ص1      السابق 

إسرائيل : الاستفتاء المقلوب!

مظهر من مظاهر إنكار الهوية وفرض التهويد

 

محمد عابد الجابري

أشرنا في المقال السابق إلى أن الأسابيع الأربعة الأخيرة قد عرفت ثلاث وقائع سياسة/إيديولوجية تعرضت فيها الديمقراطية لعمليات قلب إيديولوجي ممسوخ : في سويسرا، وإسرائيل، وعلى لسان أوباما. بدأنا بتحليل الواقعة الأولى وسنحاول في هذا المقال تسليط بعض الأضواء على الواقعة الثانية، فنقول:

لم يسبق لإسرائيل، منذ قيامها عام 1948، أن اهتزت صورتها في أوروبا وأمريكا، على المستويين الرسمي والشعبي كما حصل لها في الشهر الماضي. لقد بدأ الاهتزاز يتراكم منذ حربها على غزة (ديسمبر 2008/ يناير 2009)، مرورا بتشكيل حكومة اليمين الإسرائيلي برئاسة نتنياهو (مارس 2009)، ثم خطاب أوباما في القاهرة (4 يونيو 2009) الذي طالب فيه بتجميد الاستيطان في القدس والضفة الغربية، ثم رفض نتنياهو، بإصرار، هذا الطلب: وذلك بالإمعان في هدم منازل الفلسطينيين في القدس والاستيلاء عليها والإعلان عن مشروعات جديدة لتوسيع مستوطنات وبناء أخرى. وكان لابد أن يتسبب هذا الرفض "الوقح" في إحراج كبير للإدارة الأمريكية وبالتالي لأنصار أوباما ومؤيديه والمتعاطفين معه في العالم بأسره، مما جعل إسرائيل تفقد ذلك التأييد اللامشروط الذي تمتعت به منذ قيامها والذي "فرضه" على "العالم الحر" الموقف الرسمي للإدارة الأمريكية والحكومات الأوروبية.

ويأتي -كنتيجة مباشرة أو غير مباشر لذلك- تقرير غولدستون رئيس  بعثة الأمم المتحدة لتقصي الحقائق في حرب إسرائيل على غزة، ذلك التقرير الذي أدانها بارتكاب أعمال من جنس جرائم الحرب، يرقى بعضها  إلى مستوى "الحرب ضد الإنسانية.

 وبدلا من أن تقوم إسرائيل "الديموقراطية" بنوع ما من الاعتذار أو تعِد باتخاذ "إجراءات"... راحت تشنها حربا شرسة على ذلك التقرير مجندة آلتها الإعلامية و"طابورها الخامس" في الدول الأوربية، بهدف سحب هذا التقرير والحُؤول دون مناقشته في مجلس حقوق الإنسان. لكن الذي حدث، ولأول مرة منذ قيام إسرائيل، أنها فشلت في توجيه الرياح في أوروبا الوجهة التي تريدها وتحميها من كل إدانة صريحة. لقد تمت مناقشة ذلك التقرير في ذلك المجلس الذي وافق عليه واعتمده بأغلبية كبيرة يوم 16 أكتوبر الماضي. كما تم عرضه يوم 6 نوفمبر على الجمعية العامة للأمم المتحدة التي صادقت عليه هي الأخرى  بأغلبية واسعة.  

 ليس هذا وحسب، بل لقد ارتفعت أصوات رسمية، هنا وهناك في أوروبا، تعبر علانية عما كان مسكوتا عنه في نفوس كثير من الأوروبيين، من استياء وشجب للممارسات الإسرائيلية ولطموحاتها التوسعية المعلنة والمكتومة التي تتنافى كليا مع أبسط مظاهر الديموقراطية. بل لقد ذهب بعض الصحفيين الأوربيين إلى حد "الكشف عن المستور" في ممارسات بعض الإسرائيليين الذين يضربون صفحا عن كل القيم الإنسانية. ذلك أن أحد الصحفيين السويديين قد كشف النقاب في مقال نشره في سبتمبر الماضي عن قيام إسرائيليين بالاتجار في أعضاء بشرية انتزعت من جثث فلسطينيين. وكما هي العادة قامت قائمة إسرائيل ضد هذا الاتهام الذي أتى على ما بقي من "ماكياج" على صورتها في الغرب، فطالبت وزير خارجية السويد بالتنديد بالتهمة واستنكار ما ورد في مقال ذلك الصحفي. ولم يكن وزير خارجية السويد من الذين ترعبهم "غضبات" إسرائيل، فجاء رده غاضبا لسمعة بلاده، رافضا التنديد بما كتبه الصحفي المشار إليه، وأكثر من ذلك ألغى زيارة كانت مقررة لإسرائيل.  

