مؤتمر "العشرين" ... و"قانون" أزمة الرأسمالية
محمد عابد الجابري
نعرض في هذا المقال للحدث الثاني، من الأحداث الثلاثة التي عرفها أوائل هذا الشهر والتي أعلنا عن عزمنا على التعليق عليها. يتعلق الأمر بـ مؤتمر "مجموعة العشرين" الذي انعقد في دورته الثانية بلندن في الثاني من هذا الشهر، وهو عبارة عن "منتدى للحوار" يتكون من رؤساء الدول الصناعية المتقدمة (الولايات المتحدة الأمريكية واليابان وألمانيا وفرنسا وبريطانيا وإيطاليا) والدول التي توصف بالدول النامية ذات الاقتصاد القوي أو الصاعد (مثل روسيا والهند وتركيا وجنوب إفريقيا، والمملكة العربية السعودية، وأستراليا والأرجنتين والبرازيل، وكندا، وكوريا الجنوبية، واندونيسيا، والمكسيك)، هذا إضافة إلى البنك الدولي، والبنك المركزي الأوروبي. والهدف من هذا المؤتمر: "العمل على استقرار الاقتصاد العالمي"، الشيء الذي يعني رعاية العولمة والعمل على معالجة الأزمة الخانقة التي تهدد النظام الرأسمالي ككل بالانهيار.
وما يلفت النظر، بادئ ذي بدء، في "مجموعة العشرين" هذه هو أنها مثل الحركة المضادة لها، عبارة عن إطار يضم رؤساء دول مختلفة متفاوتة متنافسة لكل منهم مصالح قومية يدافع عنها، وبالتالي فلا يجمع بينهم رأي ولا مذهب سوى ارتباطهم، بهذا الشكل أو ذلك بالنظام الرأسمالي الذي من خصائصه الوقوع في أزمات بنيوية من حين لآخر.
في هذا الجو، إذن، انعقد مؤتمر "مجموعة العشرين" في لندن جاعلا هدفه البحث عن سبيل لإنقاذ النظام الاقتصادي العالمي المهدد بالانهيار التام! فما الذي خرج به هذا المؤتمر من نتائج؟
ما يمكن التقاطه من البيان الختامي لهذا المؤتمر هو حرص المشاركين فيه على الظهور بمظهر "الجبهة الواحدة المتماسكة" مع كلام عن "التوصل إلى اتفاق" حول قرارات يترك أمر تنفيذها لدول المجموعة، قرارات هي في مجملها عبارة عن حث الحكومات والمنظمات الدولية على اتخاذ التدابير اللازمة للخروج من هذه الأزمة، وذلك بالتأكيد مجددا على رفض النزعة الحمائية، مع السماح بتدخل الحكومات في تنظيم الأسواق المالية، والعمل على إضفاء نوع من الشفافية والأخلاقية على النظام الرأسمالي العالمي الراهن. أما القرار "العملي" فهو الوعد بضخ بليونات من الدولارات في مؤسسات الاقتصاد العالمي وبالخصوص منها صندوق النقد الدولي... مجرد وعد! ويبقى السؤال: من سيدفع، وكيف، ومتى، ولأية أغراض..؟
نستطيع إذن أن نخلص إلى ما يلي: إننا لا نجد لا في مؤتمر "مجموعة العشرين" حديثا صريحا عن الأسباب الحقيقية لهذه الأزمة الجديدة التي انتهى إليها تطور النظام الرأسمالي في عصر العولمة، تماما كما لم نجد وراء مظاهرات "الحركة المناهضة للعوامة" خطابا يكشف بصراحة وعمق عن تلك الأسباب، ولا تبشيرا ببديل تقدمه يتجاوز تلك الأسباب!
وأمام غياب التحليل العلمي (الواقعي الموضوعي) لهذه الأزمة البنيوية التي تكاد تطيح بـ النظام الرأسمالي في عصر العولمة، لم يبق أمامنا –الآن على الأقل- سوى الرجوع إلى التاريخ، إلى التحليل المشهور الذي قام به ماركس (ماركس العالِم صاحب كتاب "رأس المال" وليس الماركسية اللينينية، الإيديولوجية).
سنقتصر هنا في هذا المقال (وفي ما يليه في الموضوع نفسه) على إيراد نص كنا قد لخصنا فيه تحليل ماركس للاقتصاد الرأسمالي وتناقضه البنيوية. (أما تاريخ كتابة هذا النص ومناسبته فسنكشف عنهما في آخر المطاف). قلنا في هذا النص:
"... إن تحليل الاقتصاد الرأسمالي يكشف بوضوح عن هذه التناقضات (تناقضات النظام الرأسمالي). إن السمة الأساسية للاقتصاد الرأسمالي هي أنه اقتصاد يقوم في الأساس على الربح. فالرأسمالي حينما يفتح معملا للأحذية مثلا لا يفعل ذلك من أجل تلبية حاجات الناس من الأحذية وإنما يفتح المعمل ويخاطر بأمواله لأجل تحقيق هدف واحد هو الربح. إنه ينتج ليبيع، ويبيع ليربح. وليحصل الرأسمالي على الربح عليه أن يضمن السوق لإنتاجه، عليه أن يتمكن من البيع بالثمن الذي يحقق له أكبر قدر من الربح. غير أن هذا الرأسمالي ليس وحده في الميدان، فهناك آخرون يزاحمونه في السوق، وهكذا يدخل الرأسماليون في منافسة مع بعضهم بعضا، كل منهم يحاول السيطرة على السوق، ومن ثمة القضاء على منافسيه: "إن طبيعة المنافسة تقتضي أن يتمكن الرأسمالي من القضاء على منافسيه أو يقضون عليه". ولتلافي هذا المصير يلجأ الرأسماليون إلى العمل على تخفيض تكاليف السلعة، وهو تخفيض ليس من سبيل لتحقيقه إلا بالزيادة في الإنتاج وتنظيمه تنظيما أحسن، مما يتطلب معامل كبيرة ضخمة، الشيء الذي ليس في ميسور جميع الرأسماليين المتنافسين. وهكذا يفلس فريق منهم فينضم إلى الطبقة العاملة، طبقة الأجراء، ونتيجة ذلك أن أدوات الإنتاج تتركز في جماعة يقل عددها أكثر فاكثر.
