الإمامة .. والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
محمد عابد الجابري
مسألة "الخلافة" أو "الإمامة" كانت في أول الأمر من موضوعات "المتكلمين" قبل الفقهاء. لقد انتظم "الكلام" فيها عند متكلمي السنة (معتزلة وأشاعرة) في إطار الرد على الشيعة الذين كانوا أول من أثاروها بعد أن استأثر العباسيون بالحكم دونهم، ومن هنا تسميتهم بـ "الإمامية". و"الروافض" من "الإمامية" هم في الأصل قسم من الشيعة رفضوا إمامة زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب لكونه اعترف بشرعية إمامة أبي بكر وعمر وامتنع من البراءة منهما فأُطِق على أتباعه اسم "الزيدية"، وكانوا أقرب إلى المعتزلة منهم إلى أهل السنة. فالزيدية إمامية ولكنهم ليسوا رافضة". لقد التمست الإمامية الرافضة السند لرفضهم إمامة أبي بكر وعمر من تأويل بعض الأحاديث المروية التي رأوا فيها ما يشير إلى أنها "وصية" من النبي عليه السلام، على أن ابن عمه علي بن أبي طالب هو "ولي أمر المسلمين" من بعده.
وهكذا تمحورت ردود أهل السنة على الإمامية عموما، والروافض منهم خصوصا، حول محورين:
1- إثبات شرعية خلافة أبي بكر وعمر وعثمان من جهة،
2- والتماس درجة ما من الشرعية لمن جاء بعد الخلفاء الراشدين من الملوك والحكام الذين حكموا البلاد الإسلامية كلها أو بعض أقاليمها. إن آراء المتكلمين والفقهاء في موضوع "الحكم" في الإسلام، أراء تُعبِّرُ عن مواقف أصحابها كأفراد، وفي الغالب عن رأي المذهب الفقهي أو الكلامي أو الاتجاه السياسي الذي ينتسبون إليه أو يتعاطفون معه.
أما القول بوجود "نظرية إسلامية" في الحكم، في كتابات المتكلمين والفقهاء، فهو قول لا يعبر إلا عن رغبة في وجود مثل هذه النظرية، وهي لم توجد، ولن توجد، لأن الشرط الضروري لقيامها غير موجود : نعني بذلك وجود نص صريح من القرآن أو السنة يُشرِّع للمسألة السياسية : لشكل الدولة واختصاصات رئيسها وكيفية تعيينه ومدة التعيين الخ. وإذن فالنظرية "الإسلامية" في الحكم –إذا كان لابد من استعمال هذا التعبير- هي نظرية هذا المسلم أو ذاك، هذه الجماعة من المسلمين أو تلك، في هذا العصر أو ذاك، في هذا البلد أو ذاك، لدى هذه الفرقة أو تلك. وإذا حدث أن أجمع علماء المسلمين على نظرية في الحكم واحدة واضحة محددة، ووافق عليها المسلمون جميعا، فحينئذ ستصبح هذه النظرية نظرية إسلامية بالفعل، لأن إجماع الأمة مصدر للتشريع في الإسلام. ولكن هذا لم يحدث طوال تاريخ الإسلام وما أظنه سيحدث، لأن الإسلام ليس دينا مغلقا على نفسه بل العكس هو الصحيح، وقد اقتضت حكمة الله أن تكون أمة الإسلام، كأمم الأنبياء السابقين، متعددة الأعراق والأعراف والتقاليد والمصالح الدنيوية الخ. إن "الوحدة" التي يدعو إليها الإسلام هي وحدة المعتقد، ومع ذلك فداخل هذه الوحدة توجد اختلافات بسبب الاختلاف في فهم الناس للنصوص الدينية أو بسبب عوامل أخرى ذاتية وموضوعية. والقرآن يشير إلى وقوع هذه الاختلافات ويؤكد وجودها في غير ما آية. قال تعالى: "كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً (على مستوى الشرك والجهل) فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ، وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ، وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ، فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ، وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (البقرة 213)،" وقال سبحانه: "تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ، مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ، وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ، وَآَتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ، وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ، مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ، وَلَكِنِ اخْتَلَفُوا: فَمِنْهُمْ مَنْ آَمَنَ وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ، وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا، وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ (البقرة 253). ويؤكد القرآن كذلك أن هذا الاختلاف بين الناس هو شيء أراده الله، هو : "سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا" (الأحزاب 62)، ومفهوم من الآية أن "سنة الله" هذه ستنطبق على الذين سيأتون من بعدُ، وذلك لقوله تعالى: "وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا".
والتاريخ الإسلامي، كما رأينا (فيما مضى من هذه السلسلة من المقلات التي جعلنا موضوعها: مفاهيم إسلامية)، قد جرى ويجري وفق هذه السنة (القانون)، تماما مثلما جرت، وتجري، وفقها حياةُ الناس وأحوالُ الكون بأجمعه.
