المستبد العادل ... بديلا للديمقراطية!
محمد عابد
الجابري
لا بد من التنبيه أولا إلى الفرق بين مفهوم الاستبداد في مرجعيتنا
التراثية ومفهومه في اصطلاحنا اليوم المستقى من المرجعية الأوربية. لم يكن لكلمة
"الاستبداد" في المرجعية العربية القديمة ذلك المضمون السلبي الذي لها
اليوم. لقد كان "الاستبداد" يعني الحزم وعدم التردد في اتخاذ القرار
وتنفيذه. ومن هنا تلك العبارة الشهيرة : "إنما العاجز من لا يستبد". هذا
هو معنى الاستبداد في المرجعية العربية خصوصا عندما يقرن بـ "العدل". فالعدل
يفقد مضمونه مع العجز عن تطبيقه. أما الاستبداد بدون عدل فكان له اسم آخر في
المرجعية العربية وهو "الطغيان" ("اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ
إِنَّهُ طَغَى" 24). أما مفهوم "المستبد العادل"، كنموذج للحكم
الصالح، فيحيل إلى السيرة التي عرفت عن الخليفة عمر
بالخطاب في الحكم، والمتميزة بـ"الحزم" والعدل".
كان ذلك هو الأصل. غير أن التراث العربي
الإسلامي كان ذا مرجعيات متعددة. وأول مرجعية تفرض نفسها على الباحث في مجال الفكر
السياسي هي المرجعية الفارسية. فهذه المرجعية هي التي كرست في الفكر العربي
الإسلامي نموذج "المستبد العادل"، وذلك من خلال الأدبيات المترجمة أو الموضوعة
حول حزم "أردشير" الذي استطاع أن يلم شمل الأمة الإيرانية بالتحالف مع
رجال الدين، مما مكنه من تأسيس الدولة الساسانية على مبدأين: الدين والملك. الدين
كأساس للمُلك، به تكون التعبئة وجمع الشمل ووحدة الهدف، والمُلك كحارس للدين،
بمعنى الحفاظ عليه كأساس للملك، أي حراسته من أن يستعمله المعارضون الثائرون على
الملك. فالثورة على المُلك باسم الدين تفرق الناس إلى فريق وشيع، فيتمزق الدين
بتمزق الملك.
وكما شيدت الأدبيات الفارسية التي راجت في
العصرين الأموي والعباسي نموذج "المستبد الضروري للدين"، من خلال صورة
أردشير الملقب بـ "الموحد" لكونه وحد الدين والأمة في فارس، شيدت تلك
الأدبيات نفسها نموذج "العادل الضروري للدنيا" من خلال صورة كسرى أنو
شروان الملقب بـ "العادل"، لكونه ألغى القرارات والتدابير التي اتخذها
سلفه بتأثير من المزدكية ذات النزعة "الشيوعية"، وهي القرارات التي
صودرت بموجبها أملاك الأغنياء لتوزع على الفقراء، فكان في ذلك إخلال بـ
"العدل" الذي كان يعني في الفكر القديم: "إنزال الناس
منازلهم". ولما أرجع كسرى أنو شروان للأغنياء أملاكهم وأعادهم إلى منازلهم في
هرم الدولة استحق بسبب ذلك أن يلقب بـ "الملك العادل".
ذلك باختصار هو
نموذج "المستبد العادل" الذي انحدر إلى الثقافة العربية الإسلامية من
الموروث الفارسي. وقد كان أوسع انتشارا وأعمق تأثيرا كما يلمس ذلك كل من له صلة
بكتب السير والأمثال والقصص، وبالخصوص تلك التي تندرج تحت مفهوم "الآداب
السلطانية".
