ص1     السابق

 

التراث والتاريخ ... الواقع والمعاصرة

 

محمد عابد الجابري

كثيرا ما يخلط الناس بين التراث والتاريخ فلا يرون في التراث إلا "أشياء" زمن مضى وانقضى، بل قد يذهب بعضهم إلى وصف الارتباط بالتراث بـ "الماضوية"؟

الواقع أن التاريخ شيء والتراث شيء آخر. التاريخ بصورة عامة هو صيرورة الحياة البشرية بمختلف جوانبها: السياسية والاجتماعية والاقتصادية والفكرية. أما التراث فهو ما يبقى من التاريخ في لحظة معينة من هذه الصيرورة التاريخية. وما يبقى قد يكون ماديا، كالآثار والنقوش والتقاليد والعادات والملابس، وقد يكون فكريا، وهذا الأخير هو ما يشغلنا هنا. فما يبقى في ذات الإنسان، أو ما يدخل كجزء مكون لهويته، هو تراث. ومن هنا يمكن القول إن التراث هو حضور الخلف في السلف.

طبعا، يختلف التراث من حضارة إلى أخرى ومن عصر إلى عصر. فالأوربي المعاصر مثلا، إذا سمع كلمة تراث أو ما يقابلها، فإن ذهنه ينصرف في الغالب إلى ما يوجد في المتحف، إلى الفلكلور والنقوش والعادات، ولا يخطر بذهنه أحيانا، الجانب الفكري، وإن خطر فبصورة خفيفة جدا. من هذه الناحية يمكن القول، إنه لا يعاني من "التمزق في الوعي" على الأقل في هذا المجال.

أما بالنسبة لنا نحن العرب فـ"التراث" شيء آخر! ذلك أن هذه الكلمة تحيل عندنا إلى ظاهرة تتعلق بالوعي أكثر مما ترتبط  بالواقع المادي. ربما تعبر عن نوع من شقاء الوعي، نوع من الشعور بالهوة ما بين الصورة التي لدينا عن الماضي، وهي صورة ممجدة على كل حال، ونسقط عليها ما نريد أن نكون، وبين واقعنا ومستقبلنا. ومن هنا تأتي الأهمية التي تعطى حاليا لهذه الكلمة، والرنـين الذي لها، والأصداء التي تخلفها فينا.

نعم، لا شك أن هذا الشعور بالتمزق في الوعي مشروط بالوضعية الحاضرة. فالظروف العربية الراهنة تتميز بسيادة الإحباط  والفراغ الإيديولوجي. وعندما يعانـي الإنسان من الإحباط أو الفراغ الذي يعتم النظر إلى المستقبل فإنه يلتفت إلى الوراء ليحاول أن يستند إلى ما يحفظه أو يمنعه من السقوط. نحن نذكر أننا في الخمسينات والنصف الأول من الستينات من القرن الماضي، عندما كان الوعي العربي يتجه إلى الأمام وإلى المستقبل وإلى مغالبة القضايا التي تواجهه، كان الانشداد إلى التراث خفيفا، كانت المشكلة مطروحة فعلا، لكن ليس بالشكل الذي صارت عليه بعد ذلك.

إذن ليس الفرق بين التاريخ والتراث فرقا نهائيا، ليس انفصالا مطلقا، بل هو يختلف من فترة إلى أخرى، من شروط معينة نعيشها إلى شروط أخرى. وإذا أردنا أن نتجاوز هذا الارتباط بالواقع، لنفكر فيه تفكيرا مجردا، فإنه سيكون من الصعب علينا الارتفاع بالتراث كمعطى إلى المستوى الذي يمكننا أن نرتفع إليه به كمفهوم.

بالنسبة لمفهوم "التاريخ"، يمكننا أن نتعامل معه على مستوى عال من التجريد على مستوى فلسفة التاريخ مثلا، بينما التراث يصعب علي أن أرتفع به إلى هذا المستوى، لأن الإشكالية التي يطرحها هي إشكالية مؤقتة أو مرتبطة بظروف معينة. أما على مستوى التفكير النظري المجرد، فمن الصعب في الحقيقة التمييز بين التاريخ والتراث، لأن التراث ليس إلا جزءا من التاريخ، وبالتالي فالفصل ما بين التاريخ والتراث على صعيد التفكير المجرد ليس عملية سهلة. ليس هناك تاريخ بدون تراث، ولا تراث بدون تاريخ. هناك عملية تداخل بينهما، ولكن التداخل لا يعني بالضرورة التكافؤ. والمقارنة تكون مشروعة بين طرفين عندما تقوم بينهما علاقة تكافؤ.

