ص1      السابق

 

 

أَيٌّ منهما سيقضي على الآخر : الرأسمالية أم الديمقراطية؟

 

محمد عابد الجابري

بعد بيان خصائص الرأسمالية الجديدة (رأسمالية القرن العشرين بالقياس إلى رأسمالية القرن التاسع عشر) يخلص ستراتشي (المقال السابق) إلى النتائج التالية:

أ) إن المنافسة لم تقض على الرأسمالية كما توقع ماركس، لأن الرأسمالية تطورت تطورا غيَّر من طبيعتها.

ب) إن الإفقار المطرد للعمال لم يقض على الرأسمالية، لأن الإفقار المطرد كما تصوره ماركس لم يحدث، بل إن الذي حدث هو تحسُّن مطرد في وضعية العمال سواء من حيث الأجور أو من حيث التعويضات والخدمات الاجتماعية.

ج) لقد استطاع العمال بفضل مجهودات سياسية وأخرى نقابية (الضغط الديموقراطي) استمرت أكثر من قرن من الزمن، أن "يرفعوا" من مستوى حياتهم ويحسنوا من أوضاعهم. ويتجلى ذلك في:  سن تشريعات تعود بالنفع المباشر على العمال. فقد ازدادت حصتعم من الدخل القومي، سواء على شكل نقود (الزيادة في الأجور) أو على شكل الخدمات الاجتماعية (كالتعليم والصحة) التي تمول من الضرائب التصاعدية المفروضة على الرأسماليين، إضافة إلى الإجراءات التي مكنت العمال من أن ينظموا أنفسهم وينشئوا لهم منظمات ذات قدرة على المساومة ضد مستخدميهم.

وهكذا، يقول سترتشي: إن نضالات العمال والقوى الديمقراطية ضد الرأسمالية قد أنقذت النظام الرأسمالي، وهى قد فعلت ذلك "لا لأنها جعلت ظروف العمل مقبولة فحسب، بل أيضا لأنها أبقت السوق الضروري لتصريف السلع الجاهزة مفتوحا". ثم يخلص ستراتشي من ذلك كله إلى نتيجة نهائية، وهي أنه إذا بقيت الأمور تسير على نفس الوتيرة التي سارت عليها، وإذا حافظت الديموقراطية على نفسها وتعزز الضغط الديموقراطي، أكثر فأكثر، فإن النتيجة هي "أن الديموقراطية ستقضي على الرأسمالية"!

تلك خلاصة آراء ستراتشي في "الرأسمالية المعاصرة" (1957)، ومجمل النتائج التي وصل إليها. وليس في نيتنا هنا (سنة كتابة هذا النص) مناقشة هذه الآراء، وإنما سنرجئ ذلك إلى فرصة أخرى. (تلي ذلك جملة تساؤلات وضعت كخاتمة، تحت العنوان التالي).

عود على بدء

أعتقد أننا، في هذه المرحلة من هذه الدراسة، قد بدأنا نتدرج نحو أهم القضايا في الفكر الماركسي المعاصر، وهى قضايا تخص ثورة البروليتاريا وتطور النظام الرأسمالي؛ فمنظومة ماركس وإنجلز، التي تقوم على أساس أن الثورة الاشتراكية لا يمكن أن تقوم إلا في وضع تكون فيه قوى الإنتاج لا تتلاءم مع علاقات الإنتاج السائدة، وضع تتقدم فيه الصناعة تقدما واسعا، ويزداد فيه استغلال الطبقة العاملة بشكل أكبر فظاعة، مما يجعل العمال يسقطون أكثر فأكثر في هاوية البؤس المطرد، هذه المنظومة التي تقوم كذلك، على أساس تفاقم تناقضات النظام الاقتصادي الرأسمالي، تفاقما ليس له من مصير غير الانفجار... أقول إن هذه الأنظومة، لم تعد تتلاءم في الوقت الراهن (سنة كتابة هذا النص) مع معطيات الواقع الجديد، واقع "الرأسمالية المعاصرة" حسب تعبير جون ستراتشي.

لقد حاول لينين، "ببراعة وقوة"، تدارك الموقف استنادا إلى تحليل الواقع الرأسمالي الجديد المطبوع بالاستعمار، فبرر بشكل منطقي العوامل التي أدت إلى تأخر قيام الثورة البروليتارية في البلدان الأوروبية المتقدمة، مبرزا العوامل التي مكنت الرأسمالية من التغلب على تناقضاتها وتمديد أجل انهيارها، ثم خلص من ذلك إلى  أن الاستعمار هو آخر مرحلة من مراحل الرأسمالية؟

ولكن مع ذلك تبقى عدة أسئلة تطرح نفسها:

 ماذا بعد آخر مرحلة من الرأسمالية؟ وكيف يتم الانتقال إلى الفصل الجديد من المسرحية؟

