سؤال لا يحتاج إلى جواب ... وآخر ينتظر!
محمد عابد الجابري
حكينا في المقال السابق "قصة" ذلك الطموح الذي جعلني أغامر فأعلن في منتصف الستينات من القرن الماضي عن مشروع "غير مسبوق" يهدف إلى تشييد نظرية في الاشتراكية "العلمية" مبنية على معطيات البلدان المتخلفة وتستجيب لطموحاتها في إقامة مجتمع تسوده العدالة الاجتماعية ويشق طريقه نحو التقدم المطرد. وبما أن التنظير للاشتراكية –على أساس المنهج العلمي الذي يقوم على "التحليل الملموس للواقع الملموس"- كان يتم داخل الماركسية واعتمادا على مقولاتها فقد اكتشفت، وأنا في منتصف الطريق إلى إنجاز ذلك "المشروع الطموح"، أن النظرية الماركسية أو "الاشتراكية العلمية" تقع في أزمة حقيقية عند التفكير بواسطتها في تشييد الاشتراكية في البلدان المتخلفة، أزمة تتمثل في كون النظرية الاشتراكية كما صاغها ماركس، انطلاقا من دراسة المجتمع الأوروبي، لا تجد ما يحملها في واقع البلاد المتخلفة، لا يمكن التفكير بواسطتها، كما هي، في حل المسألة الاجتماعية في العالم الثالث. فالأزمة التي شعرت بها والتي أردت أن أعرضها هي أزمة على مستوى النظرية، ولذلك كان من الضروري عرض النظرية وبيان أصولها ومصادرها وما منه تتكون .. حتى يمكن بيان أنها، بالمقارنة مع أوضاع العالم الثالث، تحتاج إلى إعادة نظر.
صحيح أنه كان هناك شعور عام بأن النظرية الماركسية لا تنطبق على أوضاع العالم الثالث! وما كنت أريد القيام به هو الكشف عن السبب في ذلك. وبما أن ماركس قد بنى نظريته على "التحليل الملموس" للواقع الأوربي كما كان في زمنه، وبكيفية عامة كما تطور إلى زمنه، فإن بيان السبب في عدم إمكانية تطبيق الماركسية على مجتمع ما يتطلب بيان أن أوضاع هذا البلد والصورة التي تطورت بها تختلف عن تلك التي عرفتها أوربا. وإذن فالتحليل الاجتماعي التاريخي للبلدان المتخلفة -والمقصود هنا العالم العربي جملة- يجب أن يسبق كل تفكير في التنظير للاشتراكية فيه.
هذه المهمة التي تنم عن طموح كبير، (الطموح إلى أن أفعل بالنسب للبلدان المتخلفة -المغرب والعالم العربي تحديدا- ما فعله ماركس بالنسبة للبلدان المتقدمة، الأوربية)، اكتشفت في وسط الطريق أنني لا أستطيع، في ذلك الوقت، القيام بها، وأن الحاجة تدعو إلى أن أنصرف أولا إلى دراسة تطور المجتمع العربي، والمجتمع المغربي تخصيصا. لقد أصررت على التوقف لأنه لم يكن من الممكن الانكباب على دراسة التاريخ الاجتماعي للمغرب والعالم العربي وفي نفس الوقت التنظير لتطور هذا التاريخ وللصراعات التي عرفها. إن ذلك سيؤدي إلى إسقاط مفاهيم وتصورات على واقع لا يتحملها، وبالتالي "اقتطاف" نتائج لا تفسر ولا تساعد على التغيير (وهذا ما كان يفعله كثير من "الماركسيين العرب" فضلا عن الأحزاب الشيوعية).
لقد صادف ذلك، أعني قراري بالتوقف عن مواصلة الكتابة في موضوع "أزمة الاشتراكية في البلاد المتخلفة"، أنني كنت قد سجلت في كلية الآداب بالرباط مع أستاذنا المرحوم محمد عزيز الحبابي، موضوعا لنيل دبلوم الدراسات العليا، وكان حول : "نقد ابن خلدون لمناهج المؤرخين الذين سبقوه والتبشير بعلم جديد أسماه : علم العمران البشري"، عرضه في مقدمته الشهيرة. لقد أراد ابن خلدون من هذا "العلم" أن يكون "معيارا" في يد المؤرخين يساعدهم على التمييز بين الخطأ والصواب في الأخبار والروايات، باعتبار أن العمران البشري له "طبائع في أحواله"، أي "قوانين"، إذا عرفها المؤرخ صار في استطاعته التمييز في "الواقعات" بين ما يمكن وقوعه وأسبابه، وما لا يمكن وقوعه بالمرة أو يمكن وقوعه على صعيد الذهن فقط. لقد اكتشفت من خلال الإعداد لدبلوم الدراسات العليا أن المشروع الذي تحمله مقدمة ابن خلدون يلتقي مع مشروعي، بل ربما يؤسس له.