ويأتي تقرير قناصل دول الاتحاد الأوربي الذي نشرته صحيفة هآريتس الإسرائيلية، والذي كشفوا فيه عن سياسة إسرائيل الاستيطانية في القدس والرامية إلى تغيير الوضع الديموغرافي للقدس بهدف تهويدها. وقد كان طبيعيا أن تثير مناقشةُ هيآت الاتحاد الأوربي لذلك التقرير هلعَ إسرائيل، وزاد في هلعها مبادرة الرئيس الدوري للاتحاد (من السويد) إلى إعداد مسودة قرار لاجتماع وزراء خارجية الاتحاد يعترف بالقدس الشرقية عاصمة لدولة فلسطينية تضم الضفة الغربية والقدس وقطاع غزة، مقابل أن تكون القدس الغربية عاصمة لدولة إسرائيل.

ومع أن بعض وزراء خارجية الاتحاد الأوروبي قد خففوا في خطابهم في اجتماع بروكسيل من الطابع المباشر لنص المسودة فإنهم قد أكدوا في بيانهم على أن تكون القدس، مستقبلا، عاصمة لدولتين : فلسطينية وإسرائيلية؛ كما ذكَّروا بأن بلدانهم لم تعترف في يوم من الأيام بضم إسرائيل للقدس الشرقية عام 1967، وأنهم لا يقبلون التغييرات التي طرأت على الحدود بعد هذا التاريخ "باستثناء تلك التي وافق عليها الجانبان".  لقد تغيرت "ديموغرافية" التأييد الأوربي لإسرائيل بشكل لم يسبق له مثيل، وذلك إلى درجة أن وزير خارجية لوكسمبورغ جون اسيلبورن لم يتردد في التصريح أمام الصحفيين قائلا: "الحق أنني أجد صعوبة في فهم كون إسرائيل لا تقبل أن تتشكل دولة فلسطين من الضفة الغربية وغزة والقدس الشرقية"، مضيفا : "إنه الأحسن، في رأيي، أن نتحدث نحن والأمريكيون لغة سياسية لا لبس فيها تتطابق مع ما تقوله قرارات الأمم المتحدة

وأما هذه التطورات، الجديدة فعلا، التي عرفها الموقف الأوروبي إزاء قضية فلسطين لم تجد إسرائيل من رد سوى الهروب إلى الأمام والانقلاب على الديموقراطية التي طالما تغنت بها. لقد اجتمعت لجنتها الوزارية الخاصة بإصدار القوانين لتعن عن إعدادها لمشروع قانون يخول الحكومة إجراء استفتاء عام في إسرائيل في موضوع احتمال إعادة أراضٍ تحت السيادة الإسرائيلية، مثل هضبة الجولان أو شرقي القدس. وقد قُدم مشروع هذا القانون للبرلمان الإسرائيلي (الكنيست) فصادق عليه بالأغلبية في القراءة الأولى، ويقضي بعد المصادقة عليه في القراءتين الثانية والثالثة بإجراء استفتاء عام على أي قرار تتخذه الحكومة الإسرائيلية مستقبلا بالانسحاب من الأراضي التي تحتلها إسرائيل.

ما نريد لفت النظر إليه هنا، فضلا عن التطورات الهامة التي عرضناها أعلاه والتي نالت في الصميم من "صورة إسرائيل الديموقراطية" في الرأي العام الأوروبي والأمريكي، هو أن حكومة اليمين الإسرائيلي بقيادة نتنياهو لم تجد من سبيل للدفاع عن صورتها كدولة "ديمقراطية"  سوى الانقلاب على الديمقراطية: لقد كان المفروض، حسب المنهجية الديمقراطية، أن يُستعمل الاستفتاء في محله، فيُطلب فيه، من سكان جميع الأراضي التي تحتلها إسرائيل، الاختيار بين الاستقلال عن الدولة المحتلة وبين البقاء تحت حكمها والتحول بالتالي إلى مواطنين فيها. ذلك ما فعلته الدول الأوربية عندما اضطرت إلى وضع حد لاحتلالها لمستعمراتها. أما إسرائيل فقد أمعنت في التمسك بديموقراطيتها الكاذبة المزيفة بقلب الديموقراطية والانقلاب عليها. فبدلا من تلجأ في حل مشكلة احتلالها لأراضي غيرها إلى إجراء استفتاء يخير فيه سكان هذه الأراضي بين أن ينضموا إلى الدولة الفلسطينية الموعودة وبين البقاء في الدولة الإسرائيلية (ولو كمواطنين من الدرجة الثانية)، بدلا من ذلك تطلب من شعبها، هي، أن يقرر في مصير الأراضي التي تحتلها دولتهم.

إنه مظاهر آخر من مظاهر إنكار الهوية وفرض التهويد.