ولا يجب أن يفهم من هذا أن على الناس أن يستسلموا للأمر الواقع، في كل الأحوال، استسلاما. إن استسلام الناس لما لا طاقة لهم بتجنبه أو توقعه أو تغييره، مثل الكوارث الطبيعية من الزلازل والطوفان وغيرهما، مما يدخل في سنن الظواهر الطبيعية، أمر مقبول، إن لم يكن مطلوبا: فـ"لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا" (الأنفال 286)، أما غير هذه مما هو في مقدور الإنسان، كالعمل من أجل الصلاح والأصلح ومن أجل ما يوحد ولا يفرق، ومثله تجنب السيئ والأسوأ... وباختصار "الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر" فهو مطلوب بنص القرآن : "وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنْكَرِ وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ، وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمْ الْبَيِّنَاتُ وَأُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ" (آل عمران 104- 105).
وهذا الأمر، الذي جاء بصيغة الجمع (ولتكن منكم)، يلزم الناس جميعا أفرادا وجماعات، في حال الدعوة إلى الخير والأمر بالمعروف؛ أما في حال "النهي عن المنكر" فقد بينه النبي عليه السلام بقوله: «من رأى منكم منكرا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان»، قال القرطبي، قال العلماء: "الأمر بالمعروف باليد (واجب) على الأمراء (الحُكَّام)، وباللسان على العلماء، وبالقلب على الضعفاء، يعني عوامّ الناس؛ فإنّ معنى الاستطاعة : التمكّن من التغيير دون ضُرّ يلحقه، أو يلحق عموم الناس كالفتنة".
هذا إذا كان المنكر غير صادر عن "الأمراء" أنفسهم ولا يتطلب تغييرهم. أما إذا كان صادرا عن سلطة سياسية غالبة، أو تحت حمايتها، فإن المنكر يتحول حينئذ إلى "منكر اجتماعي سياسي" محمي بقوة الحكم القائم، وحينئذ فإن المتصدي لتغييره يجب أن تكون وراءه قوة اجتماعية سياسية قادرة على ذلك. وهذا ما يفهم من قوله عليه الصلاة والسلام : "ما بعث الله نبيا إلا في منعة من قومه"، أي في ظل حمايتهم ومناصرتهم. فإذا كانت هذه حال الأنبياء الذين هم أول المكلفين بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فحال غيرهم أشد حاجة، بما لا يقاس، إلى قوة اجتماعية تمتلك أسباب النصر؛ أما إذا لم يكن لديهم ذالك فهم مهزومون حتما، ويتحملون مسؤولية هلاك أنفسهم وهلاك أتباعهم.
ويفسر ابن خلدون ذلك بكون "أحوال الملوك والدول راسخة قوية لا يزحزحها ويهدم بناءها إلا المطالبة القوية التي من ورائها عصبية القبائل والعشائر (قوى اجتماعية وسياسية متلاحمة متضامنة). ثم يضيف: "فإذا ذهب أحد من الناس (بمفرده) هذا المذهب (تغيير المنكر باليد) وكان فيه مُحِقًّا، قَصُر به الانفرادُ عن العصبية (=عدم امتلاكها) فطاح في هوة الهلاك. وأما إن كان من المتلبسين بذلك (= بالدعوة إلى المعروف والنهي عن المنكر) في طلب الرئاسة، فأجْدِرْ أن تَعوقَه العوائق وتنقطع به المهالك". ويسند ابن خلدون رأيه هذا بأمثلة من التاريخ الإسلامي، مشرقا ومغربا، متحدثا عن تجارب "كثير من الموسوسين يأخذون أنفسهم بإقامة الحق ولا يعرفون ما يحتاجون إليه في إقامته من العصبية ولا يشعرون بمغبة أمرهم ومآل أحوالهم". ثم يخلص من ذكر تجارب هؤلاء إلى النتيجة التالية، قال: "والذي يحتاج إليه في أمر هؤلاء إما المداواة إن كانوا من أهل الجنون، وإما التنكيل بالقتل أو الضرب إن أحدثوا هرجا، وإما إذاعة السخرية منهم وعدِّهم من جملة الصقَّاعين (الحمقى يضربون الناس بالحجر يمينا وشمالا)... وأكثر المنتحلين لمثل هذا تجدهم موسوسين أو مجانين أو ملبسين يطلبون بمثل هذه الدعوة رئاسة امتلأت بها جوانحهم وعجزوا عن التوصل إليها بشيء من أسبابها العادية، فيحسبون أن هذا من الأسباب البالغة بهم إلى ما يُؤمِّلونه من ذلك، ولا يحسبون ما ينالهم فيه من الهلكة فيسرع إليهم القتل بما يُحدِثونه من الفتنة، وتسوء عاقبة مكرهم".