ص1     السابق

 

كلام في مسألة الهوية...!

محمد عابد  الجابري

عادت مسألة الهوية لتطرح نفسها من جديد : كيف؟ ولماذا؟

أما أن تطرح مسألة الهوية، سواء على مستوى الأفراد أو على مستوى الشعوب والأمم، كلما كان هناك تحد أو تهديد خارجي أو شعور بالتهميش والإحباط الخ، فهذا شيء طبيعي جدا. إنه أسلوب من أساليب تأكيد الذات وإعادة ترتيب علاقاتها بمحيطها من أجل إثبات الوجود وتحقيق الاستقرار والطمأنينة.

وما من شك في أن شعوب العالم تجتاز اليوم ظروفا صعبة: تواجه تحديات تتهددها ليس فقط في هويتها كشعوب تتطلع إلى تحقيق نهضتها وتقدمها واستقرارها، بل تواجه تحديات وأخطارا تهدد كثيرا منها في كيانها كوجود. ومن هنا هذا السؤال الذي يفرض نفسه على كل شعب أو طائفة، سؤال: من نحن؟ وهذا السؤال المقض للمضاجع لا يتعلق بالحاضر، بل يتعلق أكثر بالماضي والحاضر والمستقبل!

ومع ذلك، ومع أن ضغط هذا السؤال على رؤانا في الوقت الحاضر، شديد للغاية فإنه يجب أن لا يؤدي بنا إلى الاستسلام، بل من الضروري أن نواجهه بثبات وعقلانية.

إن مسألة الهوية عندما تطرح نفسها على شعوب عريقة، كالشعوب العربية والفارسية والهندية والصينية الخ، والتي اجتازت خلال تاريخها المديد تجارب قاسية، يجب أن ينظر إليها على أنها تعبير عن الحاجة، لا إلى تحديد الهوية، بل إلى إعادة ترتيب عناصرها وإعادة إرساء علاقتها بالمحيط. إن التجارب والتحديات تجعل من الضروري بين حين وآخر إعادة ترتيب عناصر "الأنا" بالشكل الذي يمكن من اجتياز الأزمة التي يطرحها سؤال الهوية في مثل هذه الظروف. إنها في الغالب "أزمة نفسية"، أزمة على صعيد الوعي، قد تشتد لدى شريحة أو شرائح في المجتمع، إلى الدرجة التي تؤدي إلى طرح سلبي لمسألة الهوية. هذا في حين أن المسألة كلها تؤول في نهاية الأمر إلى إعادة التوازن داخل الوعي، الفردي والجماعي.

ومن هنا يبدو واضحا أن معالجة مسألة الهوية، ككثير غيرها من المسائل، تتوقف على الطريقة التي نتعامل بها معها. فإذا نحن نظرنا إلى الهوية من حيث الثبات، من حيث الهو-هو، (وهذا هو معنى الهوية في اصطلاح المنطق الصوري) فإننا سنجد أنفسنا "نتحرك" على نقطة ميتة، ولذلك كان من الضروري التعامل مع مسألة الهوية من زاوية تسمح بممارسة الفعالية العقلية فيها وذلك بالنظر إليها أولا من الزاوية التاريخية، الزاوية التي تفرض النظر إلى الأشياء، لا من خلال الثبات والجمود، بل من خلال التطور، من خلال تموجات التاريخ... في هذه الحالة تصبح مسألة الهوية موضوعا للفكر، يمارس العقل فعاليته عليها، وليس حالة وجدانية تجعل عقل صاحبها –وجسمه كذلك- يهتز على نقطة ميتة، لا يتقدم خطوة حتى يتراجع أخرى!

علينا إذن أن ننظر إلى مسألة الهوية المطروحة علينا حاليا من منظور تاريخي، منظور موضوعه لا الهوية في صفتها الثابتة، بل الهوية من حيث إنها وعي بالذات متطور متجدد.

كيف تطور وعينا بذواتنا؟ كيف أقمنا، خلال تاريخنا، علاقات جدلية بين ذواتنا وبين المعطيات الخارجية؟ وبعبارة أخرى يجب أن ننظر إلى الهوية في سياق التجربة التاريخية للأمة ككل.

