه تداولُ المال، وتداول الحكم الخ. وقد أخذ هذا اللفظ في الشيوع في اللغة العربية بعد انتقال "الأمر" (أي الحكم) من الأمويين إلى العباسيين وصار أنصار هؤلاء يقولون : "هذه دولتنا"، أي نوبتنا في الحكم. وإذن فمفهوم الدولة في المرجعية العربية يعنى "النوبة في الحكم" (نوبة الفرد أو القبيلة، أو الطائفة...)، أما اللفظ المقابل له في اللغات الأوربية الحديثة، أعنى: Etat, State فيدل في الاصطلاح السياسي –وهو المقصود هنا- على الهيأة أو المؤسسة التي تدبر الشأن العام في بلد ما، تدبيرا يقوم على النيابة على الجميع (بواسطة التعبير الديمقراطي الحر) في ممارسة السلطة، والمحافظة على النظام، والفصل في المنازعات والحكم بين الناس، واللجوء إلى العنف لتطبيق القانون الخ. وهذا المعنى حديث في اللغة العربية ولكنه صار شائعا مقبولا ومفهوما (إلى درجة ما!).

هذا باختصار عن مصطلح "الدولة"، أما لفظ "الحكم" فهو يشير في العربية إلى معنيين رئيسيين، أحدهما : الفصل في أمر متنازع فيه، ومنه القرار الذي يتخذه القاضي لجعل حد لخصومة أو نزاع الخ، وهذا يقابله في اللغات الأوربية لفظ آخر هو: judgment,  jugement. وثانيهما المنع والردع، ومنه الحَكَمة وهي "ما أحاط بحنكي الفرس من لجامه يمنعه من مخالفة صاحبه". ومن هذين المعنيين أخذ معنى "الحُكم" الذي يعني ممارسة السلطة لتدبير الشأن العام والفصل في الخلافات والنزاعات الخ. أما لفظ governance، الذي وضع لفظ "الحكم" كترجمة عربية له هنا، فهو أصلا يفيد -في الإنجليزية-  معنى الرقابة والتوجيه والتدبير، وأيضا معنى السيطرة وممارسة السلطة، وهو غير الحكومة بمعنى الجهاز المعروف (وزارة …) gouvernement, government كما أنه لا يدخل في علاقة اشتقاقية مع اللفظ الإنجليزي الذي يفيد "الحكم" بمعنى "حكم القاضي".

وإذا نحن أردنا أن نحدد صلب الاختلاف بين معنى لفظ "الحكم" (government) كما يتحدد في اللغة العربية ولفظ governance كما يتحدد معناه في الإنجليزية، وفي السياق الذي استعمل في العبارة السابقة التي جمعت بينهما، قلنا: إن هذا الأخير يفيد معنى لا يفيده الآخر: إنه يفيد معنى "الرقابة" التي قد تكون من أعلى إلى أسفل، أو من أسفل إلى أعلى. وهذا ما يلح عليه منظرو "الليبرالية الجديدة"، إذ يؤكدون أن المقصود بالـ governance هو الجمع بين الرقابة من أعلى (المدراء : الحكومة) والرقابة من أسفل (حملة الأسهم: منظمات المجتمع المدني الخ). وواضح أن هذا المعنى يستحيل استحضاره استحالة تامة من مجرد تأمل معنى لفظة "الحكم" أو "الحكامة" أو    "الحكم الرشيد"، كما تتحدد هذه الألفاظ  في اللغة العربية في اللغة العربية. من أجل ذلك فأنا أفضل استعمال هذا المصطلح كما ينطق به في مرجعيته الأصلية "كوفيرنانس"، كما هو الشأن في عدد من المصطلحات مثل ليبرالية، ديمقراطية، جغرافيا، فينومينولوجيا، فلسفة الخ، وذلك إلى أن نهتدي إلى لفظ عربي مناسب!

قد يتساءل البعض: ولماذا هذه الاستطرادات اللغوية؟ ألم يكن يكفي إبراز هذا المعنى في البداية والانتقال إلى صلب الموضوع؟

وأجيب : إن من المطلوب منا في هذه الندوة هو "أن ننظر في "مفهوم "الكوفيرنانس" وتطوره ومساهمته في التنمية و"التخفيف من الفقر" في البلاد العربية. وهذا "يقتضي : 1) النظر في مدى تقدم عملية الإصلاح السياسي في العالم العربي بما في ذلك محاولات الدمقرطة وتحرير الاقتصاد. 2) النظر فيما إذا كان ذلك قد ساهم في توسيع دائرة مشاركة الجميع والرفع من درجة الفعالية والمسؤولية والشفافية والتمثيلية في مؤسسات الدولة. 3) رصد الدلالات والمرامي والبرامج  الهادفة إلى تحسين أنماط "الكوفيرنانس" في العالم العربي من أجل ضمان تنمية اجتماعية واقتصادية والتقليص من الفقر"... للمقال صلة.