 نعم لقد وضع لينين نظرية الثورة الاشتراكية "ببراعة ودقة" ولكن ألا يمكن القول إن نظريته تلك إنما هي "التعبير النظري عن النشاط العملي" السائد في حياته، خصوصا في أيام ثورة أكتوبر. وإذا كان الأمر كذلك فهل يمكن تعميم تلك النظرية على سائر البلدان حتى تصبح قانونا للثورة؟ وهل من الواجب أن تنتظر البروليتاريا توفر شروط الوضع الثوري التي خطها لينين حتى تقوم بثورتها؟

أما بخصوص نظرية ستراتشي التي تتلخص فيما يسميه بـ"الضغط الديموقراطي" فإنها تطرح هي كذلك أسئلة شتى: إن ستراتشي قد اقتصر، أو على الأقل، أكد على العوامل الداخلية لتطور الرأسمالية متجاهلا العوامل الخارجية مثل الاستعمار والضغط الذي مارسه قيام المعسكر الاشتراكي على المعسكر الرأسمالي الخ. إن ستراتشي ينتهي إلى نتيجة أن "الديموقراطية ستقضي في النهاية على الرأسمالية".

إذا نظرنا إلى هذه النتيجة من زاوية النزعة التطورية التي تطبع تفكير ستارتشي، وهي نزعة قامت للرد على ماركس في دعواه أن تناقضات الرأسمالية ستؤدي إلى انهيارها تحت معاول نضالات "البروليتاريا"، أمكن القول : إن ظروف الرأسمالية في أوربا، وفي بريطانيا بالتخصيص، في النصف الأول من القرن العشرين، كانت تعطي "الحق" لستراتشي، تماما كما كانت ظروف الرأسمالية الأوروبية في القرن التاسع عشر "تعطي" الحق لتنبؤات ماركس. أما اليوم، أي بعد أزيد من نصف قرن على "تنبؤات ستراتشي"، وفي وقت يعاني فيه العالم أجمع من "أزمة الرأسمالية المعولمة"، يحق لنا أن نتساءل : هل "إن الديموقراطية ستقضي على الرأسمالية"! أم بالعكس : إن الرأسمالية هي التي ستقضي على الديمقراطية"؟!

أما تفسير دجيلاس لأسباب قيام الثورة الاشتراكية في بلد متخلف كروسيا، استنادا، إلى ما دعاه "الحاجة إلى التصنيع" فهو تفسير وحيد الجانب. إن الحاجة إلى التصنيع قائمة اليوم بشكل أكثر إلحاحا في أكثر من ثلثي بلدان العالم، فهل يمكن أن ننتظر ثورات اشتراكية عاجلة بسبب أن الحاجة إلى التصنيع في هذه البلدان هي اليوم أشد ما تكون إلحاحا؟ ثم إن برجوازية روسيا عام 1917 لم تكن الوحيدة في العالم التي عجزت عن القيام بمهام الثورة الصناعية، فلماذا إذن لم تقم ثورات مماثلة في أنحاء أخرى من العالم حينذاك؟ ثم إن دجيلاس يتغافل عن نقطة مهمة وهي تتعلق بالبلدان الصناعية المتطورة التي تمت فيها الثورة الصناعية! هل يمكن أن نقول إن الثورة الاشتراكية في  هذه البلدان غير ذات موضوع لأنه سبق أن قامت فيها البورجوازية الأوربية بمهمتها في تصنيع بلدانها؟

إن القضايا التي تثيرها هذه الأسئلة هي ما يشكل موضوع مقالنا المقبل"؟ (هنا انتهى النص)

***

لم يكن هناك "مقال مقبل"! لقد كتبت "النص" المشار إليه في هذا المقال والمقالات السابقة عام 1966، وهو يتكون من ثلاث مقالات طوال نشرتها  أول مرة في مجلة "أقلام" المغربية في أعدادها الثلاثة الأولى من سنتها الثانية، سنة 1966.  كان العنوان الرئيسي الذي اندرجت تحته هذه المقالات كما يلي: "أزمة الاشتراكية في البلدان المتخلفة" وقد كان هذا "موضوع الساعة" في الستينات من القرن الماضي. وما تقدم من هذا المقال والمقالات الثلاث التي سبقته مقتبسة من المقال الثالث المنشور في المجلة المذكورة بتارخ أكتوبر 1966، وكان عنوانه الخاص "تطور الرأسمالية وقضايا الماركسية المعاصرة" (تحت العنوان الرئيسي: "أزمة الاشترلاكية في البلدان المتخلفة").  أما لماذا توقفت عن مواصلة الكتابة، وقبل ذالك: ما هو الدافع الذي دفعني إلى الكتابة في هذا الموضوع، وما هي الطموحات التي جرتني إلى المغامرة في هذا المجال، وأنا شاب (حصل في تلك السنة فقط على الإجازة (ليسانس) في الفلسفة، فلذلك ما سنخصص له المقال المقبل ... حيث فنواصل التفكير في الموضوع نفسه -بعد انقطاع عنه دام ثلاثة وأربعين سنة- مرتبطين بمنطلقنا "الجديد" في هذه المقالات، وهو "مؤتمر العشرين الكبار" المنعقد في الشهر الماضي للتباحث في  شأن "الأزمة المالية العالمية"، التي كشفت عن أزمة بنيوية خطيرة، لا سابق لها، في النظام الرأسمالي!