ص1      السابق 

محاربة الفقر ... أم القضاء على الاستغلال؟

محمد عابد الجابري

في المقال السابق عرضنا للأحداث الثلاثة البارزة التي عرفتها بداية هذا الشهر، وهي : مظاهرات الاحتجاج العالمية التي نظمتها "الحركة العالمية لمناهضة العولمة" والتي قامت ضد مؤتمر "العشرين الكبار"، ثم انعقاد هذا المؤتمر نفسه، ثم مؤتمر القمة العربي المنعقد في الدوحة. وقلنا إن ما يربط بين هذه الأحداث الثلاثة أمران اثنان: أولهما يقع على مستوى البنية السطحية، ويتعلق الأمر باصطناع النجاح والتعبير عن التفاؤل والنفخ في "النتائج" المحصل عليها الخ، والثاني يقع على مستوى البنية العميقة، وهو كونها جميعا تعكس ثلاث أزمات بنيوية، متشابهة ومترابطة ... بدأنا بـ"المظاهرات العالمية" وأبرزنا ظروف نشأة هذه الحركة وتطورها وازدياد وعيها بمضمون "العولمة" وأبعادها، ونريد في هذا المقال أن ننظر فيما تستطيع هذه الحركة فعله للحد من سلبيات العولمة، خصوصا بعد الأزمة الخطيرة التي أفرزتها، الأزمة المالية التي كشفت عن أزمة جديد وخطيرة في النظام الرأسمالي. 

لقد أبرزنا كيف أن الطابع العام الذي تتميز به هذه المنظمات المناهضة للعولمة هو حرصها على النضال السلمي وكيف أن التحديات التي تواجهها هذه الحركة نتيجة انزلاق القوى الإمبريالية المتطرفة إلى تبني "الليبرالية المتوحشة" وظهور نوع من النزوع لديها إلى ما عبرت عنه تارة بـ "الفوضى الخلاقة" وتارة بـ"العولمة العسكرية" للدفاع عن العولمة الاقتصادية، كان لابد  أن يثير كل ذلك ردود فعل مضادة، عززت جانب الأجنحة المتطرفة في الحركة العالمية المناهضة للعولمة. لقد أخذت هذه الأجنحة المتطرفة تروج لفكرة "عدم جدوى الاقتصار على الأشكال الحالية للنضال (مظاهرات، مسيرات، لافتات...)  بل لابد من المرور إلى أشكال أخرى من "العمل المباشر الذي من شأنه أن يلحق الأذى بالشركات التي تمارس العولمة التجارية والتكنولوجية على حساب الكرة الأرضية وسكانها المعدمين".

في هذا الإطار تعرضت آلاف الشركات لهجمات القراصنة على مستوى الانترنيت مما أصابها بالشلل التام... وهكذا تحولت هذه الوسيلة التي تمثل أحد أهم وأبرز الدعائم التي تقوم عليها العولمة في مختلف المجالات إلى وسيلة هامة جدا يوظفها مناهضو العولمة للاتصال والتنظيم والتشويش ضد العولمة ومؤسساتها.

ومع ذلك كله فإن كيان الحركة المناهضة للعولمة قد بقي وسيبقى كيانا يطفو عل السطح، يعاني من "أزمة وجود" على الصعيد البنيوي، لسببين اثنين: أولهما أن هذه الحركة هي حركة موسمية سنوية تطفو على السطح بمناسبة انعقاد مؤتمر دولي لـ "رؤساء نظام العولمة" السياسيين والاقتصاديين". وثانيهما أنها حركة غير مبنية وغير قابلة لـ"البناء". ذلك أن كيانها يفتقد إلى الجذور التي تشدها إلى قضية واحدة منها تستمد أهم عوامل الاستمرارية، كما أنها تفتد في الوقت نفسه إلى الإطار العالم الذي يجمع الشمل ويضع حدا لـ"التعدد والخلاف" اللذين يخرجان عن نطاق "الاختلاف داخل الوحدة". إن كونها تضم –كما أبرزنا في المقال السابق- ما لا يحصى من المنظمات والتنظيمات والجماعات: منها ما تشغله قضية العمال العاطلين والمستضعفين من الفقراء، ومنها ما يركز اهتمامه على قضايا الصحة والبيئة والتعليم، ومنها ما يواجه النظام العالمي "الجديد" بوصفه إمبريالية جديدة، ومنها ما يركز على الاستغلال الذي تتعرض له بلدان العالم الثالث الخ، وأيضا هناك في كل واحدة من هذه الجماعات والمنظمات يمين ويسار: يمين يهمه استمرار النظام الرأسمالي والتخفيف من أزماته والالتفاف حولها بطريقة من الطرق... ويسار يطمح إلى وضع حد للاستغلال الذي يقوم عليه كيان هذا النظام، وبالتالي "القضاء" عليه بصورة ما، أضف إلى ذلك فريق ينظر إلى الأمر لا من جهة "اليسار" و"اليمين" بل ينظر إلى المسألة من زاوية أخلاقية.