ومن هنا كان اشتغالي بابن خلدون في ذلك الوقت يحقق لي "ضرب عصفورين بحجر واحد"، كما يقول المثل: تحضير الدبلوم الذي يمكنني من الالتحاق بالجامعة أستاذا باحثا من جهة، والتعرف على حقيقة آراء ابن خلدون في التاريخ والمجتمع العربي والإسلامي، من جهة أخرى، خصوصا وكان إيف لاكوست قد قرأ فيها ماركس، فجعل من صاحب المقدمة رائدا للمادية التاريخية (في كتابه عن ابن خلدون المذكور في العدد الماضي). وهكذا فما أن أنهيت مسألة الدبلوم والتحقت بالجامعة (أكتوبر 1967) حتى رجعت إلى ابن خلدون أعيد دراسة مقدمته على ضوء مشاغلي الفكرية الحرة (أعني خارج تحضير الدروس)، مركزا على فهم واستيعاب نظريته في التاريخ الإسلامي، توجهني في ذلك الرغبة في اكتشاف ما لم يكن من الممكن التعرف عليه في الأدبيات الماركسية والاشتراكية على العموم، أعني "أسلوب الإنتاج" في الحضارة العربية، وهو ما كان ينقصني في مشروعي الذي بشرت به مقالات "أزمة الاشتراكية في البلدان المتخلفة"!
فعلا هيأت بحثا أكاديميا بعنوان "علم العمران الخلدوني" وكنت أطمح في طبعه ككتاب في مصر، وبالتحديد في إحدى دور النشر المعروفة، كـ"دار المعارف"، وفي هذه الحالة كان لابد من تزكية من أستاذ معروف عند الدار. ذلك ما جعلني أقدم مشروع الكتاب لأستاذنا الدكتور نجيب بلدي، وهو من أساتذة الجامعات في مصر ثم انتقل أستاذا في إحدى الجامعات الفرنسية، ليلتحق بعد ذلك بجامعتنا (جامعة محمد الخامس بالرباط التي كنت منتسبا إليها وكان من جملة أساتذتنا في الفلسفة) وطلبت منه النظر في ذلك المشروع مع التلميح إلى أنني أتطلع إلى أن يقبل كتابة مقدمة له لنشره في دار المعارف بمصر.
ومرت أسابيع وإذا الدكتور بلدي يفاجئني بالقول: "كتابك ليس مجرد كتاب للنشر، بل هو رسالة لدكتوراه الدولة ...!". فعلا سجلت مع المرحوم الدكتور بلدي ذلك البحث كرسالة دكتوراه تحت عنوان أكاديمي "بارد" كما تقتضي التقاليد الجامعية ("علم العمران الخلدوني") ونلت به شهادة دكتوراه في الفلسفة. وعندما قدمته للنشر (سنة 1970) غيرت عنوانه بالصورة التي تجعله أكثر استجابة لمشروعي الأصلي فطبع باسم "العصبية والدولة: معالم نظرية خلدونية في التاريخ الإسلامي". وتعددت طبعاته ودور نشره ولا زال يعاد طبعه إلى اليوم، كل ثلاث سنوات تقريبا. والجدير بالتنبيه أن سلسلة المقالات التي نشرتها مؤخرا في هذه الصفحة بعنوان "الواقع العربي بعيون ابن خلدون" مستقاة منه حرفيا –مع الاختصار وتكييف النص مع مقتضيات "المقالة الصحفية" الخ.
وبعد فماذا خرجت به من دراستي لابن خلدون من نتائج في المشروع الذي كان يشغلني؟
كان السؤال الذي شغلني وأنا أحلل (وأفكك) فكر ابن خلدون ذا شقين:
1) بما أن ماركس قد أرجع الأزمة التي "تبشر بانفجار الرأسمالية وقيام الاشتراكية" إلى تناقض أساسي هو "التناقض بين الطابع الجماعي لعملية الانتاج والملكية الفردية لوسائله"، فما هو، يا ترى، التناقض الذي أدى بالحضارة العربية إلى الجمود العام والتداعي إلى الانحطاط حتى "كأنما نادى لسان الكون في العالم بالخمول والانقباض فبادر بالإجابة" –كما قال صاحب المقدمة؟ والجواب: هو ما عبرتُ عنه بألفاظ ابن خلدون بـ "التناقض بين خشونة البداوة ورقة الحضارة" (وقد أوضحت مضمون هذا التناقض بتفصيل في الكتاب (العصبية والدولة) وباقتضاب في السلسة التي نشرتها في هذه الصفحة)؟
2) أما الشق الثاني من السؤال فقد كان كما يلي: تُرى هل هذا التناقض (بين خشونة البداوة ورقة الحضارة) ما زال قائما إلى اليوم في العالم العربي؟ والجواب: يكفي "وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ" لقوم، و"هل يحتاج النهار إلى دليل" لقوم .. وأقوام.
كان ذلك عن سؤال الأمس؟ أما سؤال اليوم والغد، سؤال "الأزمة المالية والإقتصادية الحالية ومعها أزمة الرأسمالية والليبرالية الجديدة" فهو في "قاعة الانتظار"!