الديمقراطية والإسلام!
ولمَ
الإسلام بالتحديد؟
محمد
عابد الجابري
كثر الحديث هذه السنوات عن "الديمقراطية والإسلام"، والغالب
ما يتجه الاهتمام إلى أحد جانبين من هذا الموضوع: إما إلى المرجعيات الدينية الإسلامية
(قرآن، حديث، سيرة الخ) لبيان أن الديمقراطية لا تتناقض مع الإسلام، وأنها هي نفس
ما يعبر عنه فيها بـ"الشورى"؛ وإما إلى
المرجعيات الأوروبية لبيان أن الديمقراطية بمفهومها الغربي الحديث شيء يختلف عن
الشورى الإسلامية وأن مضامينها أوسع وأغنى وأكثر تعبيرا عن حاجة العصر الحاضر من
الشورى، وبالتالي يجب أخذها من مرجعيتها مضمونا وتطبيقات.
إن تناول الموضوع من هذين الجانبين مقبول عندما يكون المخاطب هم العرب
والمسلمون، عندما يتعلق الأمر بالحوار الداخلي في ثقافتنا العربية الإسلامية
المعاصرة. أما عندما يطرح الموضوع على مستوى "حوار الثقافات"، من أجل
الرد مثلا على الأطروحات التي يروج لها بعض الكتاب في أمريكا وأوروبا، الذين
يزعمون أن الإسلام لا يقبل القيم الديمقراطية، فإن الموضوع يجب أن يعالج، في
نظرنا، من زاوية أخرى. ذلك لأن هؤلاء الكتاب الغربيين لا يقصدون بـ"الإسلام" في دعواهم، تلك، الدين الإسلامي كنصوص
ومرجعيات، لأنهم يعلمون أن الأديان والمرجعيات الدينية لا تشرع للديمقراطية كنظام
اجتماعي وإنما تحث أتباعها على جملة من الفضائل والقيم، من بينها تلك التي تدخل في
مضمون الديمقراطية؛ كما لا يقصدون التاريخ الإسلامي والتجربة الحضارية العربية
الإسلامية في القرون الوسطى، لأنهم يعلمون أنه لم تكن هناك ديمقراطية، بالمعنى
المعاصر، في أي بلد من بلدان العالم قبل العصر الحديث... بل
هم يقصدون، في الغالب، بدعواهم تلك: الواقع العربي والإسلامي في العصر الحاضر.
إنهم إذ يقولون إن غياب الديمقراطية في العالم العربي والإسلامي يرجع إلى كون
"الإسلام" لا يقبل القيم الديمقراطية الغربية لا يهمهم، أو على الأقل لا
يرتكزون في هذه الدعوى، على النصوص الإسلامية ولا على حوادث التاريخ الإسلامي،
وإنما يستحضرون في أذهانهم واقع الحال كما هو
اليوم في العالم العربي الإسلامي، حيث النظم السياسية غير ديمقراطية.
والواقع أن العالم العربي والإسلامي، على كثرة دوله وتنوع شعوبه، يخلو
من أية تجربة ديمقراطية يمكن القول عنها إنها ترقى إلى مستوى التجارب الديمقراطية
في الغرب. غير أن القول بأن "الإسلام" هو
المسئول عن هذا الغياب مسألة فيها نظر. نعم، الإسلام
حاضر فعلا في الواقع العربي والإسلامي ولا يمكن تجاهله أو إقصاؤه. والمقصود هنا:
الإسلام كموروث حضاري وكمخزون نفسي وكرؤية للعالم (وهذه أمور
يصنعها التأويل، وهو متعدد). ولكن "الإسلام"
بهذا المعنى ليس وحده العنصر الفاعل رغم أهميته ووزنه. هناك عناصر أخرى يجب استحضارها.
وإذن فالرد على أصحاب الدعوى المذكورة من الكتاب الغربيين، في إطار
"حوار الثقافات" لا يكون مناسبا، ولا مفيدا، إذا نحن وقفنا منها موقف
الدفاع، أعني إذا نحن انبرينا نبطلها من خلال إثبات كون الشورى الإسلامية هي الديمقراطية،
وأن الإسلام كدين لا يتعارض مع القيم الديمقراطية، فذلك ما يعترفون به أو على الأقل يجاروننا فيه. إن
الخصم كما قلنا لا يصدر في دعواه من فهم معين، أو من عدم فهم بالمرة، لنصوص ديننا، ولا عن معرفة أو عدم معرفة
بتاريخنا، وإنما يصدر من "واقع الحال" كما هو اليوم في الأقطار العربية
والإسلامية.
