الاستعمار الذي أنقذ الرأسمالية الأوروبية ...
محمد عابد الجابري
لخصنا في المقال السابق تحليل ماركس للنظام الرأسمالي كما كان في زمانه، التحليل الذي يمكن إيجازه في العناصر الثلاثة التالية:
1) لقد حدث في القرن التاسع عشر تطور كبير في آلات الإنتاج باستخدام التكنولوجيا الحديثة. 2) إن تطور التقنية بصورة متزايدة يؤدي إلى الاستغناء بشكل متزايد عن عدد متزايد من الأيدي العاملة، و"حبس" الأجور في مستوى منخفض، المستوى الذي لا يمكن العمال إلا من الحصول على ما يحفظون به حياتهم. 3) الزيادة بشكل هائل في إنتاج السلع والمواد الاستهلاكية. وهي زيادة لا تستطيع السوق تصريفها كلها. ذلك لأن المستهلكين الحقيقيين هم العمال وأفراد الطبقات الفقيرة، وبما أن هؤلاء وأولئك يعيشون دوما تحت وطأة البؤس المطرد، فإنه لن يصبح في مقدورهم شراء تلك السلع، وبالتالي فإن مصير كثرة الإنتاج إنما هو الكساد. وهو كساد خطير تنتج عنه فترات ركود تتكرر (حسب ماركس كل عشر سنوات تقريبا) مسببة في أزمات اقتصادية دورية خطيرة.
وهكذا، فالرأسمالية –في نظر ماركس- تحمل بين طياتها تناقضات تؤدي حتما إلى فنائها. "إنها ليست في واقع الأمر –يقول ماركس- إلا مرحلة لابد منها لقيام نقيضها: الاشتراكية".
ولا حاجة بنا هنا للتذكير بأن ماركس قد كتب تحليله للنظام الرأسمالي منذ حوالي مائة عام (عند كتابة هذا النص). وواضح أنه حدثت تطورات مهمة خلال هذا القرن من الزمن. لقد برزت معطيات جديدة في سير الأمور، وهي معطيات تتطلب تحليلا وتفسيرا جديدين، أو على الأقل مكملين لتفسير ماركس.
... والواقع أن انحراف مجرى الأحداث عن الاتجاه الذي رسمه ماركس استنادا على الوقائع التي عاشها، قد جعل كثيرين من أتباعه فضلا عن خصومه يشنونها حملات واسعة على ما يسمى بـ"تنبؤات ماركس" (والمقصود : انهيار النظام الرأسمالي)، وهكذا قامت تيارات انتقادية ونقدية مختلفة، شهد ماركس نفسه بعضها في أواخر أيامه، وامتد بعضها الآخر إلى بعد وفاته بسنين. ونحن هنا لا نرمى إلى كتابة تاريخ للفكر الاشتراكي، فبوسع القارىء أن يشفي غليله في هذا الموضوع، في عشرات من المجلدات، وبمختلف اللغات. وإنما الذي نرمى إليه هو الإشارة بإيجاز إلى المعطيات الجديدة التي شهدتها هذه الحقبة من الزمن التي تفصلنا (حين كتابتنا لهذا النص) عن الربع الأخير من القرن التاسع عشر.
... إننا لن نتعرض هنا، لكل ما قيل في الموضوع، فذلك أكبر من أن يحيط به فرد واحد، وإنما سنقتصر على تلخيص نظريات ثلاث تبدو لنا جدية إلى حد كبير. وهى التفسير اللينيني المعروف، وتفسير ستراتشي المفكر الاشتراكي البريطاني التطوري، وتفسير دجيلاس "الشيوعي المرتد".
1- الرأسمالية والاستعمار
درس لينين التطورات الجديدة التي طرأت على النظام الاقتصادي الرأسمالي بفعل التوسعات الاستعمارية التي غيرت من شكله، وذلك في كتاب سماه "الاستعمار أعلى مراحل الرأسمالية". حدد لينين المرحلة الجديدة من الرأسمالية ببداية القرن العشرين، حين لم تعد الرأسمالية تقوم أسـاسا على الحرية والمنافسة، وإنما غدت رأسمالية ذات صفات جديدة أهمها الاحتكار وتمركز الإنتاج. لقد انقلبت المزاحمة إلى احتكارات، ونتج عن ذلك أن أخذ الإنتاج يتخذ صبغة اجتماعية أكثر فأكثر! وفي ملكية عدد قليل من الأفراد.