الأمة العربية، مثلها مثل كثير من الأمم، هي مجموعة قبائل وشعوب، لها تاريخ مديد يمتد إلى آلاف السنين. لكن الوعي بالهوية في وقت من الأوقات، لا يمتد بالضرورة عبر هذه الآلاف من السنين جميعها، لا على المستوى الفردي ولا على المستوى الجماعي، بل هو وعي يتحرك داخل التاريخ الذي ما زال حيا في النفوس -أو صار كذلك بعد طول غياب- يفعل فيها، تستنجد به وتستلهمه كلما كان هناك شعور بالحاجة إلى ذلك.

وبالنسبة للعالم العربي، الذي لا يشكل فيه "العرق العربي الأصيل" (إذا جاز التعبير) الأغلبية العددية، فإن التاريخ الحي في وعي الأغلبية الغالبة من أبنائه يبتدئ مع بداية الإسلام، مع امتداد باهت إلى ما قبل الإسلام مشرقا ومغربا. ولكن بما أن "ما قبل الإسلام"، هنا أو هناك، إنما يكتسب معناه في الوعي الجماعي من خلال صلته بالإسلام، فإنه من الممكن أن نعتبر تمكن الإسلام كدين وحضارة في كل قطر، كبداية جديدة لوعي أبنائه بانتمائهم لـ"العالم العربي" ، هذا "العالم" الذي يشكل المجال الجغرافي التاريخي لوعي "الأنا" بوجود "الآخر" الذي به تحدد –الأنا- كهوية منفصلة إن تكن مغايرة تغاير تضاد مع ذلك الآخر. ذلك هو مضمون اصطلاح "العجم" في مقابل "العرب" أو "المسلم" في مقابل "الكافر" (أو "النصراني" بمعنى "الرومي، الأوروبي في اصطلاح أبناء المغرب الكبير).  

من مظاهر مسألة الهوية التي طرحت وتطرح منذ اليقظة العربية التي عرفها العالم العربي منذ أواخر القرن التاسع عشر، مسألة العلاقة بين "العروبة والإسلام"، وبعبارة أشمل بين "الناطقين بلغة الضاد" وغيرهم من الأقوام التي يجمعها معهم الإسلام. إنها ظاهرة من الظواهر التي تنتمي في بعض جوانبها إلى إشكالية "الأنا والآخر".

ذلك أن الوعي بالهوية إنما يتحقق من خلال الوعي بالآخر. والإسلام، حين البعثة المحمدية، بدأ في بيئة عربية محض وكان الوعي بالأنا لدى الرسول (ص) وصحبه يتشكل عبر الآخر الذي كان في بداية الأمر هم كفار قريش، ثم مع اتساع رقعة الإسلام داخل الجزيرة العربية نفسها أخذ الوعي بـ"الأنا/الإسلام" كدين يقترب من التطابق مع "الأنا/العرب" كقوم. وقد برز هذا واضحا في عهد عمر بن الخطاب الذي كانت له نزعة عربية معروفة. كان الأنا في ذلك الوقت يتحدد كما يلي:

ـ العرب في مقابل الفرس والروم. ففي هذه المرحلة، مرحلة الخلفاء الراشدين بكيفية عامة، كان مفهوما "العرب" و"الإسلام" يتداخلان بسرعة في الوعي العام ليشكلا هوية واحدة. كان الإسلام من هذه الزاوية دينا قوميا في بداية الأمر، ومع اتساع الفتوحات الإسلامية وبروز الحضارة العربية الإسلامية على مسرح التاريخ كحضارة "عالمية" وتراجع "المد العربي" من الجزيرة والشام، تحولت الهوية العربية إلى هوية ثقافية، يتحدد فيها الدين بلغة القرآن (العربية) بينما تتحدد فيها "القومية" بالبعد الديني : الإسلام. وقد بقي هذا النوع من التحديد المزدوج للهوية إلى العصر الحاضر، حيث كان المهاجر الأمازيغي من شمال إفريقيا إلى أوربا يجيب عن سؤال "من أنت"؟ قائلا : "أنا عَربي".

للمقال بقية