والمنظور الذي نقترحه هنا للنظر في الديمقراطية،
يقوم على الانطلاق من نفس منطلق أصحاب تلك الدعوى، أعنى من كون واقع الحال في
العالمين العربي والإسلامي تغيب فيه الديمقراطية كنظام في الحكم وكقيم اجتماعية
وثقافية، فنقول:
ليس ثمة شك في أن الديمقراطية والحريات العامة هما من المطالب التي لم
تتحقق بعد في أقطار العالم الإسلامي –كلها تقريبا- بالصورة التي تمكن شعوب هذه
العالم من ممارسة حقوقها في التعبير وانتخاب الحاكمين ومراقبتهم وإقالتهم، بل
ومحاكمتهم، إن اقتضى الأمر ذلك. غير أن هذه الظاهرة ليست
خاصة بالعالم الإسلامي وحده. ذلك أن معظم البلدان التي
يجمعها تعبير "العالم الثالث" –إن لم يكن جميعها- تعاني من نفس الظاهرة
بدرجات مختلفة، تماما كما هو الحال في أقطار العالم الإسلامي. من
ذلك مثلا أقطار أمريكا الجنوبية التي يدين معظم سكانها بالمسيحية، وأقطار في شرق
آسيا يدين أهلها بالبوذية أو غيرها من الديانات التي لا تعتبر سماوية. لقد كانت هذه الأقطار –وما زال كثير منها- يعاني من غياب الديمقراطية
والحريات العامة، وقد عرف بعضها ديكتاتوريات مشهورة. بل يمكن أن نوسع دائرة الرؤية
لندرج في هذه اللائحة أقطارا أوروبية عرفت غياب الديمقراطية والحريات العامة في
النصف الأول من القرن العشرين، مثل إسبانيا على عهد فرانكو، والبرتغال على عهد سلازار، واليونان في مرحلة حكم العسكر، وأيضا إيطاليا في عهد الفاشية
وألمانيا في عهد النازية، دع عنك روسيا والصين وأوربا الشرقية في عهد الشيوعية.
إن هذه الملاحظة تحملنا على طرح جملة
أسئلة، منها: لماذا تخصيص العالم الإسلامي عند الحديث عن غياب الديمقراطية؟ وهل يشكل العالم الإسلامي كلا واحدا بحيث يمكن تفسير غياب الديمقراطية
فيه بعوامل وأسباب تصدق على جميع أقطاره؟ ثم من أين جاء هذا التخصيص؟ هل من أهله وسكانه الذين يعانون من غياب الديمقراطية، أم أن
الأمر يتعلق بوصف أطلق من "الخارج" عليه، وفي هذه الحالة لابد من فحص
دوافع ورؤى هذا "الخارج"؟
هناك إذن، في هذا الموضوع، ما هو عام، وما
هو خاص. أما العام فهو "غياب الديمقراطية
والحريات العامة" في الأقطار التي تجمعها عبارة "العالم الثالث" أو
"الجنوب" أو ما أشبه ذلك من الأسماء. وأما الخاص
فهو ما قد تشترك فيه أقطار العالم الإسلامي وتختص به،
من عوامل وأسباب قد تفسر ذلك "الغياب". وهناك
داخل هذا الخاص ما يمكن وصفه بـ"خاص الخاص"،
أعني بذلك وضعية كل بلد إسلامي على حدة، وما قد يختص به
من عوامل وأسباب يمكن اعتبارها مسئولة عن الظاهرة التي نتحدث عنها. فغياب الديمقراطية في بلد كالجزائر مثلا لا يرجع إلى نفس
الأسباب المباشرة –التي تنتمي إلى الخاص وخاص الخاص- التي يمكن أن نفسر بها الظاهرة نفسها بالنسبة لموريتانيا أو المغرب أو تونس أو
هذه الدولة أو تلك من دول المشرق العربي. والشيء نفسه يصدق على باقي الدول العربية
والإسلامية.
ثلاث مستويات من التحليل لابد من القيام بها قبل التماس الجواب عن السؤال الأساسي في موضوعنا: لماذا
غابت وتغيب الديمقراطية في أقطار العالم الإسلامي؟ مستوى العام، ومستوى الخاص، ومستوى خاص الخاص.