وقد كرس الموروث
اليوناني –ولو في دائرة أضيق- النموذج نفسه من خلال الترجمات والمختصرات والمؤلفات
التي تحدثت عن "سياسة أفلاطون" أي ما يسمى اليوم بـ "جمهورية
أفلاطون". لقد انتهى أفلاطون في كتابه هذا إلى النتيجة المعروفة التي يلخص
فيها فكره السياسي ونظريته في الحكم، نقصد بذلك قوله : إنه ما لم يسند الحكم إلى
الفلاسفة، أو يتحول الحكام إلى فلاسفة، فلن تكون هناك مدينة فاضلة. وإذن فرئيس
المدينة الفاضلة لابد أن يكون فيلسوفا. والفيلسوف بهذا المعنى هو الذي يجمع بين
الفلسفة النظرية، أي المعرفة المجردة من ابتغاء شيء آخر غير المعرفة، والفلسفة
العملية التي تتلخص في حسن التدبير. غير أن أفلاطون الذي رسم الحكم
"المثال" انتهى إلى أن هذا الحكم لا مكان له في هذا العالم، لأن
الفلاسفة نادرون وإذا وجدوا فالناس لا يسلمون إليهم أمورهم. ويأتي الفارابي ليقرأ
هذا النموذج اليوناني بالنموذجين العربي الإسلامي المحض، الذي يمثله هذه المرة
النبي (ص)، والنموذج الفارسي الذي يمثله "الإمام"، الذي يحيل إلى
"أردشير" صاحب "المدينة الإمامية" التي تجمع بين الملك والدين
كما رأينا، والتي من خلالها تتحقق المدينة الفاضلة الممكن تحقيقها واقعيا. لقد
اشترط الفارابي في المدينة الفاضلة أن يكون رئيسها نبيا أو فيلسوفا. وإذا لم يوجد
أي منهما فمن الممكن قيام "مدينة إمامية" قريبة من "الفاضلة"
يرأسها "إمام" يتولى الإمامة
الدينية التي تجعل الإمامة السياسية إمامة عادلة. ها نحن هنا إذن أمام نفس النموذج:
"المستبد العادل".
واضح أن الحاكم
في هذا النموذج يستمد شرعية استبداده من تطبيق "العدل"، بمعنى إنزال
الناس منازلهم -والعدل بهذا المعنى يوناني الأصل وهو مستقى من فكرة الكوسموس أي
نظام الكون الذي كل شيء فيه في منزلته- بحيث يكون نظام المجتمع متراصا متناسقا
متضامنا كنظام الكون. غير أنه لما كان الحاكم هو في جميع الأحوال إنسان يعرض له
الخطأ والنسيان، فإنه لا بد من تحصينه بـ "الشورى". والإسلام يحث على
ذلك : "الدين النصيحة" "وأمرهم شورى بينهم" و"شاورهم في
الأمر". من هنا جاء النظر إلى النصيحة والشورى كبديل للديمقراطية بالمعنى
الغربي للكلمة. والحجة الصريحة أو الضمنية التي يصدر عنها أصحاب هذا الموقف تتلخص
في أن الديمقراطية تكمن كلها في اختيار من يصلح للحكم. والذي يصلح للحكم –في
نظرهم- ليس بالضرورة من يختاروه عموم الناس، فالناس لا يختارون الأصلح دائما، ومن
هنا كان معنى "الشورى" هو اختيار "أهل الحل والعقد" من
العلماء وغيرهم ممن يتبعهم جمهور الناس وينقادون لهم.
جميع ما قلناه عن
نموذج "المستبد العادل" ينتمي إلى "النظرية" أعني إلى تصور
الأفضل والمثال، إلى "اللاشعور السياسي". وهذا النموذج مسؤول، بهذه
الدرجة أو تلك، عن غياب الديمقراطية، على الأقل من حيث إنه يقدم بديلا عنها يعتبره
أفضل منها. ولكن بما أن هذا البديل النموذج قد بقي ومازال مجرد نموذج، مجرد مطلب،
فالبديل الواقعي القائم دوما هو شيء آخر غير "الاستبداد المقيد بالعدل"!
إنه "الاستبداد المطلق" الذي هو النقيض للديمقراطية.
ذلك، في نظرنا،
أهم مظهر في "الخاص" الذي يفسر غياب الديمقراطية في العالم العربي
والإسلامي، وواضح أنه لا يرجع إلى الإسلام كدين، بل إلى الموروث الإسلامي الذي
يتشكل من فهم المسلمين للإسلام وتأويلهم له.