وإذا نحن تركنا جانبا هذا التصنيف الإيديولوجي ونظرنا إلى التجربة التاريخية للنظام الرأسمالي أمكن أن نسجل أن الرأسمالية الليبرالية الكلاسيكية قد تمكنت، فعلا، في كثير من الأقطار الأوروبية من التخفيف من حدة الأزمة التي كانت تهدد الرأسمالية بالانفجار، وذلك بفضل عاملين مترابطين: أولهما كفاح الطبقة العاملة لأهم سلبيات النظام الرأسمالي وهو "الاستغلال"، كفاحا متواصلا متناميا ومن داخل النظام نفسه، وثانيهما تكيف الدول الليبرالية الديمقراطية مع الأزمة، بتقديم تنازلات هامة، فرفعت من الأجور وربطتها بالأسعار وأقرت خدمات اجتماعية عميقة واسعة سواء على مستوى التعليم والصحة والتقاعد أو على مستوى التعويض على البطالة وتخفيض ساعات العمل الخ...

 ولا بد من التأكيد على أن هذه المكاسب والإنجازات التي تحققت في أوربا قد جرى إنجازها في إطار الدولة القومية: الدولة/الأمة. فالرأسمال رأسمال وطني، والمنافسة وطنية، والعلاقات مع الخارج كانت تتم عبر الحماية الجمركية وخدمة المصالح الاقتصادية والإستراتيجية في "ما وراء البحار". هذا فضلا عن استغلال المستعمرات ونقل فائض القيمة فيها إلى "المتروبول": مركز الدولة المستعمرة.

أما في زمن العولمة/الليبرالية المتوحشة، التي تقلص من دور الدولة القومية إلى درجة تقترب من الصفر، والتي تهيمن فيها الشركات المتعددة الجنسية التي تتخذ مبدءا لها "الحصول على أكبر ما يمكن من الربح بأقل ما يمكن من العمال"، فإن الأمر لا بد أن يختلف بصورة جذرية. ذلك أنه إذا كان النمو الاقتصادي في الماضي يخلق مناصب الشغل فإن النمو الاقتصادي في إطار العولمة والليبرالية المتوحشة يؤدي -ويتوقف على- تخفيض عدد مناصب الشغل. إن بعض القطاعات في مجال الإلكترونيات والإعلاميات والاتصال، وهي من القطاعات الأكثر رواجا في العالم، لا تحتاج إلا إلى عدد قليل من العمال. إن التقدم التكنولوجي يؤدي في إطار العولمة والخوصصة إلى ارتفاع البطالة مما سيؤدي حتما إلى أزمات اقتصادية اجتماعية.

هذا من جهة، ومن جهة أخرى فطرح المسألة على مستوى الأخلاق لا يجدي؛ فليس هناك في إطار "الوضع العولمي" ما يتحمله ولا ما يدفع إلى الاهتمام به. لقد كان الشأن الإنساني الذي تخدمه الجمعيات الخيرية والمنظمات الأهلية من قبل، وإلى حد الآن، هو تلك الظواهر من الحياة البشرية التي تشكل استثناء: المعوقون واليتامى وضحايا الحروب والكوارث الطبيعية  الخ... أما اليوم فالأمر يختلف، فلم يعد الفقر ولا البطالة ولا الفوارق الاجتماعية ولا الطفولة المشردة ظواهر فردية أو حالات ظرفية. كلا، إن الأمر يتعلق اليوم باتجاه عام يتغلغل في جسم المجتمع في كل مكان ويطبع نظاما عالميا بأكمله، وبالتالي فمقاومته تتطلب أكثر كثيرا من مجرد العمل على استجداء الضمائر وتحريك عواطف الشفقة والرحمة والبذل والإحسان الخ... وهي الوسيلة التي تعتمدها المنظمات الأهلية عادة.

       وعبثا حاولت بعض الجهات أن تضفي على النظام الرأسمالي القائم على الليبرالية المتوحشة مسحة "أخلاقية" من خلال الترويج لشعار "محاربة الفقر". ذلك أن الأمر يتعلق لا بالفقر بحد ذاته، فـ"الفقر" لا "ذاتية" له خارج أسبابه، وفي مقدمتها "الاستغلال". إن وضع شعار "محاربة الفقر" مكان شعار "محاربة الاستغلال"  ليس من شأنه إلا أن يكرس الاستغلال ويطيل من عمر الفقر.