خطاب أوباما: منطق لا تاريخي وهاجس أمني.
محمد عابد الجابري
بعد "مقدمة خطاب أوباما" التي تناولناها في المقال السابق ننتقل معه
إلى القضايا التي قال عنها إنها يجب معالجتها "بجهد مشترك" بين
الولايات المتحدة الأمريكية والمسلمين: قضايا حصرها في سبع، ويمكن
تصنيفها، حسب موضوعاتها، إلى قسمين: قسم يخص ما عبر عنه الخطاب
بـ"مصادر التوتر" السياسي في العلاقات بين الولايات المتحدة والإسلام:
ويدور حول ثلاثة محاور، وقسم يخص ما يمكن التعبير عنه بـ "التوتر
الإيديولوجي" بين القيم الأمريكية (الغربية) وبين ما يعتبره الخطاب
"قيما إسلامية"، ويدور حول أربعة قضايا.
يتناول القسم الأول، كما قلنا، ثلاث قضايا رتبها الخطاب كما يلي:
1- التطرف الذي يستعمل العنف (وهو "الإرهاب" باصطلاح بوش)، ويدخل ضمنه
العلاقة مع الوضع في أفغانستان والعراق؟
2- الصراع العربي الإسرائيلي، والكلام فيه عن اليهود والفلسطينيين
أساسا.
3- السلاح النووي: ويتعلق الأمر بإيران وإصرارها على الحصول على الطاقة
النووية.
سنخصص هذا المقال لفحص المنطق الذي أسس عليه ترتيب هذه القضايا،
والهاجس الذي يحكم القضية الأولى.
لعل أول ما يلفت النظر هنا هو أن ترتيب هذه القضايا في خطاب أوباما جاء
ترتيبا غير تاريخي، يصرف النظر عن "الأسباب" ليقتصر على طرح الحدث
مقطوعا عن زمانه الخاص، منقولا إلى الحاضر، كـ "مادة خام"..! إن اعتبار
تاريخية وإنسانية هذه الأحداث كان يقتضي ذكرها متسلسلة حسب أسبقية
السبب على النتائج. وما دام الموضوع هو "التوتر السياسي" بين أمريكا
والعالم الإسلامي، فإن الترتيب السببي/التاريخي يقتضي وضع القضية
الفلسطينية في الدرجة الأولى. ذلك لأن جزءا من الدوافع التي دفعت
الفاعلين إلى ارتكاب حدث 11 سبتمبر، هو –كما صرحوا بذلك هم أنفسهم-
حملة العنف الشرس الذي كانت تمارسه إسرائيل على الفلسطينيين خلال
الأسابيع، بل الشهور، التي سبقت ذلك الحدث الفظيع. ليس هذا وحسب، بل إن
التوتر في علاقة العرب والمسلمين مع الغرب قد سبق حادث 11 سبتمبر بقرن
من الزمان! ذلك أنه يجد أصله في التوتر الداخلي الذي ساد في بريطانيا
بسبب قضية هجرة يهود شرق أوروبا إليها، ولأسباب سياسية وإستراتيجية
اختارت الحكومة البريطانية تصديره إلى فلسطين –بدل أوغندة التي كانت
أنظار الحركة الصهيونية متجهة إليها بوصفها –في نظرهم "أرضا بلا شعب"
صالحة لتكون قبلة "شعب بلا وطن"، أي اليهود. وهكذا جاء "وعد بلفور"
عام 1917، ليحول إلى فلسطين رياح "التاريخ اليهودي المأساوي"، الذي
تحدث عنه خطاب أوباما. وهكذا فالتاريخ الحقيقي للتوتر بين العرب
والمسلمين من جهة وبين الغرب بما فيه أمريكا من جهة أخرى، يشير ويشهد
بأن وعد بلفور، وتنفيذه بالسياسة والدبلوماسية والسلاح والإرهاب، هو
المصدر الحقيقي للصراع العربي الإسرائيلي الذي لم ينضب بعد. وإذا كانت
عبارات "خطاب أوباما" تسكت عن هذا "الوعد" وذيوله فليس لأنه لا يريد أن
ينكأ جرحا في قلوب العرب والمسلمين بل لأن ذلك "الخطاب" يراد منه أن
يواصل تبرير وجود دولة إسرائيل في أرض فلسطين، لا أمام العرب والمسلمين
، بل أمام الرأي العام الأمريكي والأوروبي الذي تأسست في ضميره قضية
"التاريخ المأساوي لليهود"، وليس تاريخ القضية الفلسطينية، على مبدأ
"أرض بلا شعب لشعب بلا وطن". وهذا فـ"خطاب أوباما" كما تمت صياغة نصه،
يصدر عن مسلمة "ضرورة الاتخاذ من فلسطين وطنا قوميا لليهود". هذه
"الضرورة" التي أفصح عنها ذلك الخطاب بعبارات صريحة واضحة قاطعة لا لبس
فيها، عبارات استهل بها حديثه عن "الصراع العربي الإسرائيلي"قائلا:
"إن متانة الأواصر الرابطة بين أمريكا واسرائيل معروفة على نطاق واسع.
ولا يمكن
قطع هذه الاواصر أبدا، وهي تستند إلى علاقات ثقافية وتاريخية، وكذلك
الاعتراف بأن
رغبة اليهود في وجود وطن خاص لهم هي رغبة متأصلة في تاريخ مأساوي لا
يمكن لأحد
نفيه".
بقية المقال :
اضغط