هذه العلاقة بين التاريخ والتراث شبيهة بالعلاقة بين الواقع/الحاضر والمعاصرة. الواقع شيء، والمعاصرة شيء آخر. الواقع هو معطى موضوعي أو على الأقل هو دالة، أو كلمة، نطلقها على أشياء موجودة. هناك واقع اجتماعي، وواقع سياسي، وواقع طبيعي، وواقع تاريخي. وعندما نقول "واقع" فإن ذلك يعنـي أن الكلمة تحمل نوعا من الحياد، بمعنى: أشياء قائمة في ذاتها وتضع نفسها في مقابل الذات، لذلك كان في إمكاننا التعرف عليها، أو تبين ملامحها على الأقل، بأكثر ما يمكن من الحياد.

أما كلمة "المعاصرة" فهي مفهوم إيديولوجي. ليست هناك معاصرة بالمعنى الحيادي. المعاصرة مفهوم مشحون بمضمون إيديولوجي، بمعنى أنه يعبر عن الذات وعن شعورها ومطامحها، ولا يعبر عن الواقع. إنه يعبر عما تريد أن تحققه الذات في الواقع، أو ما تريد أن يكون الواقع عليه. هذا من جهة، ومن جهة ثانـية يمكن أن نلتمس الفرق ما بين المعاصرة والواقع على المستوى اللغوي-فالمعاصرة صيغة مفاعلة: تفيد المشاركة في تقدم العصر وحضارته وصنع واقعه. أما الواقع فيشير إلى الوجود القائم الحاضر الثابت.

إذن المعاصرة في الحقيقة، هي المساهمة في صنع الواقع، والمقارنة بين المعاصرة والواقع هي من المقارنات التي يجب أن يحتاط الإنسان في التعامل معها أو في إطلاقها هكذا على عواهنها. وبطبيعة الحال فالعلاقة بينهما عضوية، فليست هناك معاصرة بدون واقع. الواقع يفرض نفسه أو نصنعه، وليس هناك واقع بدون ذات تعيشه أو تحاول أن تغيره أو تأخذ منه صورة أخرى.

ولكن أن نضع المعاصرة في كفة ميزان، والواقع في الكفة الأخرى، فهذا إجراء خاطئ في المقارنة، تماما كما هو الأمر بين التاريخ والتراث!

قد يتضح أمام أنظارنا مدى الالتباس الذي يلف هذين الزوجين إذا نحن حاولنا تصور العلاقة بين العناصر الأربعة التي يتكونان منها: التاريخ، التراث، الواقع، المعاصرة! هنا تطرح عدة أسئلة: هل تشكل هذه المفاهيم الأربعة منظومة فكرية، بنية نظرية؟ هل يدخل التاريخ والواقع والمعاصرة كعناصر في بناء معين؟ وهل يدخل الواقع والتراث والمعاصرة كعناصر في بناء آخر؟ هذه هي النقطة الأولى التي يجب أن نفصل فيها، وإلا كان من الخطأ أن نقارن بين المنظومتين.

وأعتقد أن من عيوب خطابنا العربي أننا، في الغالب، نقبل السؤال وكأنه معطى صحيح وحقيقي لا يحتاج إلى فحص. في حين أنه لا بد من التعامل مع السؤال تعاملا نقديا! ولذلك فأنا لا أريد أن أنزلق إلى مقارنة من هذا النوع، لأننـي لا أتبين حتى الآن، كيف أن التاريخ والواقع والمعاصرة تدخل كعناصر في منظومة فكرية. التاريخ أعم من الواقع وأعم من المعاصرة. وكما قلت من قبل، طالما أنه ليس هناك تكافؤ يسمح بالمقارنة بين التاريخ والواقع، فليس هناك تكافؤ يسمح بالمقارنة بين الواقع والمعاصرة، والنتيجة المنطقية أن هذه العناصر الثلاثة غير متكافئة وبالتالي يصعب أن أدخلها في بنـية واحدة لأقارنها أيضا مع بنـية مماثلة لها.