غير أن الرأسمالي حينما يعمد إلى تطوير آلات الإنتاج وأساليب العمل للحصول على أكبر قدر من الإنتاج إنما يعمل في نفس الوقت، من حيث لا يدري، على التخفيض من معدل الربح. ذلك أن الرأسمال الموظف في مشروع ما ينقسم إلى قسمين: الرأسمال الثابت (الآلات والمواد الأولية والبنايات) والرأسمال المتغير (أجور العمال). وإذا فحصنا السلعة على ضوء هذا التقسيم اتضح لنا أنها هي الأخرى تتركب من جزأين: جزء يمثل العمل القديم (المواد الأولية والمساعدة وتآكل الآلات) وقسم يمثل العمل الجديد أي العمل الضروري لتحويل المواد الأولية إلى البضاعة المتوخاة. وهذا الجزء الأخير، أي العمل الجديد، ينقسم بدوره إلى قسمين: قسم منه يمثل الرأسمال المتغير (أجور العمال)، وقسم يمثل فضل القيمة، أي مجموع الربح.
وهكذا فإن فضل القيمة أو مجموع الربح، ليس في واقع الأمر إلا جزءا من العمل الجديد، ونحن نعرف أن العمل الجديد إنما يقوم به العمال. ومعنى ذلك أن فضل القيمة (الربح) إنما ينتجه الرأسمال المتغير. وهكذا يجد الرأسمالي نفسه مضطرا إلى رفع قيمة العمل الجديد للحصول على الربح:
- إما بالزيادة في ساعات العمل وتلك طريقة الرأسماليين، في أول عهد النظام الرأسمالي، قام العمال ضدها بنضالات تاريخية معروفة مما مكنهم من أن يفرضوا على الرأسماليين تخفيضا في ساعات العمل.
- وإما الزيادة في الإنتاجية، وهذه تستلزم تحسين أدوات الإنتاج وإدخال التقنية الحديثة في جميع مرافق العمل. وهذا يتطلب توظيفات مالية واسعة أي الزيادة في الرأسمال الثابت. وقد رأينا من قبل أن الربح أي فضل القيمة إنما ينتجه الرأسمال المتغير. فالزيادة في الرأسمال الثابت مع بقاء الرأسمال المتغير على حاله أو مع زيادات أقل، لا يحقق ربحا حقيقيا، وإنما يؤدي إلى التخفيض من معدل الربح. إن معدل الربح يساوي: فضل القيمة (أي مجموع الربح) مقسوما على الرأسمال بقسميه : الثابت والمتغير. وإذا صغنا هذه القضية في شكل معادلة رياضية اتضح لنا من أول وهلة –وفقا لقاعدة حسابية معروفة وهي أن الزيادة في مقام الكسر تخفض من قيمة الكسر- إذا فعلنا ذلك اتضح لنا أن الزيادة في الرأسمال الثابت تؤدي حتما إلى التخفيض من معدل الربح.
وهكذا فإذا رمزنا لفضل القيمة بالحرف : (ف) وللرأسمال الثابت بحرف (ث) وللرأسمال
المتغير بالحرف (م) وإلى معدل الربح بالحرف (ع) كانت لدينا المعادلة الآتية:
وواضح من المعادلة أن ارتفاع معدل الربح (ع) يتطلب الزيادة في بسط الكسر (ف) أي
الزيادة في فضل القيمة أي الزيادة في ساعات العمل وهو شيء غير ممكن للرأسمالي، أما
الزيادة في الرأسمال الثابت (ثا) وهو الأمر الذي يلجأ إليه الرأسمالي فإنما ينتج
عنها تخفيض في قيمة الكسر. أي التخفيض من معدل الربح. فالجري وراء الربح يؤدي في
النهاية إلى التخفيض من معدل الربح. ولقد كان الجري وراء الربح عاملا أساسيا في
تطور الرأسمالية. غير أن تطور الرأسمالية يؤدي إلى انخفاض الأرباح. ذلك أن النظام
الرأسمالي، بتطويره المستمر لقوى الإنتاج، بإدخال التقنية الحديثة في آلات الإنتاج،
سعيا وراء تخفيض تكاليف الإنتاج ابتغاء للربح، إنما يعمل في نفس الوقت على الزج
بنفسه في وضعية خطيرة من شأنها، ليس فقط أن تجعل الربح منعدما، بل أن تجعل
الرأسمالية تئن تحت وطأة الكساد كما سنرى.