وإذا كان من خصائص الرأسمالية بوجه عام، فصل "ملكية الرأسمال" عن "توظيف الرأسمال المالي" : أي الرأسمال الموجود تحت تصرف البنوك والذي يستخدم في الصناعة، الشيء الذي ينشأ عنه تمركز أكثر واحتكار أكبر ومن ثمة اندماج البنوك في الصناعة. وبعبارة أخرى إذا كان فصل صاحب الدخل الذي يعيش من عائدات رأسماله النقدي عن الرجل الصناعي والمشتركين معه في إدارة رأس المال- فإن الاستعمار، أو سيطرة رأس المال المالي الذي هو مرحلة الرأسمالية العليا، هو الذي يبلغ فيه هذا الفصل مقاييس هائلة، الشيء الذي يجعل رأسمال المالي يسيطر على بقية أشكال الرأسمال. "وهذا يعنى ظهور عدد قليل من الدول التي تملك القوة المالية بين سائر الدول الأخرى": "فالرأسمالية قد أفرزت الآن (يقول لينين) حفنة من الدول في منتهى الغنى والقوة، تنهب العالم كله بمجرد "قص الكوبونات".
لقد كانت الرأسمالية القديمة تقوم أساسا على تصدير البضاعة حيث كانت السيادة التامة للمزاحمة والمنافسة. أما في الرأسمالية الجديدة فإن سمتها الأساسية هي تصدير رأس المال. وبيان ذلك أنه : "في أواخر القرن التاسع عشر تشَكَّل نوع آخر من الاحتكارات : في البدء ظهرت اتحادات رأسمالية احتكارية في جميع الأقطار الرأسمالية المتطورة، ومن ثم نشأ وضع احتكاري خاص ببعض البلدان التي في منتهى الغنى فبلغ فيها تراكم الرأسمال مقاييس هائلة. وهكذا نشأ فائض هائل من رؤوس الأموال في البلدان الصناعية المتقدمة. وبديهي أن مسألة فائض رأس المال ما كانت لتطرح لو استطاعت الرأسمالية تطوير الزراعة المتأخرة عن الصناعة تأخرا كبيرا في كل مكان، لو استطاعت الرأسمالية رفع مستوى معيشة جماهير السكان، المستوى الذي بقي في كل مكان متاخما للجوع والتسول رغم التقدم التكنولوجي المذهل... وما دامت الرأسمالية رأسمالية فإن فائض الرأسمال لا يوجه إلى رفع مستوى معيشة الجماهير في بلاد معينة لأن ذلك يعني تخفيض أرباح الرأسماليين بل يوجَّه إلى رفع الأرباح عن طريق تصدير الرأسمال إلى الخارج، إلى البلدان المتأخرة! والربح مرتفع في المعتاد في هذه البلدان المتأخرة لأن رؤوس الأموال قليلة وأسعار الأرض منخفضة نسبيا والأجور زهيدة والخدمات رخيصة".
يمكن أن نلخص التفسير اللينيني لعدم صدق نبوءة ماركس فيما يتعلق بانفجار تناقضات الرأسمالية في هذه المستجدات التي لم يدخلها ماركس في حسابه:
1- دخلت الرأسمالية، في مرحلة الاستعمار، طورا جديدا أساسه تمركز قوي واحتكارات حادة وتصدير لكل من الرأسمال المالي وفائض الإنتاج. وهذا ما ساعدها على حل أزمة فائض الإنتاج ولو بصفة مؤقتة.
2- جنت الرأسمالية من تصدير رأسمال المالي وفائض الإنتاج إلى البلدان المستعمرة أرباحا طائلة، أنقذتها ولو مؤقتا من مفعول قانون انخفاض معدل الربح.
معنى ذلك كله أن الرأسمالية استطاعت أن تمدد أجلها بفضل ما منحه إياها الاستعمار من إمكانيات جديدة خاصة:
1- إمكانية الحصول من المستعمرات على المواد الأولية بأثمان بخسة، وعلى اليد العاملة الرخيصة.
2- إمكانية تصريف منتجاتها وفائض الرأسمال إلى البلدان المستعمرة حيث عملت الدول الرأسمالية المستعمرة، وتعمل على خلق ظروف ملائمة في هذه البلدان الهدف منها تيسير استهلاك الشعوب المستعمرة لأكثر ما يمكن من منتجاتها الاستهلاكية التي لا تزداد إلى ضخامة ...
3- وهذا الربح الإضافي الهائل الذي تجنيه الرأسمالية من الاستعمار، يستعمله الرأسماليون في بلادهم "لرشوة زعماء العمال والفئة العليا منهم التي تكون "أرستقراطية العمال". وقد اتخذت هذه "الرشوة" أشكالا متعددة : منها الرشوة الصريحة ومنها الامتيازات والزيادات في الأجور الخ، الشيء الذي كانت نتيجته تأخير انفجار تناقضات النظام الرأسمالي".
تلك باختصار هي وجهة نظر لينين في عدم انفجار تناقضات الرأسمالية. وسنرى وجهات نظر أخرى، غير شيوعية أو مضادة لها، نصل عبرها إلى الأزمة التي يعيشها النظام الرأسمالي اليوم!